د. مصطفى يوسف اللداوي: الخاشقجيون المنسيون في بلادنا العربية

| 15.10,18. 10:01 AM |



الخاشقجيون المنسيون في بلادنا العربية



بقلم د. مصطفى يوسف اللداوي

بعيداً عن قضية جمال خاشقجي الشخصية، التي أعلنتُ في مقالٍ سابقٍ عنه، سبقتُ فيه الكثير من الأقلام العربية والأجنبية، التي سال حبرها كثيراً وبحت أصواتها فيما بعد، تضامني معه، وتأييدي له، واعتزازي به، وحزني عليه، وغضبي الشديد على ظالميه وقاتليه، وعلى الذين استدرجوه وخدعوه، وعلى الذين أصدروا قراراً بشطبه ووافقوا على تصفيته، وحنقي الكبير على الذين يريدون طمس قضيته، وإنكار مقتله، وإخفاء آثار الجريمة ولفلفتها لتكون حادثاً عادياً أو جريمةً عرضيةً، مجهولاً مرتكبها، وغيرَ معلومٍ فاعلها، ذلك أنها قضيةٌ إنسانيةٌ بحتةٌ، وليست سياسية أو أيديولوجية، فحرية الرأي والتعبير حقٌ مكفولٌ، وامتيازٌ يجب أن يتمتع به كل إنسانٍ، ولا يحرم منه ولا يحارب عليه، ولا يقتل لأجله أو يحاسب عليه.


إنما أردتُ في مقالي هذا بيان أن أمتنا العربية تزخر بآلاف الخاشقجيين الذين يقبعون في السجون، ويغيبون في المعتقلات، ويجبرون على العيش في المنافي والشتات، وغيرهم كثير يقتلون بصمتٍ، ويشطبون بجبنٍ، ويصفون بحقدٍ، وتمارس في حقهم أسوأ أنواع الجريمة وأبشع أشكال القتل، فمن لم يمت في سجنه ومعتقله كمداً أو حزناً، فإنه يسام سوء العذاب، يُصفد ويُقيد، ويُجلد ويُضرب، ويُسحل ويُشبح، ويُجوع ويحرم، قبل أن تحز رقبته أو يدق عنقه، أو يشنق ويخنق، أو يذبح ويقطع، أو يضرب بالرصاص أو يقتل بالعصي والهراوات، أو يرمى من الطائرة فيموت، أو يُلقى من شاهقٍ فيلقى حتفه، وكثيرٌ في الأصفاد يموتون، أو في عمق مياه البحار يلقون فيموتون غرقاً، وغير ذلك كثير من ألوان الموت وأشكال الشطب والتصفية، التي تخلو من الإنسانية والحضارة، ومن الرحمة والشفقة، التي لم نر لها شبيهاً سوى لدى داعش وأمثالها.


هؤلاء الضحايا وهم كثرٌ في سجوننا العربية ومعتقلاتنا النازية، وباستيلاتنا البوليسية وزنازيننا الخفية، هم من المعارضين السياسيين، ومن حملة الرأي وأصحاب القلم، ومن أهل الفكر ورواد الإبداع، ومن الحالمين بالكرامة والساعين إلى السيادة، ممن يحزنهم الواقع العربي ويشقيهم المواطن فيه، ويؤلمهم حاله المعيشي وظروفه الإنسانية، إنهم ممن ينادون بالحرية ويتطلعون إلى الكرامة، ويريدون الاستقلال والتطور، والحداثة والتمدن، وممن يتصفون بالصدق والشفافية، ويتحلون بالإخلاص والولاء، ويتحملون الأذى والعذاب، ويصبرون على الاتهام والاعتقال، ويضحون بالعطايا والمنح، والمناصب والمراكز، ولا تغريهم الوعود ولا تبطرهم النعم، الذين يصرون على نقد الحاكم ومعارضة السلطان إذا رأوا منهم بغياً وطغياناً وظلماً وعدواناً.


