صرخة منذ 35 عاماً:
"بيروت منزوعة السلاح"!

راجح الخوري
يحتاج الأمر الى كثير من التأمل والهدوء والتروي والعقل البارد، والى استخلاص الدروس والعبر من التجارب المرّة التي تعاقبت على اللبنانيين جميعاً منذ بداية السبعينات حتى الآن.
هذا التصعيد الساخن في الاتهامات وفي التخوين وتحميل الأمور ما لا تحمل، لن يخدم أحداً في لبنان، وخصوصاً أولئك الذين ينخرطون فيه في هذه الأيام المثيرة والمحيرة وغير المفهومة، فكيف إذا كان لبنان يواجه سيلاً من الأخطار المعادية والاستحقاقات المقلقة والداهمة؟!
يحتاج الأمر الى هدوء. ويحتاج الى عودة لاستذكار صدى الصراخ الشعبي عند الجميع، شيعة وسنة ومسيحيين ودروزاً، ذلك الصراخ الذي يتردّد منذ 35 عاماً على الأقل، ولا من يسمع ولا من يريد أن يتأمّل، ولو بالحد الأدنى من المسؤولية الوطنية والسياسية وحتى بالمعيار الأدنى للمصلحة الحزبية والشخصية، يتأمّل في تلك الصرخة الأبدية التي لم ولن تتوقف يوماً، ألا وهي:
"بيروت منزوعة الصلاح".
❒ ❒ ❒
لا، لم يولد هذا الشعار اليوم، ومن يكرره الآن لا يضيف حرفاً الى أبجدية الألم والمعاناة، التي أصابت في الماضي كما تصيب الآن أهل العاصمة، وأهالي بلدات ومناطق كثيرة في هذا البلد المتعوس، الذي يبدو أنه يعجّل الخطى لينحدر من "اللبننة" الى "العرقنة"، ربما وصولاً الى "الصوملة"، فليس سراً ان هناك بدايات نظرة دولية متزايدة الى لبنان على أنه يقترب من مرتبة الدولة الفاشلة.
يحتاج الأمر الى الهدوء والتروي، ليس لأن ما جرى في منطقة برج أبي حيدر هو "إشكال والتباس وخطأ بين حليفين" كما يقول النائب محمد رعد أو أنه "حادث فردي" كما قيل في الأيام الماضية فحسب، بل لأن ليس من مصلحة أحد وخصوصاً "حزب الله"شن هذه الحملة الغاضبة، رداً على مشاعر كثيرين من أهل بيروت وحتى كثيرين من أهل الضاحية الجنوبية، الذين يملكون جميعاً، قلقاً دفيناً وخشية دائمة وخوفاً متواصلاً من السلاح وما قد يسببه من الشرور والمآسي. حتى بين الحلفاء وأحياناً بين الاشقاء. وما جرى في برج أبي حيدر إنما جرى بين حلفاء، فكيف بالله عليكم لو ان الذي جرى كان بين متخاصمين سياسياً ومذهبياً؟!
❒ ❒ ❒
لا داعي للأجوبة. هناك حاجة الى التأمّل:
❒ أولاً: برج أبي حيدر ليست في مجاهل الصين، إنها في بيروت، التي لم تنسَ بعد ما حصل في 7 أيار، وما كان قد حصل في كل العاصمة على امتداد ربع قرن من مآثر السلاح والمسلحين آنذاك.
❒ ثانياً: وهو الأدق والأكثر حاجة الى الانتباه: أن الاحتقانات والتراكمات والمخاوف ورياح المذهبيات البغيضة التي تنطلق من أماكن كثيرة في هذه المنطقة البائسة، لم تعد تفسح مجالاً لها يسمى "حادثاً فردياً معزولاً"، يمكن ان ينتهي "بكفين وتبويس لحى" كما يقال، بل صارت الشوارع والساحات عندنا مشرّعة أمام السلاح المستعد دائماً وأمام الصدور المحتقنة، وأمام الفردية وحب السيطرة والتفوق. وهكذا فمجرد حصول الحادث الفردي بين الحلفاء في برج أبي حيدر فجّر سداً من السلاح والمسلحين والنيران في المنطقة!!
