محمد سيف الدولة:كسبنا الحرب .. خسرنا الحرب ؟

| 06.10,18. 06:17 PM |



كسبنا الحرب .. خسرنا الحرب ؟



محمد سيف الدولة

فى الأيام التالية مباشرة لوقف إطلاق النار فى حرب اكتوبر ١٩٧٣، انطلقت فى مصر حملتان دعائيتان متزامنتان من ذات المصدر، فكلتاهما أطلقتها اجهزة السلطة والنظام الحاكم، احداهما تصدرت الخطابات الرسمية والصحف القومية والمنابر الاعلامية الرسمية. والثانية انتشرت كالنار فى الهشيم بين كل قطاعات الشعب عن طريق عناصر الاجهزة الامنية المنتشرة فى كل مكان.
الاولى كانت تحتفى بنصر اكتوبر العظيم وخطة العبور والخداع الاستراتيجى والمعجزة العسكرية والقضاء على أسطورة خط بارليف الذى لا يقهر وبطولات الجنود المصريين وشجاعة وعبقرية القيادة السياسية والقيادات العسكرية وكسر الهزيمة، وعودة الكرامة...الخ

والثانية تروج للنقيض تماما من رواية النصر، فتدعى اننا خسرنا الحرب، وان ما حدث اثبت اننا لا قبل لنا بقتال اسرائيل التى يدعمها الامريكان، وان القوات الاسرائيلية بعد الثغرة كانت على بعد بضعةً كيلومترات قليلة من القاهرة، وأنهم كانوا على وشك احتلالها لولا ستر الله، وانه اذا كان ربنا قد سترها هذه المرة، فلن تسلم الجرة كل مرة، وانه كفى عنترية وكفى فلسطين وكفى عرب وعروبة وكفى شعارات وطنية كاذبة، وكفى تحديا لموازين القوى الدولية، وكفى تحديا للامريكان، وكفى رهانا على الاتحاد السوفيتى وسلاحه الذى خذلنا فى الحرب، وكفى حروبا مع اسرائيل.
بل ان السادات قالها صراحة فى خطابه حين قال: "اكتشفت انى بقالى ١٠ ايام أحارب امريكا وانا مقدرش احارب امريكا."

وبالفعل نجحت هذه الدعاية الموجهة السوداء، فى اختراق الوعى العام الشعبى فى اكبر عملية غسيل جماعى لأدمغة المصريين، ليستقر فى وجدان قطاعات واسعة منهم أن حرب اكتوبر يجب بالفعل ان تكون اخر الحروب وان "احنا مش قد امريكا واسرائيل".

لنكتشف فيما بعد ان السادات ونظامه انما كانوا يمهدون للانسحاب من الصراع العربى ضد (اسرائيل)، وانهم ينوون ببيع فلسطين وقضيتها للصهاينة مقابل استرداد سيناء فى اطار توقيع اتفاقية صلح منفرد مع (اسرائيل)، يعترفون فيه بشرعية الوجود الاسرائيلى على ارض فلسطين 1948.

لم يكن نظام السادات ليجرؤ بطبيعة الحال على الأقدام على مثل هذه الخطوة، الا اذا استطاع كسر الناس وهزيمتهم هزيمة داخليا والقضاء على روحهم المعنوية تمهيدا للاستسلام الذى تم بعد ذلك بدءا بمفاوضات فض الاشتباك الاول فى ١٨ يناير ١٩٧٤ ومرورا بمفاوضات فض الاشتباك الثانى فى اول سبتمبر ١٩٧٥ وزيارة القدس فى 19 نوفمبر ١٩٧٧ وانتهاء بكامب ديفيد فى 17 سبتمبر 1978 ثم المعاهدة فى 26 مارس 1979.

ومنذ ذلك الحين، اصبحت القاعدة الاولى والمقدسة فى السياسة المصرية الرسمية، هى الخوف من (اسرائيل) والتبعية التامة للامريكان. وتم حظر تام لأى خطاب عن "الوطنية والعروبة وتحرير فلسطين والعدو الصهيونى"، واستبدل بخطاب السلام والواقعية والاعتدال والأمن المشترك و"المقاومة ارهاب" و "مصر اولا" الذى ثبت فيما بعد ان حقيقته الفعلية هى أن "اسرائيل اولا".

