موفق السباعي: هل مسلموا اليوم يقولون : لا إله إلا الله ؟

| 22.09,19. 11:20 PM |


هل مسلموا اليوم يقولون : لا إله إلا الله ؟



موفق السباعي

سؤال عجيب ، وغريب ، ومستهجن ، ومضحك !!!


أليس كذلك ؟!


ولكن حينما نتحرى عن الحقيقة ، ونكشفها ، وتظهر أمامنا كالشمس الساطعة في رابعة النهار، فإن هذا العجب سيزول ، ويتلاشى ..


حينما يظهر يقينا ، أن مسلمي اليوم لا يقولون ( لا إله إلا الله ) حسب المراد الرباني – إلا قليلاً منهم - !!!


ولا يفهمونها على أنها تعني :


لا معبود بحق ، في الطقوس العبادية .. وفي التشريعات ، والقوانين ، وأنظمة الحكم ، وفي الأخلاق ، والعادات ، وفي المعاملات التجارية ، وفي الأخلاق ، والضمير ، والوجدان ، وفي الحلال ، والحرام ، وفي لباس المرأة ، والاختلاط بين الجنسين ، إلا الله وحده لاشريك له ..


وأنه هو الذي يجب ، أن يكون المتفرد ، والقيوم ، والقائم ، والمدبر لشؤون الكون ، والعباد معا .. لوحده فقط .. دون أي منازع ، ولا مشارك من العباد بتاتا ...


( قُلۡ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحۡيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ﴿١٦٢﴾ لَا شَرِيكَ لَهُۥۖ وَبِذَٰلِكَ أُمِرۡتُ وَأَنَا۠ أَوَّلُ ٱلۡمُسۡلِمِينَ ﴿١٦٣﴾ الأنعام .


فهذا أمر إلهي صارم ، حازم .. بأن تكون أعمال حياة العبد كلها ، صغيرها وكبيرها ، وللفرد ، وللمجتمع ، وللدولة ، خالصة لله تعالى ، لا يشاركه فيها أي إله آخر ، وبذلك يكون مسلما ..


فالله يريد من المؤمنين .. التجرد الكامل له وحده .. والدينونة التامة ، والرضوخ الكامل له ، في كل شؤون الحياة ، وفي وضع الدستور ، والقانون للدولة ، بحيث لا يكون ثمة معبود آخر سواه ..


فالذين لا يؤمنون بهذا ، ولا يقرون به ، ولا يعترفون به .. لا يقولون : ( لا إله إلا الله ) ..


وإنما يقولونها تفكها ، وتسلية ، وللتنفيس عن مصاب ، حينما يُلمُ بهم ، وأثناء الأذكار الجامدة ، الروتينية ، الباردة ، الخالية من التفاعل معها ، وتمنياً ، وترجياً بدخول الجنة – كما يظنون – .


إنهم يقولونها قولاً .. ولكنهم يخالفونها عملاً !!!


يطيعون الله في الطقوس التعبدية .. ويطيعون آلهة أخرى في المعاملات اليومية .. مقرين ، ومعترفين لهم بصلاحية وضع القوانين ، والدستور ، والتشريعات من دون الله !!!


وحينما نبحث .. ونستقصي عن أصل الدعوة ، التي دعا بها جميع الرسل ، وخاتمهم محمد عليهم السلام ..


نجد بشكل واضح ، وجلي ، وساطع أن الرسول صلى الله عليه وسلم ، بقي ثلاثة عشر عاما في مكة .. وهو يدعو قومه قريش .. إلى شيء واحد ، لا ثان له ، قائلاً :


قولوا : لا إله إلا الله ، تفلحوا ..


يقول الطبري في تاريخه :


{ حدثنا أسباط ، عن السدي : أن ناساً من قريش اجتمعوا ، فيهم أبو جهل بن هشام ، والعاص بن وائل ، والأسود بن المطلب بن عبد يغوث ، في نفر من مشيخة قريش ، فقال بعضهم لبعض : انطلقوا بنا إلى أبي طالب فنكلمه فيه ( يعني محمد صلى الله عليه وسلم ) ، فلينصفنا منه ، فيأمره ، فليكف عن شتم آلهتنا ، وندعه وإلهه الذي يعبد ، فإننا نخاف أن يموت هذا الشيخ ، فيكون منا شيء ، فتعيرنا العرب ، يقولون : تركوه ، حتى إذا مات عمه تناواوه !!!.


قال : فبعثوا رجلا منهم يُدعى المطلب ، فاستأذن لهم على أبي طالب ، فقال : هؤلاء مشيخة قومك ، وسرواتهم ، يستأذنون عليك ، قال : أدخلهم ، فلما دخلوا عليه ، قالوا : يا أبا طالب ، أنت كبيرنا ، وسيدنا ، فأنصفنا من ابن أخيك ، فمره فليكف عن شتم آلهتنا ، وندعه وإلهه .


