هل انضم لبنان الى الامبراطورية الفارسية ؟؟

::سلمان العنداري::
كلام ملفت في التوقيت والمضمون قاله رئيس الجمهورية الاسلامية الايرانية محمود أحمدي نجاد خلال لقائه منذ ايام مسؤولين في حركة "أمل" في طهران، اذ أكد ان "الشعب والمقاومة اللبنانية هي في طليعة الشعوب المؤمنة والحرة في العالم، وان الوعي الكبير الذي تتحلى به الشعوب المقاومة في المنطقة من لبنان وحتى ايران سيلحق الهزيمة بالأعداء". وشدد نجاد في حديثه على ربط لبنان بمحور الممانعة الذي يقوده معتبراً "ان ايران ولبنان، عضوان في جسد واحد، وان الشعبين يتحملان واجبات ومسؤوليات عظيمة ومشتركة لمواجهة أعداء الانسانية والمستكبرين".
كلام مثير للاستغراب ولكنه ليس بمفاجىء صدرعن "الرئيس المتشدد" المصرّ على ابقاء لبنان تحت الجناح الايراني من خلال ربط هذا البلد الصغير بمشاريع وبصراعات الدولة الفارسية الخاصة مع العالم والمجتمع الدولي، من الملف النووي، وصولاً الى ورقة العراق والنفوذ في المنطقة، وذلك عبر "استهلاك" مقولة "المقاومة" والعداء لاسرائيل، وحرص طهران على ارساء العدل والسلام والامن في المنطقة، و"المزايدة" في القضية الفلسطينية، و"الإدّعاء" برعاية الصراع الاقليمي- العربي بمواجهة الدولة الصهيونية، واضعاً لبنان مجدداً وكالعادة في قلب النار، معتبراً أن المقاومة والشعب اللبناني يقفان في الخط الامامي للموحدين والمؤمنين والاحرار في العالم".
باختصار...ان ايران كما اسرائيل وكل الدول، تدخل على خط الصراعات الدائرة لتصفّي حساباتها في لبنان على اعتبار ان الساحة اللبنانية مفتوحة على كل الاحتمالات والمكان الامثل لتمرير الرسائل وتبادلها. ومن هذه التدخلات مثلاً، الدخول على خط المحكمة الدولية من خلال التصريحات الموتورة التي اطلقها اكثر من مسؤول ايراني في الاسابيع الماضية، اذ اتت هذه الخطوة لمؤازرة حليف اساسي في لبنان وهو "حزب الله"، اضافةً الى سعي طهران الى تنفيس بعض الضغوطات التي تتعرض لها من جراء العقوبات المفروضة عليها من قبل المجتمع الدولي، وللهروب الى الامام من ازماتها الداخلية المتفاقمة التي تعصف في كل مكان".
استمرار للنزعة الامبراطورية
عضو الامانة العامة في قوى "14 آذار" الياس عطالله علّق على كلام نجاد معتبراً "ان تكرار هذا الموقف الايراني هو استمرار للنظرة الايرانية وللنزعة الامبراطورية التي تحاول ان تستخدم مصالح شعوب وبلدان وعصبيات على مذبح مصالحها دون اي هاجس ودون اي اكتراث".
يلقي عطالله اللوم والنقد على من يقف خلف ايران في لبنان، وعلى من يتطوع بالانخراط في مشاريعها، "فمن الواضح ان البلد بات معرضاً اكثر من اي وقت مضى لحملة واسعة لاستخدامه في صراعات المنطقة وتحويله الى مسرح، وهذا الامر لا خلاص منه الا بعودة اللبنانيين الى حضن الدولة اللبنانية والى حضن الشرعية، وباعلاء المصلحة الوطنية على اي قضية، لأن التجارب التاريخية دون توقف عند كل مراحلها اثبتت ان كل من يعلي مصالحه الفئوية على مصلحة الوطن يدفع الثمن، فهل من يتّعظ؟".
"مشكور" الرئيس الايراني على اصراه على "زج" البلاد في عين العاصفة وفي تحميله الوزر الاكبر من تبعات مغامراته التي تمتد من افغانستان والعراق واليمن والخليج العربي وصولاً الى لبنان وفلسطين ومصر، من خلال القول ان الصراع الدائر حالياً هو صراع اممي مرتبط بالمواجهة مع الولايات المتحدة الاميركية واسرائيل وقوى الاستكبار العالمي، اذ وبحسب مصدر متابع في قوى "14 آذار" فإن كلام نجاد الاخير يتناسب مع البيان الاول الذي اطلقه "حزب الله" في اواسط الثمانينات عندما اعتبر انه "لا يوجد لبنان وايران، بل نحن "حزب الله" ايران في لبنان ونحن لبنان في ايران"، وعملياً فالحلم الذي يسعى اليه "حزب الله" بقيادة ايرانية يبدو واضحاً في ان يصبح لبنان احد البلدان التابعة لقيادة الحرس الثوري وبقيادة الولي الفقيه، وهذا ما يعبر عنه بطريقة او باخرى بذلات لسان بعض القيادات الاساسية في النظام الايراني كالسيد احمدي نجاد وبعض القيادات المحلية في الحزب في لبنان".
