د. مصطفى يوسف اللداوي: قوائم الإرهاب الأمريكية ورموز الشرف الفلسطينية

| 11.04,17. 02:55 PM |


قوائم الإرهاب الأمريكية ورموز الشرف الفلسطينية



بقلم د. مصطفى يوسف اللداوي


يبدو أن الإدارة الأمريكية تحرص من وقتٍ لآخر على أن تذكرنا بأبطالنا ورموز مقاومتنا، وأن تعيد بقوائمها التي تسميها سوداء وتصفها بالإرهاب، الألق والبريق إلى رموزنا المقاومة، وأبطالنا الشجعان، ورجالنا الأماجد الكرام، وقادة صفوفنا الأوائل، القابضين على جمر المقاومة، والثابتين على حق الوطن، والمتمسكين بثوابت شعبهم وحقوق أهلهم، والرافضين لخيارات الاستسلام وعروض التسوية والسلام، والصامدين أمام محادل التهديد وأساطين الوعيد، وكأنها بقرارها المتجدد تنفض عنهم غبار المعارك، وما علق على أجسادهم من أوضار المواجهة وآلام التحدي والصدام، وتقدمهم إلى الشعب والأمة من جديد، بثوبهم الوطني الجميل القشيب، أنهم يستحقون قيادتكم، ويستأهلون مكانتهم، ويحق لكم أن تتمسكوا بهم وأن تحرصوا عليهم، وأن تدافعوا عن قضيتهم، وألا تتأخروا عن نصرة ما يقاتلون من أجله، ويضحون في سبيله.
فهم الذين ضحوا بالكثير ليستحقوا هذه الصفة، وتخلوا عن المغريات ليندرج اسمهم ضمن هذه القوائم، وفرطوا بأنفسهم وأسرهم وعائلاتهم ومتع الدنيا وبريق السلطة اللامع، واكتفوا بالعيش في الأنفاق تحت الأرض، أو خلف الكواليس بعيداً عن الأنظار، ليصبحوا بعد حينٍ ضمن كوكبةٍ من الرجال المطلوبين لمحاكم الظلم الدولية، والمدرجة أسماؤهم ضمن قوائم البغي الأمريكية والعدوان الغربية، لأنهم انتصروا لقضيتهم، وثاروا على ظالمهم، وأصروا على مواجهة عدوهم وتحدي صلفه وهزيمة كبريائه، وصمموا على نيل حريتهم، وتحقيق استقلال بلادهم وكرامة شعبهم، أياً كان ثمن الحرية وضريبة الكرامة والاستقلال.
تعتقد الولايات المتحدة الأمريكية ومعها دولٌ أوروبية تابعة وأخرى مقلدة، أنها بهذا الإجراء إنما تفض الشعب الفلسطيني من حول من أدرجتهم ضمن قوائمها، وصنفتهم إرهابيين وفق معاييرها، وأنها تبعد الناس عن طريقهم، وتعزلهم عن محيطهم، وتجعلهم وباءً يفر شعبهم من أمامهم، ويخشى مواطنوهم الاقتراب منهم، أو التأسي بهم والتعلم منهم، أو أنها تدفع الشعوب العربية والإسلامية للتخلي عنهم، والتضييق عليهم، والتعاون معها في القبض عليهم واعتقالهم، وتسليمهم لها لمعاقبتهم ومحاكمتهم، ولعلها تأمل من قراراتها المعممة وتوجيهاتها الملزمة أحياناً، الضغط على قوى المقاومة الفلسطينية عموماً والتضييق عليهم، ومحاربتهم وتجفيف منابعهم وفرض الحصار عليهم، تمهيداً لقبولهم بما تريد، ونزولهم عند ما ترى.
تدرك الإدارة الأمريكية وغيرها من الدول المارقة مثلها والمتعاونة معها، أن هؤلاء القادة ليس عندهم ما يخافون عليه أو يخشون من ضياعه، فلا حساباتٍ بنكيةٍ لهم في بنوكهم الوطنية فضلاً عن بنوك الولايات المتحدة الأمريكية وسويسرا ودول أوروبا الغربية، فهم يعيشون تحت الحصار في الأرض الفلسطينية المقدسة، ولا يسافرون ولا يغادرون، ولا يخرجون منها إلى غيرها ولا يتفسحون في سواها، فدول الجوار لا تستقبلهم، والعدو يتربص بهم ولا يسمح لهم بالسفر والمغادرة، فهو إما يعتقلهم أو يغتالهم، أو يبقيهم تحت الحصار وقيود الإقامة الجبرية العامة التي تكاد تشمل الشعب كله.
