حسن العاصي: طوفان الوباء.. صناعة الكراهية والشقاء

| 09.03,19. 01:44 AM |


طوفان الوباء.. صناعة الكراهية والشقاء


حسن العاصي

كاتب وباحث فلسطيني مقيم في الدانمرك

كصناعة السيارات والطائرات والملابس والعطور، يتم تصنيع الرأي العام والذوق العام. مثلما الثقافة صناعة والسياحة والرفاهية والازدهار صناعة. كذلك هي الكراهية.


صناعة الكراهية التي تتقنها طغمة من الديكتاتوريات والأنظمة الفاسدة والنخب الفكرية والسياسية والثقافية والدينية الكاسدة. يقومون بنشر السموم والأكاذيب، وبث الأحقاد بصورة يتم فيها التحريض وبناء منظومة الكراهية والعداء الاجتماعية على أساس قومي وعرقي وطائفي ومذهبي أو قبلي أو مناطقي. هذه الصناعة تجد لها أسواقاً تروّجها في الكثير من البلدان، وخاصة في العالم العربي المثقل بالأزمات المركبة. وهي صناعة تحظى برعاية وغطاء من بعض الأنظمة العربية المستبدة، ومن دول إقليمية تمتلك مشاريعاً جيوستراتيجية تقوم على مبدأ الانقسام في الصف العربي، وبث الكراهية والتفرقة بين الشعوب العربية وإحداث صراعات وتناحر بينها، كي تتمكن تلك الدول من تحقيق أهدافها. في ظل حالة الجهل التي ما زالت تحكم واقع كثير من المجتمعات العربية، تصبح الكراهية ناراً تستعر تحرق المجتمع وتفكك ترابطه وتثير النعرات والحروب الأهلية، تنهي أي تفاهم وتناغم مجتمعي، وتحدث الرغبة في الانتقام وتنشر ثقافة تبرير العدائية والعنف والاعتداء على الآخرين.


الكراهية في المعنى والاصطلاح


في اللغة إن الكراهية هي القبُح وأثارة الاشمئزاز والبُغض حول شيء ما. أن يكره الإنسان شيئاً هذا يعني مقتَه ولم يحبّه وأبغضه ونفَر منه. الكراهية هي أيضاً الحقد والغضب والشعور بالضغينة تجاد شخص ما. وفي الأفعال القولية التي تصدر عن دولة أو جماعة أو أفراداً وتدعو صراحة إلى الكراهية يطلق عليها "خطاب الكراهية". في حين أن كافة الجرائم التي تحركها الكراهية وتدفع مرتكبيها لفعل جرمي بسبب الكراهية


أياً كانت، تسمى "جرائم الكراهية". هذه الجرائم قد ترتكب ضد أفراد أو جماعات، لأسباب الكراهية المتعلقة بالدين أو العرق أو اللغة أو الجنس أو الإعاقة العقلية أو البدنية.


تتنوع جرائم الكراهية ما بين ممارسة العنف ضد الآخر، وظهورها في صورة المضايقات والتهديدات والتسلط في المدرسة أو أماكن العمل. كما يمكن أن تأخذ الكراهية شكل لوحة أو كتاب أو نص أو ملصق أو أغنية أو فيلم، أو أي إنتاج آخر ينطوي على عناصر مهينة وتهديدية. جرائم الكراهية لا تستهدف فقط الأفراد أو الجماعات، إنما المباني العامة والخاصة أيضاً، وكذلك دور العبادة وممتلكات الأقليات.


رغم أن عدداً من الدول أصبحت دساتيرها وقوانينها العامة تتضمن تعريفات للكراهية وجرائمها، والعقوبات التي تفرض على مرتكبيها، إلا أن الكثير من الدول الأخرى، خاصة العربية، لا تزال جرائم الكراهية فيها أحد أكثر المواد القانونية إثارة للجدل والاجتهاد بين مكونات المجتمع. ونظراً للتقاطع والاختلاط الذي يقع فيه البعض بين حرية التعبير كأحد أهم الحقوق الشخصية للفرد وبين خطاب الكراهية، تحافظ الدول الديمقراطية على توازن يحمي جميع شرائح المجتمع.


كما أن جرائم الكراهية تسافر خارج الحدود، من خلال منع الفرد أو الجماعة المستهدفة من السفر، أو العودة للوطن. كل ذلك يشير بوضوح أن الشعور بالكراهية بين الناس يعتبر تهديد خطير على المجتمع برمته.