ان التدخل الايراني في لبنان بات يستهدف اكثر من عنوان، من المحكمة الدولية مروراً بالقوات الدولية العاملة في الجنوب، وصولاً الى استهداف الشرعية الدولية عبر التركيز على القرار 1701، اضافةً الى منع قيام الدولة الحقيقية في لبنان، في وقت يُلاحظ فيه انزعاجاً شديداً من انطلاق عملية السلام بين الفلسطينيين والاسرائيليين، وهذا من شأنه ان يُعزز التوقعات لمزيد من محاولات زعزعة الاستقرار في لبنان لمصلحة هذه الاهداف ولمصلحة تلك "الحروب" التي تقودها طهران في المنطقة.
يتوجّه عطالله الى الشعب اللبناني داعياً اياهم " الى التيقّظ والتنبّه للمطامع الايرانية، وان لا يسمحوا بتمرير هذه الحسابات والمسلكيات التي ستجلب اضراراً كبيرة إلى بلدهم, ولا سبيل الا برفع الصوت في وجه الوسائل غير المشروعة التي تستخدم إن بالعاصمة او في غيرها، وبدعم تطوير دور الدولة المنكفىء نسبياً، وبرفض ابقاء البلاد ساحة مرتبطة بالخارج"، مشدداً على ضرورة "نشل الحكومة من حالة الشلل ومن سياسات التعطيل والعرقلة التي تتعرض لها".
ايران تفجّر عملية السلام؟؟
لا شك ان النظام الايراني "مأزوم داخلياً" ويعاني العديد من المشاكل التي تنفخ في مجتمعه، ولهذا نراه يصدّر ازماته الى الخارج عبر استخدام ساحات الآخرين واللعب بالنار، فطهران اعتمدت سياسة بناء مصالحها على حساب جيرانها ومحيطها بدل التفتيش عن مصالح وقواسم مشتركة مع هذه الدول.
وبالتوازي، وليس بعيداً عن لبنان، فمن الواضح ان ايران منزعجة جداً من انطلاق المفاوضات المباشرة برعاية واشنطن بين الاسرائيليين والفلسطييين، وفي هذا الاطار لن تقف طهران مكتوفة الايدي اذ يُتوقع ان ترد على انطلاق قطار السلام لفرملة اي امكانية للوصول الى حلّ نهائي يُنهي الصراع العربي الاسرائليي ويحيي الآمال بامكانية ولادة دولة فلسطينية، لأن نفوذ طهران في المنطقة يعتمد بشكل اساسي على استمرار الصراع العربي الاسرائيلي والاستفادة من تداعياته، وبالتالي فان اي حل عادل للمسألة الفلسطينية سيؤدي الى تضاؤل هذا النفوذ تدريجياً وعودته الى حجمه الطبيعي وهو داخل ايران، وهذا ليس من مصلحة "الامبراطورية" الطامحة الى التمدد والتوسّع والقيادة.
وبهذا، فان كل من يسعى الى ابقاء المنطقة في دائرة الفوضى خدمةً لمآربه سيكون في موقع التخريب على العملية السلمية وعلى قوى السلام في المنطقة، والتي لا يمكن ان تنطلق الا من القضية الفلسطينية وبمعالجة حقوق الشعب الفلسطيني في دولة آمنة وسط احتضان عربي ودولي، ولهذا السبب يُتوقّع ان تشهد المنطقة عمليات تخريب وعرقلة في اكثر من مكان، وقد شهدنا ذلك مؤخراً في الضفة الغربية من خلال العملية التي تبنتها حركة حماس الرافضة للمفاوضات.
وفي وقت تستمر فيه المزايدات الايرانية، فإن على الرئيس محمود احمدي نجاد ان يعي ان لبنان بلد مستقل، ولن يكون ابداً واجهة لصراعاته ومغامراته واهوائه، فلبنان في لبنان وايران في ايران، شعبين في بلدين وفي جسدين مستقلين، وليدرك السيد نجاد ان لبنان لن يكون تابعاً للمشروع الامبراطوري التخريبي في المنطقة، وان مقولة "وحدة المسار والمصير" ولّت الى غير رجعة من القاموس اللبناني... الى ذلك يبقى الترّقب سيد الموقف في انتظار ما ستؤول اليه التطورات الداخلية والاقليمية في الايام والاسابيع القادمة.
موقع 14 ىاذار+فرح نيوز اونلاين