أولئك القادة الذين تدرج الإدارة الأمريكية أسماءهم يعرفون أن معركتهم مع العدو قائمة ومفتوحة، وهو يتابعهم ويراقبهم، ويعرف أخبارهم والكثير من أسرارهم، ولهذا فهو أكثر من يعرف أنهم لا يملكون من الأدوات التي تستغلها الولايات المتحدة الأمريكية في عقابهم أو للضغط عليهم شيئاً، فلا أموال في البنوك يدخرونها، ولا طائراتٍ يستقلونها ورحلاتٍ يسافرون فيها، فأي حساباتٍ ماليةٍ هذه التي سيجمدونها، وأي أموالٍ هذه التي سيضعون أيديهم عليها ويصادرونها، وأي رحلاتٍ تلك التي سيضعون عليها أسماء المقاومين على قوائم الترقب والمتابعة لانتظارهم واعتقالهم.
أم أن الولايات المتحدة الأمريكية بقوائم وزارة خارجيتها تمهد الطريق أمام العدو الإسرائيلي ليقتل ويغتال، ويشرع جرائمه ويبيح عدوانه، فهم يصدرون القوائم التي يسمونها إرهابية، ويعممونها على الدول والحكومات، وأجهزة الأمن والمخابرات، ويطلبون منها التعاون معها وتنسيق المعلومات مع مخابراتها، تحت طائلة المسائلة والعقاب، في الوقت الذي تصدر فيه سلطات الاحتلال قوائمها السوداء، وتضع فيها أسماءً وصوراً، وتعلن أنها تنوي اغتيالهم وتعمل على تصفيتهم، وتضع علامة إكس على من تتمكن من تصفيته، وعلامات استفهامٍ على من تتوقع الوصول إليه والنيل منه، وتبدي فرحها حال نجاحها، ولا تخفي تصميمها وإراداتها وعلى مواصلة مخططاتها، التي يباركها كيانهم، ويصادق عليها رئيس حكومتهم، وينفذها وزير حربهم ورئيس استخباراتهم.
أصبح الفلسطينيون بسبب مقاومتهم ونتيجةً لصمودهم، وعقاباً لهم على ثباتهم، أسماءً مطلوبةً وشخصياتٍ ملاحقةً بين قائمتين سوداويتين ظالمتين، تصدرهما دولتان عدوتان، معتديتان عاتيتان قاتلتان مجرمتان، ظالمتان باغيتان، أولاهما الولايات المتحدة الأمريكية، الراعية الأولى للإرهاب، والحاضنة لأكبر دوله، والداعمة لأعتى مجرميه، وهي المتغطرسة بقوتها، والعاتية بجبروتها، والمعتدية بتفوقها، فتراها تصنع المعايير التي تريد، وتضع المقاييس التي ترغب، وتصنف الأمم والشعوب وفق ما تريد وترغب، وحسب مصالحها معها ومنافعها منها، وعلى أساس ودها  لدولة العدوان الأكبر "إسرائيل"، وقربها منها أو بعهدها عنها، ومعاداتها لها أو صداقتها معها، وحربها عليها أو سكوتها عنها وسلامها معها.
تخطئ الولايات المتحدة الأمريكية إذا ظنت أن قراراتها ستخيف المقاومة الفلسطينية وستردعها، وستدفع قادتها إلى الاختباء والانزواء، والتراجع والانكفاء، والبحث عن الوسطاء والصفقات والحلول والمخارج، فهؤلاء لا يتطلعون إلى كسبٍ تعرضه أمريكا أو يخافون من تهديدٍ تلوح به حكومة العدو، وهم يعرفون أن الإدارة الأمريكية لن تتوقف عن إصدار قوائمها وتجديدها، وتهديد شعوبنا والتلويح بالقوة ضد أمتنا، لكنها مقاومة لا تنكفئ ولا تنطفئ، ولا تخنع لهم ولا تخضع لإرادتهم، ولعل من الأفضل لهم أن يطووا صحيفتهم، ويتوقفوا عن نشر قوائمهم، لأنها بكل تأكيد لن تحقق مرادهم، ولن تلبي أغراضهم، وسيبقى المقاومون يتوالدون تباعاً، وسيتعاور القادة المواقع والأمانات، حتى يتحقق النصر، ويبلج الفجر.
ولعلهم نسوا أن هؤلاء الأبطال إنما هم أبناء هذا الشعب، وجزءٌ كريمٌ من نبات أرضه الأصيل وغرسه المبارك ونسيجه الوطني العريق، وهم رعيلٌ من الأمة، وجيلٌ قد تسلم الراية ممن سبقهم، فلا تخيفهم التهديدات، ولا تعنيهم القوائم والتعميمات، ولا تربكهم الملاحقات والبيانات، فهم قد وطنوا أنفسهم على إحدى الحسنيين، إما النصر وإما الشهادة، ومن كان قبلهم وسبقهم إلى الشهادة، قد علمهم أنهم في هذه الدنيا جنودٌ مقاومون، وحراسٌ مخلصون، يدافعون عن وطنٍ، ويقاتلون عن حق، ويتطلعون إلى نصرٍ عتيدٍ أو إلى شهادةٍ كريمةٍ.