صناعة الكراهية


أهد أهم الأسلحة المستخدمة في الحروب النفسية، وأهم أدوات نظام تفكيك البنى والتماسك الاجتماعي. إن الحروب العسكرية تستهدف حياة البشر وممتلكاتهم المادية، فيما الحروب النفسية تستهدف السلوك الاجتماعي، من خلال التأثير على أفكارهم وحالتهم المعنوية. وتصنع الكراهية عبر نشر الأكاذيب وتزوير الحقائق، واختلاق الأحداث، والتلاعب بالعقول، والافتراء على الآخرين، وتزيين الباطل. وهذا يؤدي إلى توفير البيئة التي ترعى الكراهية والمعاداة ليشتد عود الضغائن، ثم تتحول الكراهية إلى أفكار وعقائد قبل أن تصبح سلوكاً عدوانياً متطرفاً. الكراهية وتغذيتها تشكل الحاضنة الملائمة للعنف والإرهاب. وللكراهية أوجه متعددة، منها ما هو اجتماعي أو ثقافي أو كراهية دينية وهي الأخطر لأن أثرها يظهر سريعاً ويفتت المجتمعات، بينما تتسبب الأزمات السياسية


بكراهية اجتماعية. تظهر هذه الكراهية في الشعارات والمواقف والخطابات السياسية والدينية المتشددة التي تكون غالباً المصدر الرئيسي لنشر ثقافة الكراهية.


في صناعة الكراهية نجد نماذج ومستويات مختلفة، منها يتعلق بإشعال الصراعات والحروب بين الدول والشعوب فيما بينها، ومنها ما يرتبط بصناعة الكراهية داخل الأمة الواحدة بيد بعض الأبناء، أو داخل البلد الواحد، أو العرق الواحد، أو الدين الواحد. فقد عمدت بعض الدول الغربية الاستعمارية على تلطيخ صورة الإنسان العربي عبر وسائل الإعلام لدى شعوبها مما أحدث ما يعرف بظاهرة الإسلاموفوبيا. ثم بعد الأحداث الدامية المرعبة التي شهدتها المنطقة العربية خلال العقد الثاني من القرن الواحد والعشرين، تعززت صورة العربي المتطرف القاتل في وسائل الإعلام الغربية. وهناك صناعة الكراهية داخل البلد الواحد والدين الواحد بهدف إثارة العصبيات المذهبية والقبلية، لإشعال الفتن والصراعات التي قد تصل إلى حروب أهلية.


أبرز أدوات صناعة الكراهية هي نشر الكذب والافتراءات، والتلاعب بالعقول، تزوير الحقائق، وتزييف البيانات. وهي سلاح يفتك ببنية المجتمعات ينتمي للجيل الرابع، ولا يكلف الدول مالاَ وجهداً كثيراً


لا تنمو الكراهية إلا في المجتمعات غير المستقرة، والتي تعاني من انقسامات عرقية وطائفية ومذهبية، وتغيب عنها ثقافة التنوع وقبول الآخر، ويقاسي فيها الناس من غياب الأطر والضوابط السياسية والقانونية المنظمة. ويمكن لقضية الأقليات العرقية والدينية أن تشكل مدخلاً للتوظيف السياسي لدى بعض الدول، وأن يثير كراهية كيانات ضد كيانات أخرى. كما أن للمحسوبيات والمنفعة الخاصة، والتهميش والإقصاء الذي تمارسه البطانة أن يولد الكراهية والعنف.


خطاب الكراهية


انتشر في الأعوام الماضية خطاب الكراهية والبغض في كثير من الأماكن حول العالم، خاصة في المنطقة العربية التي شاع في كثير من بلدانها مصطلح المجتمعات المنغلقة على الأنا الجمعية، بامتداد المناطق والطوائف والقبائل والأعراق والمذاهب والأيديولوجيات. إن التطور التكنولوجي وفي وسائل الإعلام المتنوعة أسهم بصورة كبيرة في تفشي ظاهرة وخطاب الكراهية في منصات التواصل الاجتماعي، حيث يتم استقطاب شرائح وأعداد متزايدة للانضمام إلى جيوش الكراهية العصرية، متسلحين


بالحقد والأفكار العنصرية والألفاظ الشوفينية، لخوض معارك الاقتتال الاجتماعي والمذهبي والعرقي في الفضاء الالكتروني الواسع. تستغل هذه الأطراف حرية التعبير التي تصونها القوانين الدولية للاعتداء على كل شيء، حتى الأديان والخالق لم يسلم من شر هؤلاء.


جميع وسائل الإعلام تتحمل مسؤولية رئيسية في بث خطاب الكراهية بصورة متواصلة على مدار الساعة للمشاهدين والمستمعين والقرّاء. تزايد الإعلام المتخصص بالبغض والكراهية، في ظل غياب شبه تام للإعلام المهني الذي يقوي الروابط الوطنية للمكونات الشعبية، ويواجه الإعلاميين الثرثارين الذين يهتكون النسيج الاجتماعي عبر التحريض الأعمى على العنف والإقصاء.