للعلم إن أنظمتنا العربية لا تعتقل فقط الأدباء والمفكرين، والسياسيين والمعارضين، والمبدعين والفنانين، إنما تعتقل الأطفال والنساء، وممن هم دون الثالثة عشر من عمرهم أحياناً، الذين يغردون على وسائل التواصل الاجتماعي، ويعبرون عن آرائهم الشخصية على صفحات الانترنت، أو يقومون برسم صورٍ أو الاشتراك في ملصقاتٍ عامة توصف بأنها تحريضية، وقد يقضي الأطفال والنساء في سجونهم، حيث يعذبون بطريقةٍ لا يقوى على احتمالها الرجال، ولا يصبر على آلامها الحيوان، ولكن أحداً لا يسمع عنهم بسبب التعتيم المفروض، والعقاب الشديد الذي يتربص بمن يغامر وينشر، وبسبب التهديدات التي يتعرض لها ذوو المعتقلين من الأطفال والنساء، الذين قد يجبرون أحياناً على نفي خبر اعتقالهم، وتكذيب من يدعي أنهم يعذبون ويهانون، وإلا فإنهم لن يروا أبناءهم في حياتهم، أو أنهم سيلتحقون بهم في غياب سجونهم ومعتقلاتهم.


هل تنجح قضية جمال خاشقجي في لجم أنظمتنا العربية، وتكون لهم درساً رادعاً وعبرةً قاسية، فتجبرها على وقف الملاحقات الفكرية، ومحاسبة المواطنين على آرائهم السياسية، ومراقبة أقلامهم ومحاسبتهم على كلامتهم، أم أنها ستتوقف فقط عن المحاسبة في الخارج، وستمتنع عن القتل والتصفية خارج حدود بلادها، بينما ستستمر في ممارسة الفظائع وارتكاب الجرائم بحق المعارضين من مواطنيها داخل بلادهم، وضمن ما يسمونها حدودهم السيادية، بعيداً عن الرقابة الدولية، وبمنأى من التدخلات الخارجية، لئلا يقعون في حرجٍ، أو يتسببون في أزمة، ولماذا لا يلجأون إلى ذلك طالما أن الحساب في بلادهم أسهل، والعقاب ضمن أنظمتهم أضمن، والوصول إلى طرائدهم أيسر، حيث يلقون أحياناً من الخارج الدعم والتأييد، والمساندة والحماية، ومن بعض علماء الداخل وزبانية السلاطين القبول والتبرير.


أم أن أنظمتنا العربية وأجهزتها الأمنية ستتعلم من غيرها، وستستفيد من تجربة من سبقوها، ممن يرتكبون الجرائم الكبرى دون أن يعرف بهم أحدٌ، أو يشعر بآثارهم جهازٌ، ودون الحاجة إلى إعلان المسؤولية عن الجريمة، بل على العكس من ذلك يمكن للأنظمة أن تدعي أنها أم الولد، وأنها المعتدى عليها والمستهدفة، والمقصودة والمعنية، وتدافع عن القضية، وتدعي المظلومية، وتسبق الجميع إلى البكاء والعويل، خاصةً أن الحادثة الأخيرة وضعت المتورطين في أزمةٍ كبيرةٍ، وجعلتهم أضحوكة ومهزلةً، وهو ما لم يقع فيه غيرهم، وربما أن بعض الأجهزة الأمنية الدولية والصديقة عرضت خدماتها عليهم، وأبدت استعدادها لنقل تجربتها إليهم، لئلا يتعرضوا مستقبلاً إلى ما عرضتهم إليه هذه القضية الأزمة والفضيحة.