بيروت في 10/4/2017
[email protected]



(Votes: 0)

Other News

سيد أمين كاتب صحفي ومحلل سياسي: هل كانت ثورة يناير صراع أجنحة حكم؟ موفق السباعي: حكم الله ليس سلعةً للمزاد في غراند بازار! زهير السباعي: مسرحية ترامب الجديدة في سورية عبدالرحمن مهابادي، كاتب ومحلل سياسي: خطوة مهمة نحو مستقبل أفضل! د. مصطفى يوسف اللداوي: اغتصاب الرواتب ومصادرة الحقوق كاحتلال الأرض وقتل النفس زهير السباعي: النظام السوري يرتكب جريمة مروعة في خان شيخون محمد علي توحيدي: مسرحية الانتخابات عقدة عويصة لخامنئي موفق السباعي: الشكر للمحسن غير مودته ومحبته د. مصطفى يوسف اللداوي: بينت يقدم أوراق اعتماده لمعسكر اليمين الإسرائيلي زهير السباعي: هل تستمر المفاوضات العبثية ؟ د. مصطفى يوسف اللداوي : باب المغاربة معبر اليهود وبوابة المستوطنين المحامي عبدالمجيد محمد: محرّمات «حقوق الإنسان» وخوف نظام الملالي الفاشي من هذه الكلمة مصطفى منيغ: المَمَرُّ مشؤوم والسبب معلوم فادي قدري أبو بكر كاتب وباحث فلسطيني: في ذكرى يوم الأرض.. فليرحل العابرون أحفاد صهيون د. مصطفى يوسف اللداوي: قمة العرب على بوابات القدس موفق السباعي: مواصفات عبيد العبيد.. وطريقة تحريرهم من العبودية مشروع قرار البرلمان البريطاني لدعم دعوة مريم رجوي لطرد قوات الحرس من المنطقة د. مصطفى يوسف اللداوي: سلطات الاحتلال تنكث العهد مع وفاء الأحرار عبدالرحمن مهابادي – كاتب ومحلل سياسي: التحولات الايرانية في العام الايراني الجديد! زهير السباعي: عودة الروح للثورة السورية د. مصطفى يوسف اللداوي: فقهاء واللقيس في غزة وبيروت سلاحٌ واحدٌ وقاتلٌ واحدٌ موفق السباعي.. نحو وعي سياسي شامل صافي الياسري: انعطاف مجاهدي خلق النوروزي من تيرانا الى اين ؟؟ د. مصطفى يوسف اللداوي: العمالة الأجنبية الوافدة في فلسطين المحتلة عبد المجيد محمد: هل للجمهورية معنى بوجود خلافة الولي الفقيه؟ د. مصطفى يوسف اللداوي: الكيان الصهيوني بين الأسلحة الكاسرة والإرادة الصادقة د. مصطفى يوسف اللداوي: فلسطين بين الصندوقين القوميين الفلسطيني واليهودي بين جنيف وأستانة ضاعت الطاسة وليد فرح: هل سنصل إلى ما نطمح إليه؟ ! عبدالرحمن مهابادي – كاتب ومحلل سياسي: ايران.. انتخابات أم مسرحية مفبركة!