في البلدان العربية حيث تتشابك المعايير وتمتزج المصطلحات وتفتقد الضوابط، اختلط النقد بالشتم، وتصاعدت وتيرة السباب والقذف في الخطابات التي تجد استحساناً لدى شرائح اجتماعية واسعة، حيث تلهب الخطابات الشوفينية المتشددة مشاعرهم وحماسهم. هذه الحدة تعود في أحد أسبابها إلى التناحر والصراع السياسي والأيديولوجي والديني بين مختلف القوى والأحزاب والدول، يصبح معه إعلام الكراهية سلاحاً لكسب الحرب.


كافة الأطراف التي تدعم وتمول وتغذي وسائل الإعلام القائمة على نشر الكراهية، غايتهم هي تخدير الشعوب وتغييب وعيها، وإشغالها عن حالة الشقاء والبؤس التي توسم الوضع العربي الراهن. الهدف هنا هو إبقاء الشعوب العربية أحجار شطرنج وبيادق تتقاتل دون أن تغادر الرقعة، ويظل اللاعبين الرئيسيين متحكمين بمصير المنطقة.


حروب الكراهية


أقبح الحروب هي التي تقوم على الكراهية، وأكثرها وحشية هي التي ترتكب باسم الدين، وقد شهدت البشرية عدد منها. لعل ما يعنيني هنا هي المجازر والمذابح التي ارتكبتها الصهيونية وإسرائيل عبر العصابات الإرهابية، بدءًا من عصابة "هاشومير" التي تأسست عام 1909 مروراً بعصابة الهاغاناه عام 1921 وفرق "المالباخ" عام 1936 وشتيرن والأرغون وسواها، بحق الشعب الفلسطيني. ويؤكد التاريخ أن اليهود ارتكبوا في فلسطين حملات مكثفة ومخططة من العنف والإرهاب والكراهية، ذهب ضحيتها الآلاف من الأبرياء النساء والأطفال، وما زالت مستمرة حتى اللحظة.





(Votes: 0)

Other News

المحامي عبد المجيد محمد: عالم حافل بالإنسانية بمناسبة اليوم العالمي للمرأة عبدالرحمن مهابادي: دور النساء في المقاومة الإيرانية .. تكريمًا لذكرى اليوم العالمي للمرأة مصطفى منيغ: باقتناعه يرحل أو باقتلاعه د. مصطفى يوسف اللداوي: المرأةُ الفلسطينيةُ في يومِ المرأةِ العالمي عبدالرحمن مهابادي: الحالة الأخيرة لشبكة العنكبوت الخاصة بولاية الفقيه .. نظرة إلى إزاحة ظريف عن وزارة الخارجية والفضيحة الكبيرة حسن العاصي: طوفان الوباء.. صناعة الكراهية والشقاء عمرو عبدالرحمن: مصر الكبري بين ثورتين ؛ 1919 و 30 يونيو 2013 - معركة التاريخ القادم محمد سيف الدولة: ثورة 1919 بعيون ثورة يناير مصطفى منيغ: في الخرطوم إشاعات تحوم د. موفق مصطفى السباعي: هل ستطول التورة السورية أكثر مما طالت؟! د. مصطفى يوسف اللداوي: الكيانُ الصهيوني ينقبُ السدَ الأفريقي عمرو عبدالرحمن: الف باء المؤامرة تبدأ بـ 3 كلمات ؛ " أشكنازى - نازي - ناسا " !!! هدى مرشديك: مؤتمر ميونيخ؛ النظام الإيراني في زاوية الحلبة د. مصطفى يوسف اللداوي: مرحى بالعائدين بعد طولِ غيابٍ إلى الوطن مصطفى منيغ:مصطفى منيغ زهير السباعي: الثورة السورية في كفة ميزان المجتمع الأممي رجاء بكريّة:أوراق شخصيّة جدا (2) د. إبراهيم حمّامي: المسكوت عنه في قصة المختطفين الأربعة موفق السباعي: أصناف الناس الجزء الثاني والأخير د. إبراهيم حمّامي: دروس الافراج عن شباب غزة د. مصطفى يوسف اللداوي: مجلسُ حقوقِ الإنسانِ يدينُ حكومةَ الكيانِ مصطفى منيغ: سوق "البَشير" قَلَّ فيه الحمير عبدالرحمن مهابادي: بداية شلل نظام ولاية الفقيه محمد سيف الدولة: التصريحات الخطيرة المنسوبة لرئيس مصر هدى مرشدي:حقيقة حضور المقاومة الإيرانية في وارسو؛ اصطفاف الشعب والمقاومة الإيرانية في وجه حكم الملالي مصطفى منيغ: ماذا ينتظر، من الشهيدة عاكفة خاطر؟؟؟ محمد سيف الدولة: أسئلة 2019 فى مئوية ثورة 1919 المحامي عبد المجيد محمد: من هو الدكتاتور هتلر أم خميني؛ غوبلز أم خامنئي؟! مصطفى منيغ: دولة السودان لم تعد في أمان حسن العاصي: السطوة الأمريكية على القوة الذكية عالم للأثرياء