وتم اختصار هذا الصراع التاريخى الوجودى وتقليص كل الحكاية فى احتفالات موسمية تاتى كل عام فى ايام معدودات، من شهر اكتوبر، تخرج علينا فيها بعض المقالات والأقلام والبرامج لتحيى ذكرى النصر بشكل روتينى ومكرر، ولتشيد بالقوات المسلحة المصرية، ولتضع أكاليل الزهور على قبر الجندى المجهول، بدون ان تسمح لكائن من كان ان يطرح الأسئلة الحقيقية حول ما آلت اليه احوالنا اليوم بعد ان تقزم دور مصر بينما اصبحت (اسرائيل) هى القوة الاقليمية العظمى فى المنطقة وتكاد ان تبتلع ما تبقى من فلسطين. ويأتى على رأس هذه الأسئلة السؤال المحظور فى مصر منذ ٤٥ عاما وهو:
"كيف ولماذا رفضت مصر المهزومة فى ١٩٦٧، الشروط الاسرائيلية والأمريكية وقررت الصمود ومواصلة القتال، بينما قررت مصر المنتصرة فى ١٩٧٣ ولا تزال، الانسحاب من المواجهة مع العدو وقبول هذه الشروط والخضوع والاستسلام لها؟

رحم الله شهداء أكتوبر الذين صنعوا لنا هذا النصر وغفر الله لمن أضاعوه.

*****
القاهرة فى 5 اكتوبر 2018



(Votes: 0)

Other News

هدى مرشدي: التدخل الإيراني المميت في اليمن عبدالرحمن مهابادي: إلى متى سيبقى النظام الديني الحاكم في إيران واقفا على قدميه؟ المحامي عبد المجيد محمد: الفاشية الدينية الحاكمة في إيران لاتفهم إلا لغة الحزم والقاطعية عبد المجيد محمد ـ وكيل دادگستري: فاشيسم ديني حاكم بر ايران فقط زبان قاطعيت را مي فهمد! سيد أمين: وجهة نظر حول سوريا وايران والربيع العربي محمد سيف الدولة: المحميات الأمريكية فى بلادنا زهير السباعي: هل الوجود الامريكي في سورية مرهون بالوجود الايراني؟ المحامي عبد المجيد محمد: سأبدأ التفاوض من هنا! عبد المجيد محمد ـ وكيل دادگستري:من مذاكره را از همينجا شروع مي كنم! د. عادل محمد عايش الأسطل: الولايات المتحدة، بين الحاجة إليها والاستغناء عنها ! عبدالرحمن مهابادي: وقت تغيير النظام الإيراني يقترب! حسن العاصي: العرب في أوروبا سيكولوجيا الاغتراب.. أزمة انتماء وهوية رمادية حسن العاصي: العرب في أوروبا سيكولوجيا الاغتراب.. أزمة انتماء وهوية رمادية خطاب روحاني في منظمة الأمم المتحدة هي هروب للأمام وتوسل للعودة للاتفاق النووي د. مصطفى يوسف اللداوي:الفلسطينيون بين الحاجات الإنسانية والحقوق السياسية تجارة باسم الإعدام في نظام ولاية الفقيه.. العنوان الرئيسي للخبر كان: طلب مال الحلاوة والمشانق من أجل تسليم جثة السجناء البلوش المعدومين حسن العاصي:الدبلوماسي الفلسطيني الدكتور لؤي عيسى فلسطين هي الاسم الحركي للعروبة د. عادل محمد عايش الأسطل: الهجرة اليهودية، سياسة الاستفزاز ! عبدالرحمن مهابادي: إنهاء ديكتاتورية الملالي هو عمل الشعب الإيراني! د. مصطفى يوسف اللداوي: رسالةٌ أمريكيةٌ لإيران خاطئةٌ وآمالٌ عدوانيةٌ ضدها ساقطةٌ إبراهيم أمين مؤمن : كشف النقاب عن مصاير الموجودات محمد سيف الدولة: الرد على أنصار كامب ديفيد هدى مرشدي: يوم السلام العالمي بإسقاط اخطبوط ولاية الفقيه هدي مرشدي: روز جهاني صلح با سرنگوني اختاپوس ولايت فقيه زهير السباعي: اردوغان ينجح في تجنيب ادلب كارثة إنسانية د. مصطفى يوسف اللداوي: اتفاقية باريس الاقتصادية ارتهانٌ وتسلطٌ د. مصطفى يوسف اللداوي: تل أبيب المدينةُ العامرةُ ومدنُ العربِ الساقطةُ د. إبراهيم حمّامي: أسئلة للعلماء والفقهاء والمشايخ والدعاة هدى مرشدي: حلم يتحقق في الشوارع د. إبراهيم حمّامي: السعودية ومحاولات فرض صفقة القرن