زهير السباعي: هل تَرْضَخْ تركيا للضغوطات الأمريكية والأوروبية ؟

| 21.07,19. 02:50 PM |




هل تَرْضَخْ تركيا للضغوطات الأمريكية والأوروبية ؟



زهير السباعي

بعد سقوط الخلافة العثمانية إثر هزيمتها في الحرب العالمية الأولى التي إنطلقت شرارتها الأولى في ٢٨ يوليو تموز ١٩١٤ وانتهت في الساعة ١١ من صباح ١١ نوفمبر تشرين الثاني ١٩١٨ ياللصدفة١١~١١~١١و صفت هذه الحرب بالحرب التي ستنهي كل الحروب، تقاسمت دول التحالف المنتصرة التركة العثمانية، في عام ١٩٢٢ ألغى مصطفى كمال السلطنة العثمانية بعد أن تم خلع آخر السلاطين محمد السادس، قاد كمال حركة قومية وأعلن عن تأسيس الجمهورية التركية وتولى رئاستها بنفسه وذلك عام ١٩٢٣ وحتى وفاته ١٩٣٨، أطلق الأتراك عليه لقب أتاتورك يعني أبو الأتراك، فرض أتاتورك النظام العلماني وأرسى عدداً من العادات والتقاليد الغربية ضارباً بعرض الحائط العادات والتقاليد التي كانت سائدة أيام العثمانيين، استبدل الكتابة بالأحرف العربية إلى اللاتينية فخسرت اللغة العثمانية الكثير من أدبياتها التي إندثرت مع حركة التتريك التي قادها أتاتورك، عاشت الجمهورية التركية الحديثة مدة قرن تقريباً وهي تترنح بين الموت والحياة، فالجهل والمرض والفقر المدقع والديون أرهقت كاهلها، وأتت الانقلابات العسكرية لتزيد الطين بلة، فكان أول انقلاب عسكري عام ١٩٦٠ ضد رئيس الوزراء الشرعي رئيس الحزب الديمقراطي عدنان مندرس الذي أعاد بعض العادات والتقاليد التي حظرها أتاتورك، أعتقل مندرس مع عدد من وزراء حكومته وأعدمو شنقاً، أما الانقلاب الثاني فكان على سليمان ديميريل وذلك عام ١٩٧١ عبر مذكرة أرسلها له الجيش طالبه فيها بالتنحي، عرف هذا الإنقلاب بإنقلاب المذكرة، دميريل وبعد قراءته للمذكرة فَضَّلَ التنحي والإستقالة من منصبه لكنه لم يترك العمل السياسي، وفي ١٢ سيبتمبر أيلول عام ١٩٨٠ قاد الجنرال كنعان إيفرين إنقلاباَ عسكرياً ثالثاً في تاريخ تركيا المعاصر، كنت شاهد عيان على هذا الإنقلاب وشاهدت الدبابات وهي تقف في ساحة الحي الذي أقطنه بأنقرة، وفي بيان قرأه إيفرين عبر التلفاز - أبيض أسود- أعلن فيه وضع الجيش يده على البلاد وتعليق العمل بالدستور وفرض الأحكام العرفية ومنع التجوال وحظر جميع الأحزاب السياسية وحلها ووضع رؤسائها تحت الإقامة الجبرية، وفي عام ١٩٨٢ أصدر إيفرين دستوراَ جديداً وسع من سلطات رئيس الجمهورية العسكري معطياً المؤسسة العسكرية نفوذاً أوسع لقيادة البلاد، ثم تم إنشاء مجلس الأمن القومي التركي بعضوية عدد من المدنيين وأغلبية عسكريين، في ٩ نوفمبر تشرين الثاني ١٩٨٢ تم انتخاب إيفرين رئيساً للجمهورية واستمر في الحكم حتى ٩ نوفمبر تشرين الثاني ١٩٨٩، في ٤ نيسان ٢٠١٢ تم ملاحقته قضائياً من قبل المحاكم المدنية لمحاكمته على الجرائم الدموية التي ارتكبها أثناء الانقلاب الذي جاءت فاتورته باهظة جداً ودموية وأدلى بشهادته أمام القضاء المدني وفي عام ٢٠١٤ حكم عليه بالسجن مدى الحياة، ونظراً لكبر سنه ومرضه ووجوده بالمستشفى لم ينفذ الحكم ومات بالمستشفى وذلك في ١٠ من مايو أيار ٢٠١٥، أما الإنقلاب الرابع فكان على حكومة نجم الدين أربكان وذلك عام ١٩٩٧، فبعد وفاة الرئيس تورغوت أوزال عام ١٩٩٣ في ظروف غامضة وتعرض لمحاولة إغتيال، وصل حزب الرفاه وحليفه الطريق المستقيم- القويم- إلى السلطة ليصبح الزعيم الإسلامي نجم الدين أربكان رئيساُ للوزراء وهو ثاني زعيم ذي توجه إسلامي يصل للسلطة فقد سبقه المرحوم عدنان مندرس الذي أعاد الأذان باللغة التركية وغير ذلك، أغضب العلمانيين وصول أربكان هوجا للحكم فحركو أذرعهم العسكرية ضد الحكومة المدنية والشرعية، وفي ٢٨ فبراير شباط ١٩٩٧ إجتمع مجلس الأمن القومي ذو الغالبية العسكرية وقرر وقف تجربة أربكان هوجا الآن وليس غداً عبر إنقلاب لم تتدخل فيه الدبابات، رضخ إربكان لمطالب العسكر، فتم حظر حزب الرفاه بموجب حكم قضائي وتم إيداعه السجن مع مجموعة من قادة حزبه منهم رجب طيب اردوغان الذي أصبح رئيس الجمهورية التركية، وتم تسليم الحكم من قبل العسكر إلى حزب اليسار الديمقراطي بزعامة بولاند آجاويد

