د. مصطفى يوسف اللداوي: جمال خاشقجي صوتٌ مقاومٌ في أرضِ الحجازِ

| 08.10,18. 07:27 PM |



جمال خاشقجي صوتٌ مقاومٌ في أرضِ الحجازِ



بقلم د. مصطفى يوسف اللداوي

رغم أنني لم ألتقه في السنوات الأخيرة كما كنت ألتقيه من قبل، إلا أنني بقيتُ أحملُ له الكثير من الود، وأحفظُ له العديد من المواقف الإنسانية، وأشيدُ بقلمه وفكره، وعطائه وجهده، وأتذكرُ كلماته الحرة عن فلسطين وأهلها، وعن المقاومة ورجالها، وأتعلم كثيراً من شخصيته العصامية، وأغترف من تجربته الوفيرة، فقد عمل في أكثر من مكان، وتقلد الكثير من المناصب، وخاض العديد من التجارب، وتجشم المخاطر وركب الصعب، وخاض في دروب شائكة ومساراتٍ وعرةٍ، وآلَ على نفسه أن يؤدي الواجب الملقى على عاتقه من موقعه ومكانته، وحسب قدرته وإمكانياته، وقد كان في كل مواقعه عاليَ الصوت، جريءَ القلم، بَيِّن الفكرة، صريحَ العبارةِ، جليَ الموقف، يقتحمُ المواضيع، ويزاحمُ الشخصيات، ويفتحُ الملفات، ويميطُ اللثام، ويكشفُ المستور، ويزيلُ الغموض، ويسلطُ الأضواء، ويسافرُ بعيداً ويغوصُ عميقاً، حتى أصبح في مواضيعه متخصصاً، وفي مجالاته خبيراً، يُسأل فيجيب، ويُستشارُ فيفيد، ويَنصحُ فينفع.


لن أتحدث في مقالي هذا عن جمال خاشقجي الغائب، المختطف أو القتيل، المجهول المكان والمصير، بل سأسلط الضوء على جوانب ناصعة من مواقفه القومية والإسلامية تجاه فلسطين وأهلها، فقد أحب المقاومة وأيدها، وساند رجالها ودعم أبطالها، وصد بالكلمة عنهم ونافح بالقلم عن مواقفهم، وآلمه كثيراً الخطوات التي أقدمت عليها حكومة بلاده قبل سنواتٍ، عندما ضيقت على المقاومة الفلسطينية، فاعتقلت بعض قادتها، وحالت دون تقديم العون لهم، وحاربت كل من يتبرع لهم أو يتعاون وإياهم، وأغلقت أبواب المملكة أمام ممثلي الشعب الفلسطيني ورفضت استقبالهم، وزادت في التضييق عليهم عندما حرمتهم من الحج والعمرة، ومن زيارة الديار المقدسة والصلاة والاعتكاف في الحرمين الشرفين.


وقف جمال خاشقجي بقوةٍ وعنادٍ ضد بعض المثقفين السعوديين والخليجيين الذين غردوا ضد المقاومة، وأساؤوا إلى القضية الفلسطينية، وأعلنوا تأييدهم للكيان الصهيوني، وترحيبهم بالتحالف معه وتشكيل قوةٍ إقليميةٍ يكون لها فيها دورٌ وعضوية، ووصفهم بالحمقى ومواقفهم بأنها وصمةُ عارٌ عليهم، وأن العرب والمسلمين براءٌ منها، فهي لا تمثلهم، والذين تشدقوا بها ناشزين لا يعبرون عن العرب والمسلمين، ولا ينطقون باسمهم، بل ولا ينتسبون إلى تاريخهم، ولا يرتبطون بإرثهم الحضاري والديني، وسيلفظهم التاريخ كما ستلعنهم شعوبهم، وسيتبرأ منهم الوطنيون من بلادهم والمخلصون من أمتهم.