قال : فبعث إليه أبو طالب ، فلما دخل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال : يا بن أخي ، هؤلاء مشيخة قومك وسرواتهم ، وقد سألوك النِصف ، أن تكف عن شتم آلهتهم ، ويدعوك وإلهك ، قال : اي عم ،


أولا أدعوهم إلى ما هو خير لهم منها ؟


قال : وإلام تدعوهم ؟


قال : أدعوهم إلى أن يتكلموا بكلمة واحدة ، تدين لهم بها العرب ، ويملكون بها العجم ..


فقال أبو جهل من بين القوم : وما هي وأبيك ؟


لنعطينكها وعشرا معها ..


قال : تقولوا : لا إله إلا الله ، قال : فنفروا وتفرقوا ، وقالوا : سلنا غير هذه ..


فقال : لو جئتموني بالشمس حتى تضعوها في يدي ، ما سألتكم غيرها ..


قال : فغضبوا وقاموا من عنده غَضَابى ، وقالوا : والله لنشتمنك وإلهك الذي يأمرك بهذا .. ( وَٱنطَلَقَ ٱلۡمَلَأُ مِنۡهُمۡ أَنِ ٱمۡشُواْ وَٱصۡبِرُواْ عَلَىٰٓ ءَالِهَتِكُمۡۖ إِنَّ هَٰذَا لَشَيۡءٞ يُرَادُ ﴿٦﴾ مَا سَمِعۡنَا بِهَٰذَا فِي ٱلۡمِلَّةِ ٱلۡأٓخِرَةِ إِنۡ هَٰذَآ إِلَّا ٱخۡتِلَٰقٌ ﴿٧﴾ ص . } .


نستنتج من هذا المشهد الواحد ، ذي الحركة المنسابة ، والايقاعات المتتالية ، والصور المتتابعة ، والحوار الجدي ، والنقاش القوي  بين الرسول صلى الله عليه وسلم ، وبين عمه ، وبين سادات قريش ، الذين صُدموا بالنتيجة ..


أن المشركين ما كان يزعجهم ، ويغيظهم ، ويقلق راحتهم ، وينغص عيشهم ، لو أن الرسول صلى الله عليه وسلم ، أغلق على نفسه الباب ، وتعبد ربه كما يشاء ، وإلى متى ما يشاء ، وتركهم وآلهتهم يعبدونها كما يشاؤون ، وكيفما يشاؤون ...


فهذا لن يسبب لهم أي ضرر ، ولا أي أذى ، ولا أي خسارة ، وسيبقون على عروشهم ، يتحكمون في مصير الناس ، ويحكمونهم بشريعتهم ، وأنظمتهم ..


ولن يخسروا مصالحهم ، ولا الامتيازات التي كسبوها عبر السنين ...


وهذا هو نفس الخطاب ، الذي يوجهه طغاة المسلمين اليوم ، حيث يقولون لعامة المسلمين :


تريدون مساجد ، سنبنيها ، أو نسمح لكم ببنائها ، وزخرفتها ، وتزيينها بما  تشتهون من أحسن الزخارف ، ونسمح لكم ، أن تقيموا حلقات الذكر ، والأناشيد الدينية ، وأن تحتفلوا بكل المناسبات الدينية المتنوعة ..


لا جُناح عليكم في ذلك ، ولا حرج ..


بل وتريدون مدارس تحفيظ القرآن ، فسنبني لكم ما تشاؤون .. وتخرجون أجيالا من حفظة القرآن ..


وتريدون مطابع لطبع القرآن ، وإذاعات ، وقنوات تلفازية ، تذيع ، وترتل القرآن طوال الليل والنهار ...


وتريدون أن تتكلموا بالأخلاق ، والمواعظ الحسنة ، وترقيق القلوب ، وأن تتحدثوا عن الجنة والنار ، وعذاب القبر ، والموت ، والحساب .. وتضجون بالبكاء ، والعويل ، والنحيب ، وتتمايلون ذات اليمين ، وذات الشمال ، هياما بحب الله !!!


بل وتريدون مدارس شرعية ، تعلم الفقه ، والحديث ، وأخواتهما فلكم ذلك ، وتريدون عقد ندوات اجتماعية ، إصلاحية تتحدث عن بر الوالدين ، والإحسان إلى الجيران ، اليهود ، والنصارى ، والمجوس وسواهم ..


كل هذا مسموح لكم ..


أما أن تسبوا آلهتنا ، وتشتموا قوانينا ،  وأنظمتنا ، وتشريعاتنا ، ودستورنا العلماني ، وتعترضوا عليها ، وتتدخلوا في سياسة الحكم ، وإدارة البلد ، وتنتقدوها ، أو تسفهوا أحلام الولاة ، والسلاطين ، وتحرضوا الناس على الخروج عليهم ، ونزع طاعتهم ..


فهذا خط أحمر ، ممنوع منعا باتا ..