أسس أعضاء حزب الرفاه المنحل حزباً جديداً أطلقو عليه إسم حزب الفضيلة الذي لم يسلم من مصير سلفه وتم إغلاقه، تعرض حزب الفضيلة إلى حراك داخلي بين جناح المحافظين والتجديديين فأسس الأول حزب السعادة وأسس الأخر حزب العدالة والتنمية بزعامة رجب طيب اردوغان وذلك في ١٤ أغسطس آب ٢٠٠١، استغل اردوغان وحزبه فشل حكومة اليسار الديمقراطي وشارك بأول انتخابات برلمانية ليحسمها لصالحه والتي جرت في ٢٠٠٢ ليفوز ب ٣٦٣ مقعداً من أصل ٥٥٠ مقعداً برلمانياً، مما سمح له بتشكيل حكومة بمفرده والفوز بحكم البلاد حتى ٢٠٢٣، فاز حزب العدالة والتنمية بجميع الانتخابات التي جرت في تركيا برلمانية رئاسية محلية واستفتاء، استطاع اردوغان تحويل تركيا من النظام البرلماني الى النظام الرئاسي، ومع وصول اردوغان وحزبه للسلطة شهدت البلاد نهضة في جميع المجالات وبدأت رؤوس الأموال تتدفق على تركيا، فالاستقرار السياسي والأمني الذي حققه اردوغان جلب أنظار المستثمرين الأجانب الذين ضخو أموالهم الطائلة في مشاريع ضخمة بتركيا، تحسن الاقتصاد التركي وانتعش وارتفع الدخل الفردي للمواطن التركي ودخلت تركيا مجموعة العشرين الاقتصادية، هذا النجاح والتطور أزعج أمريكا وحلفائها فأوعزو إلى عملائهم في الكيان الموازي أو مايعرف بجماعة الشيخ فتح الله غولن - خوميني تركيا- القيام بإنقلاب عسكري وذلك في ١٥ يوليو تموز ٢٠١٦، استطاع اردوغان النجاة من الانقلابيين وبث نداء دعا فيه الشعب للنزول الى الشارع والاعتصام في الساحات العامة، لبى الشعب التركي الكبير والصغير والمأمط بالسرير وبكافة أطيافه ومذاهبه نداء القائد وهي المرة الأولى التي يتحدى فيها الشعب وقياداته السياسية الانقلابيين والجيش، فواجهوهم في الشارع والساحات العامة وعلى الجسر المعلق إلى أن أعلن القائد اردوغان فشل الانقلاب، عاد المواطنين الى أعمالهم ووظائفهم بعد انقطاع دام لمدة شهر تقريباَ، ومن أجل الدفاع عن تركيا ومصالحها في المنطقة طلبت تركيا من أمريكا بيعها منظومة باتريوت الصاروخية لكن البنتاغون لم يوافق ومازال يماطل في الموافقة على طلب تركيا مما دفع باردوغان الطلب من بوتين بيعه منظومة إس ٤٠٠ الصاروخية، وافق بوتين على الصفقة ووصلت شحنات اس ٤٠٠ الى قاعدة مرتد بأنقرة، أصيب البنتاغون والناتو بالجنون وعلى الفور أعلن البنتاغون إخراج تركيا من برنامج إنتاج طائرات إف ٣٥ وفرض عقوبات أخرى عليها، وفي منتصف مايو أيار من العام الجاري أعلنت تركيا عن البدء بعمليات التنقيب عن النفط والغاز شرق المتوسط مما أثار اعتراضات امريكية اوروبية وعربية، ففي ١٥ يوليو تموز الجاري اعتمد مجلس الاتحاد الاوروبي في بروكسل جملة من العقوبات ضد تركيا مع تهديده بزيادتها في حال لم توقف تركيا نشاطها بالتنقيب عن النفط والغاز شرق المتوسط، بذلك يظهر الاتحاد الاوروبي عن سياسته الازدواجية تجاه تركيا وجزيرة قبرص