قضيةُ جمال خاشقجي التي أصبحت قضية رأي عامٍ، ومسألةً عالميةً تتصدر الأحداث كلها بلا منازع، يتحدث بشأنها قادة الدول وحكام العالم، تفتح الباب واسعاً لنا أمام قضايانا الوطنية، وتجاه حقوق الإنسان في بلادنا العربية، وحصانات المواطنة المحروم منها، فغير جمالٍ في بلادنا كثير، لكن أحداً لا يسمع عنهم، ولا يعرف أسماءهم أو أماكن اعتقالهم، فهل تخرج قضيته المأساوية قضايانا من صندوقها الأسود المظلم إلى فضاء الحرية المنير، ومن السرية والخفاء إلى دنيا الإعلام المفتوح، الذي يستطيع أن يفضح الجرائم، ويميط اللثام عن الفساد في أنظمتنا، ويكشف عن الظلم الذي ترتكبه أجهزتنا الأمنية ومحاكمنا الوطنية، أم أن علينا أن ننتظر مصائرنا بصمتٍ، وأن نتوقع مصارعنا بعجزٍ.


بيروت في 15/10/2018

[email protected]




(Votes: 0)

Other News

د. عادل محمد عايش الأسطل: واشنطن: فرصة للابتزاز ..! زهير السباعي: الثورة السورية والمؤامرات الكونية عليها ؟ هدى مرشدي: العمال الإيرانيون ضحايا نظام الملالي عبدالرحمن مهابادي: الشبان الإيرانيون انتفضوا ضد نظام الملالي.. نظرة لخطاب الولي الفقيه الأخير فيما يتعلق بوضع النظام د. مصطفى يوسف اللداوي; الإسرائيليون يشكرون الرب ويضحكون على العرب محمد سيف الدولة: لماذا يكرر السيسى الرواية الاسرائيلية المحامي عبد المجيد محمد: ظريف، وزير خارجية روحاني، وقصة لص البطيخ والشمام عبد المجيد محمد ـ وكيل دادگستري: ظريف؛ وزير خارجه آخوند روحاني و داستان دزد هندوانه و خربزه! إبراهيم أمين مؤمن:أسباب الأزمة اليمنية ومقترحات لحلها عبدالرحمن مهابادي: لماذا النظام الإيراني حامل لأعلى سجل إعدام في العالم ؟ المحامي عبد المجيد محمد : الإعدام هو أداة الحكومة في نظام ولاية الفقيه بمناسبة ١٠ اكتوبر اليوم العالمي لإلغاء عقوبة الإعدام عبد المجيد محمد ـ وكيل دادگستري:اعدام ابزار حاكميت در رژيم ولايت فقيه حسن العاصي: الغربة في الأوطان .. المواطن العربي.. اغتراب واضطراب فاحتراب د. مصطفى يوسف اللداوي: جمال خاشقجي صوتٌ مقاومٌ في أرضِ الحجازِ عبدالرحمن مهاباديك: بماذا ينشغل الملالي قبل سقوط نظامهم ؟ نظرة إلى وضع نظام الملالي في الأشهر القادمة سيد أمين: وجهة نظر حول سوريا وايران والربيع العربي موفق السباعي: ربانية الولاء والبراء.. وجاهلية الوطنية والعشيرة والقبيلة د. مصطفى يوسف اللداوي: أراءٌ إسرائيلية حول الحرب على غزة المحامي عبد المجيد محمد: انتصار العدالة القضائية على إرهاب نظام الملالي في إيران عبد المجيد محمد ـ وكيل دادگستري: پيروزي عدالت قضايي بر تروريسم رژيم ملاهاي ايران زهير السباعي: الثورة السورية تتآلق من جديد محمد سيف الدولة:كسبنا الحرب .. خسرنا الحرب ؟ هدى مرشدي: التدخل الإيراني المميت في اليمن عبدالرحمن مهابادي: إلى متى سيبقى النظام الديني الحاكم في إيران واقفا على قدميه؟ المحامي عبد المجيد محمد: الفاشية الدينية الحاكمة في إيران لاتفهم إلا لغة الحزم والقاطعية عبد المجيد محمد ـ وكيل دادگستري: فاشيسم ديني حاكم بر ايران فقط زبان قاطعيت را مي فهمد! سيد أمين: وجهة نظر حول سوريا وايران والربيع العربي محمد سيف الدولة: المحميات الأمريكية فى بلادنا زهير السباعي: هل الوجود الامريكي في سورية مرهون بالوجود الايراني؟ المحامي عبد المجيد محمد: سأبدأ التفاوض من هنا!