❒ ثالثاً: عندما يسمّي الرئيس سليم الحص المعروف بدعمه المطلق للمقاومة، في بيان "منبر الوحدة الوطنية"، ما جرى في برج أبي حيدر بـ"الثلثاء الأسود"، فعلى "حزب الله" ان يقرأ جيداً ويتأمّل عميقاً.
وعندما يقول الحص انه يؤيد شعار "بيروت منزوعة السلاح" ويخالف رأي المعترضين على هذا الشعار، فهذا يعني انه يخالف رأي نواب "حزب الله" وغيرهم من الذين يشنون حملة غاضبة ليس لها ما يبررها، ضد هذا الشعار المزمن والذي تزداد مطالبة الناس به وإلحاحهم عليه.
❒ رابعاً: ان ما يدعو الى الاستغراب ويعمق المخاوف ويوسع من مساحة القلق والحساسية على المستوى الوطني العام، هو محاولة جعل الحادث الفردي بين الحليفين، أزمة حكومية لها ابعادها واخطارها الوطنية وخصوصاً في هذه المرحلة.
لا يجوز تغطية حادث فردي باستيلاد أزمة على المستويين الوطني والحكومي، لمجرد أن نواباً في "تيار المستقبل"، قالوا بما يصرخ الناس به منذ زمن بعيد سبق حتى نشوء "حزب الله" أي: "بيروت منزوعة السلاح".
❒ ❒ ❒
ولا يجوز سياسياً ووطنياً توجيه سيل من الاتهامات الى رئيس الحكومة سعد الحريري، لأنه ذهب وتفقد منطقة برج أبي حيدر بعد الحادث، وهذا أساساً واجبه البسيط كرئيس للسلطة التنفيذية، او لأنه شكّل بالتفاهم مع اعضاء الحكومة لجنة وزارية برئاسته لمعالجة موضوع السلاح في بيروت وضبطه لمنع تكرار ما حدث، وما يمكن ان يحدث في أي لحظة وسط هذه الأجواء.
وإذا كان النائب محمد رعد أخذ عليه أنه لم يتفقد أضرار العدوان الاسرائيلي البشع على الضاحية أو على الجنوب، فإن الحريري لم يكن رئيساً للوزراء يومها، بل كان هدفاً لاتهامات مشابهة رغم سعيه المعروف لدى العواصم الغربية، لوقف العدوان البربري الاسرائيلي.
ان قيام الحريري بتفقد الأضرار، لا يعني أيضاً سقوط الحكومة كما قيل، إلاّ إذا كان المطلوب ان تكون حكومة الوحدة الوطنية مجرد سلطة لا تسمع ولا تقشع، وليس هذا ما يريده "حزب الله" الشريك فيها.
وان تفقد الأضرار بعد الحادث المؤسف بين الحلفاء، لا يعني أن سعد الحريري الذي حمل مسؤوليته السياسية وحسّه الوطني الى برج أبي حيدر، ذهب "لإذكاء الانقسام والدخول على صف الاصطفاف المذهبي". لا، فالرجل واصل الحديث من موقع المسؤولية داعياً الى ان يكون القانون فوق الجميع وان تكون الدولة هي المسؤولة من دون سواها، متبنياً في هذا السياق ما قاله الرئيس ميشال سليمان في إطار الدعوة الى وضع حدّ فاصل بين ما جرى وما يمكن أن يجري.
وإذا كان قد حمل صراخ الناس الى مجلس الوزراء بتبني شعار "بيروت منزوعة السلاح" المطروح منذ 35 عاماً، فإنه حاذر الدخول في جدليات أو ردود قد تؤجج الوضع!
الأمر يحتاج فعلاً الى الهدوء والتأمّل والتروي. فعندما يسمّي الحص ما حصل "الثلثاء الأسود"، ويقول انه يخشى سقوط المقاومة في بيروت، فإن من الضروري التعامل مع "الحادث الفردي" بعقل جماعي، متعاون، منفتح، محاور، يقبل الرأي الآخر، على الأقل لأننا بلد محاصر بحلقة من الاستهدافات الشيطانية التي تتربص بالدولة والشعب والمقاومة!
النهار