وكان جمال خاشقجي يؤيد الفلسطينيين في مواقفهم، ويدعم صمودهم في أرضهم، ويدعو للكف عن الضغط عليهم، ويرفض أن يقرر عنهم سواهم، أو ينوب بالتفاوض عنهم غيرهم، فهم أهل الأرض وأصحاب الحق، ولا يوجد فيهم من يفرط أو يخون، بل إنهم يصرون حتى آخر فلسطينيٍ مجهولٍ فيهم على التمسك بحقهم، وتحرير أرضهم والعودة إلى ديارهم، ولهذا فإنهم المخولين وحدهم دون غيرهم بتقرير مصيرهم، والتعبير عن مواقفهم، ولا تستطيع أيُ قوةٍ في الكون أن تنتزع منهم حقهم، أو أن تفرض عليهم حلاً لا يرضونه، أو تسويةً لا يقبلون بها، فهم أقوياءٌ بثباتهم، وأشداءٌ بمقاومتهم.


رفض جمال كل الرسائل المباشرة وغير المباشرة، والعلنية والسرية، التي أطلقها حكام بلاده وقادة الدول الخليجية، الذين رأوا في الكيان الصهيوني صديقاً، واعتقدوا أن مصالحهم ترتبط به وتستفيد منه، ورفض خاشقجي الاشادة بقوة الاقتصاد الإسرائيلي واستقراره، واستنكر استعانة بلاده بالخبرات الإسرائيلية، وهاجم كل الذين يفكرون بالتعاون معه، وبناء المشاريع المشتركة وإياه، وأطلق جام غضبه على الذين زاروا الكيان وأشادوا به، واجتمعوا مع قادته وألقوا محاضراتٍ في مؤتمراته، ورأى أنهم قد ارتكبوا جريمةً في حقهم وأساؤوا إلى بلادهم، وطالب حكومته بمساءلتهم ومحاكمتهم، وتجريمهم وإدانتهم، فقد اقترفوا جرماً وأتوا محرماً.


واستنكر جمال خاشقجي بشدة تخلي بعض الأنظمة العربية والإسلامية عن القضية الفلسطينية، وصمتهم المخزي عن القرارات الأمريكية الأخيرة المتعلقة بالقدس وحقوق اللاجئين الفلسطينيين، ووصف المواقف العربية الرسمية بأنها مخزية، وأنها تغري الإدارة الأمريكية نحو المزيد من القرارات المجحفة بالحقوق العربية والإسلامية في القدس تحديداً وفي فلسطين عموماً، ودعا في أكثر من مناسبة، وخاصةً في ظل القمة الإسلامية التي عقدت في العاصمة التركية أنقرة، الأنظمة العربية إلى رفض القرارات الأمريكية، والوقوف في وجه الإدارة الأمريكية، وحذرها من أن الصمت إزاءها سيكلفها الكثير، وسيجبرها على تقديم المزيد من التنازلات.


لم يسلم جمال خاشقجي من التهديد والانتقاد، ومن التعنيف والتشويه، فقد اتهمه من هاجمهم بأنه إخواني، وأنه حزبي الهوى وعصبي الفكر، ووصفوا مواقفه بأنها تتناقض وسياسة بلاده وتضر بمكانتها وتشوه سمعتها، وتهدد استقرارها وتزعزع أمنها، وحَرَّضَ بعضهم عليه في العلن عبر مواقع التواصل الاجتماعي وعلى مختلف وسائل الإعلام، ووشى به كثيرون سراً وحرضوا عليه السلطات، وطالبوها بمحاسبته ومعاقبته، وتقييده وفرض الشروط عليه، إلا أنه سبقهم وغادر البلاد، وتركهم يتخبطون وحدهم، بينما استل قلمه وشحذ فكره، وانطلق بيانه يدافع من أعلى المنابر الدولية عن مواقفه، وينافح عن حقه، ويقف بكل ما يستطيع إلى جانب الشعب الفلسطيني المظلوم، ويدعو إلى نصرته ومساندته، ويعلن البراءة من كل من يسيء إليه أو يتطاول عليه.