أخيراً ربَّ ضارة نافعة أمريكا واوروبا وغيرهم يعرفون تماماً بأن تركيا اليوم ليست تركيا البارحة، تركيا لن تسحب سفنها من المنطقة ولن ترضخ للضغوطات والإملاءات الخارجية والابتزاز السياسي، على العكس قررت تركيا إرسال المزيد من السفن الى المنطقة وتأمين غطاء جوي وبحري لهم، فالاتحاد الاوروبي لايتمتع بسلطة قضائية حتى يحدد الأنشطة القانونية وغير قانونية في شرق المتوسط وفرضه عقوبات على تركيا يعد خطأً فادحاً، فإذا كانو يظنون أو يعتقدون بأن تركيا سترضخ او تركع او تتراجع فإنهم مخطؤن ولم يعرفو اردوغان، فالإرادة والعزم والتصميم والثقة التي يملكها اردوغان هي إرادة رجل دولة مخلص لوطنه وشعبه، وكما جاء في قصيدة الأطلال للشاعر الكبير إبراهيم ناجي واثق الخطوة يمشي ملكاً، فالثقة بالنفس من خصال الشخصية القوية والمتميزة والتي لايتمتع بها إلا القليل، كم أتمنى أن أرى قائداُ عربياً مثل اردوغان؟





(Votes: 0)

Other News

عمرو عبدالرحمن: نجحت المسرحية الصهيو - إيرانية وعادت الخنازير لأرض الخليج! محمد سيف الدولة: رسالتنا للعالم بعد صفقة القرن نظام مير محمدي: سلسلة تجمعات المقاومة الإيرانية وحركة التقاضي عمرو عبدالرحمن: كيف تمزقت آخر امبراطورية عربية إسلامية بين أنياب الخوارج الباطنية!؟ نظام مير محمدي: سنسترد إيران محادثات أستانا في 1 و2 أغسطس بمشاركة لبنان والعراق لأول مرة د. مصطفى يوسف اللداوي: مواقفٌ تصنعُ المروءةَ وأخرى تكشفُ النذالةَ عمرو عبدالرحمن: كيف غرق العرب في مستنقع الباطنية بين أنياب الفرس والترك الآريين ... مصطفى منيغ: بطيخ الأردن أشقر اللون (2من3) عمرو عبدالرحمن : الاستعمار الفاطمي امتداد الاستعمار الفارسي لمصر! د. مصطفى يوسف اللداوي: زيفُ الحضارةِ اللبنانية وكذبةُ الأخوةِ الإنسانيةِ موفق السباعي : حماس وحزب اللات صنوان ، يخدمان إيران لاستعادة إمبراطوريتها الفارسية مصطفى منيغ: بطيخ الأردن أشْقَر اللَّوْن (1من3) د. إبراهيم حمّامي: عنصرية لبنان المزمنة محمد سيف الدولة: معاهدة كامب ديفيد الاولى 1840 د. مصطفى يوسف اللداوي: صندوقُ النقدِ الدولي عدوُ الشعوبِ ومدمرُ البلدانِ مصطفى منيغ: الأردن قَرارٌ غير مضمون زهير السباعي: الثورة السورية لم ولن تنتهي حتى تحقق أهدافها د. مصطفى يوسف اللداوي: الفلسطينيون خشبة نجاة الإسرائيليين مصطفى منيغ: الأردن مًسَدَّس غير مشحون محمد سيف الدولة: (4) المؤتمرات الصهيونية 1982 ـ 1997 حسن صبرا: جبران يستحضر: دواعش سنية – درزية – مسيحية! بقلم: حسن صبرا حسن العاصي:الأسيرات الفلسطينيات حرائر فلسطين.. شموخ وعزيمة لا تلين عمرو عبدالرحمن: إلي اللقاء في مجدو العالمية الثانية! والنصر لنا بهذه الشروط... د. إبراهيم حمّامي: ما بين القذافي وبن سلمان مصطفى منيغ: في الأردن المُخطَّط مدفون نظام مير محمدي: التخبط والخروج من الاتفاق النووي، لماذا؟ ربيع سرجون: خسروا معركة كسر جنبلاط... والمفاجإة بانتظارهم! ابراهيم امين مؤمن: رواية قنابل الثقوب السوداء أو أبواق إسرافيل أنموذج المقدمة والإشهار رامي الريّس: عن الزيارات الداخلية لوزير الخارجية!