مِن دونه خَرْطُ القتَاد ، وقطع الرقاب ، والسجن في الزنزانات ، وراء القضبان ، وتلقي العذاب ، والهوان حتى الموت !!!


ومن خلال ملامسة واقع مسلمي اليوم ، نجدهم – إلا قليلا منهم – يؤمنون بأن الشعائر التعبدية ، يجب أن تكون منفصلة لوحدها ، ولا علاقة لها بالقضايا القانونية ، والتنظيمية ، والإدارية ، والسياسية !!!


ويظنون أنهم ، يمكن أن يكونوا مسلمين ، وهم يدينون لله في الصلاة ، ويدينون للحاكم في الدستور ،  والقانون ، ويقبلون بأن تكون وظيفة الله تعالى محصورة فقط ، أن يخلق ، ويرزق ، وغيره يحكم !!!


وتلك قسمة ضيزى !!!


وعليه :


هم ، لا يقولون لا إله إلا الله ، كما يريد الله ، وإنما كما يريد الشيطان !!!


( وَمَن يَكُنِ ٱلشَّيۡطَٰنُ لَهُۥ قَرِينٗا فَسَآءَ قَرِينٗا ) النساء 38 .


( وَمَن يَتَّخِذِ ٱلشَّيۡطَٰنَ وَلِيّٗا مِّن دُونِ ٱللَّهِ فَقَدۡ خَسِرَ خُسۡرَانٗا مُّبِينٗا ) النساء 119 .


ولذلك :


أصبحوا أذلة صاغرين ، مهانين ، يتكادمون تكادم الحُمُر ، وتطأ رؤوسَهم كلابُ بني الأصفر ، وفئران الرافضة ، وثعالب المجوس ..


وحينما يقولون ( لا إله إلا الله ) بالمفهوم الرباني الشامل ..


حينئذ فقط ، تدين لهم كل الأمم ، ويملكون العجم ، والفرس ، والروم ، ويسيطرون على البيت الأسود ، فيما وراء المحيطات ، ويفتحون روما ..


وكل العالم يركض وراءهم ، يبغون رضاهم .


السبت 22 المحرم 1441
21 أيلول 2019




(Votes: 0)

Other News

زهير السباعي: الثورة السورية والفيتو الروسي ؟ عمرو عبدالرحمن: قراءة في رسائل القائد عبدالفتاح السيسي لشعب مصر ... منير دوناس: نقد الفكر الدبلوماسي العربي عمرو عبدالرحمن: كيف تدبر أمريكا لإشعال حرب وهمية بين أبناء العم [الايرانيين الاسرائيليين] علي جثة العرب!؟ مصطفى منيغ: إقليم العرائش و سيطرة الرَّائِش زهير السباعي: حرب إقتصادية ونظام عالمي جديد New arrest over $2m drugs and guns haul غورُ الأردنِ المنكوبُ نقبُ فلسطينَ المنهوبُ عمرو عبدالرحمن: مملكة الجبل الاصفر ؛ دويلة اسرائيل الجديدة د. إبراهيم حمامي: خطوات جديدة نحو صفقة القرن مصطفى منيغ: شمعون يحاصر الأردن د. مصطفى يوسف اللداوي: قتل السايح انتقاماً لعملية إيتمار زهير السباعي: أيها السوريون لومو أنفسكم قبل أن تلومو غيركم؟ مصطفى منيغ: أَهَافَا يهودية للعدل مُضَافَة د.بهروز بويان: رائعة ودائمة بعد 54 سنة من النضال ـ نظرة على تاريخ منظمة مجاهدي خلق محمد سيف الدولة: فلسطين والأكاذيب الاسرائيلية موفق السباعي: كيف نستقبل ذكرى الهجرة النبوية، ولماذا حدثت؟ حسن العاصي: الماركسية بثوبها العربي.. ديالكتيك التفسير لا التغيير.. مادية النصوص عمرو عبدالرحمن: مصر تحارب اسرائيل في سيناء بالتنمية والانتماء وجيش من 8 مليون مواطن مصري ... مصطفى مني: لقلاق العراق نظام مير محمدي: الرحلات الأوروبية لظريف مبرر جرائم خامنئي ونتائجها مصطفى منيغ: العراق على حًلَبَةِ السباق د. مصطفى يوسف اللداوي: الكيان الصهيوني يحترم الأقوياء ويخاف منهم عباس علي مراد: الزمن الجميل موفق السباعي: زفرات وعبرات، على أسوار خان شيخون محمد سيف الدولة: فلسطين بين الأساطير الصهيونية والأكاذيب العربية زهير السباعي: من يتحمل مسؤلية اتفاقيات أستانة وسوتشي؟ عمرو عبدالرحمن: معركة التجديد الديني والتحرر من الاستعمار الباطني ؛ الطريق إلي #شخصية_مصر ... د. إبراهيم حمّامي: عن تفجيرات غزة مرة أخرى نظام مير محمدي: الفساد الممنهج على رأس الفاشية الدينية في إيران