ألا يحق لنا نحن الفلسطينيين أن نتضامن مع جمال خاشقجي، وأن نقف إلى جانبه وندعو الله له، وأن نؤيده في قضيته وندافع عنه، وأن نتهم من تآمر عليه وغيَّبه، وأن ندين من غدر به واستدرجه، فقد والله سبقنا بمواقفه، وسلفنا بتضامنه، وقد جاء وقت الوفاء له والصدق معه، وإنني إذ أبدي تضامني الكبير معه، معتزاً بمعرفته ووفياً لمسيرته، فإنني أسأل الله له السلامة والعافية، وأن ينجوَ من هذه المكيدة ويرجعَ سالماً معافىً من هذه الخديعة، فإن غيابه خسارة، وفقدانه موجع، وكسر قلمه مؤذي، إذ أنه صوتُ حقٍ في بلادٍ عزَّ فيها المدافعون، وخاف فيها المحبون، وغاب فيها المخلصون، وفتحت فيها أبوابُ السجونِ لمن علا صوتهم بالحق، وخط قلمهم الصدق.


بيروت في 8/10/2018

[email protected]




(Votes: 0)

Other News

عبدالرحمن مهاباديك: بماذا ينشغل الملالي قبل سقوط نظامهم ؟ نظرة إلى وضع نظام الملالي في الأشهر القادمة سيد أمين: وجهة نظر حول سوريا وايران والربيع العربي موفق السباعي: ربانية الولاء والبراء.. وجاهلية الوطنية والعشيرة والقبيلة د. مصطفى يوسف اللداوي: أراءٌ إسرائيلية حول الحرب على غزة المحامي عبد المجيد محمد: انتصار العدالة القضائية على إرهاب نظام الملالي في إيران عبد المجيد محمد ـ وكيل دادگستري: پيروزي عدالت قضايي بر تروريسم رژيم ملاهاي ايران زهير السباعي: الثورة السورية تتآلق من جديد محمد سيف الدولة:كسبنا الحرب .. خسرنا الحرب ؟ هدى مرشدي: التدخل الإيراني المميت في اليمن عبدالرحمن مهابادي: إلى متى سيبقى النظام الديني الحاكم في إيران واقفا على قدميه؟ المحامي عبد المجيد محمد: الفاشية الدينية الحاكمة في إيران لاتفهم إلا لغة الحزم والقاطعية عبد المجيد محمد ـ وكيل دادگستري: فاشيسم ديني حاكم بر ايران فقط زبان قاطعيت را مي فهمد! سيد أمين: وجهة نظر حول سوريا وايران والربيع العربي محمد سيف الدولة: المحميات الأمريكية فى بلادنا زهير السباعي: هل الوجود الامريكي في سورية مرهون بالوجود الايراني؟ المحامي عبد المجيد محمد: سأبدأ التفاوض من هنا! عبد المجيد محمد ـ وكيل دادگستري:من مذاكره را از همينجا شروع مي كنم! د. عادل محمد عايش الأسطل: الولايات المتحدة، بين الحاجة إليها والاستغناء عنها ! عبدالرحمن مهابادي: وقت تغيير النظام الإيراني يقترب! حسن العاصي: العرب في أوروبا سيكولوجيا الاغتراب.. أزمة انتماء وهوية رمادية حسن العاصي: العرب في أوروبا سيكولوجيا الاغتراب.. أزمة انتماء وهوية رمادية خطاب روحاني في منظمة الأمم المتحدة هي هروب للأمام وتوسل للعودة للاتفاق النووي د. مصطفى يوسف اللداوي:الفلسطينيون بين الحاجات الإنسانية والحقوق السياسية تجارة باسم الإعدام في نظام ولاية الفقيه.. العنوان الرئيسي للخبر كان: طلب مال الحلاوة والمشانق من أجل تسليم جثة السجناء البلوش المعدومين حسن العاصي:الدبلوماسي الفلسطيني الدكتور لؤي عيسى فلسطين هي الاسم الحركي للعروبة د. عادل محمد عايش الأسطل: الهجرة اليهودية، سياسة الاستفزاز ! عبدالرحمن مهابادي: إنهاء ديكتاتورية الملالي هو عمل الشعب الإيراني! د. مصطفى يوسف اللداوي: رسالةٌ أمريكيةٌ لإيران خاطئةٌ وآمالٌ عدوانيةٌ ضدها ساقطةٌ إبراهيم أمين مؤمن : كشف النقاب عن مصاير الموجودات محمد سيف الدولة: الرد على أنصار كامب ديفيد