هذا روح لبنان

راجح الخوري
اذا كان المطلوب من الرئيس سعد الحريري أن يتكلم في مسألة المحكمة الدولية، وفي ما هو مطلوب من المحقق الدولي دانيال بلمار، بعد القرائن التي أعلنها السيد حسن نصرالله، فان ذلك لن يحصل على ما يبدو لأسباب ثلاثة:
❒ أولا: لأن بلمار سارع الى مطالبة الحكومة اللبنانية بايداعه كل الوثائق والقرائن التي عرضها الامين العام لـ"حزب الله" ليدرسها جيدا ويفحصها بعناية على ما يفترض ثم ليؤكد رأيه فيها.
❒ثانيا: وهو الأهم، لأن سعد الحريري حرص ويحرص جيدا على عدم تسييس العمل الجنائي والقضائي للمحكمة الدولية منذ اللحظة الاولى، برغم كل ما قيل سابقا في سياق التفسير السياسي لجريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري ورفاقه الآخرين.
وفي هذا السياق من الواضح والمفهوم ان أي عمل أو تدخل في صلاحيات التحقيق والمحكمة، انطلاقا من قرائن نصرالله، سيبدو وكأنه محاولة لتسييس لدى محكمة ترفض قطعا هذا التسييس كما يرفضه بحزم أشد "ولي الدم" والمؤتمن على استقرار لبنان، الذي لا يريد لرياح التسييس أن تلفح عمل المحكمة.
❒ثالثا: إن هذا الامر لا يسقط قطعا الاشتباه عن العدو الاسرائيلي، وقد سبق لمجريات التحقيق أن درست هذا الامر. وعندما يقول رئيس الحكومة في افطار أول من امس: "هناك عواصف كثيرة هبت على لبنان وأساءت الى جوهر رسالته الحضارية، وأن وجود دولة معتدية كاسرائيل على حدودنا، يشكل نافذة لهبوب هذه العواصف..." فإن ذلك يؤكد صراحة ان الاشتباه في العدو الاسرائيلي يظل قائما، لكن المسألة الآن منوطة بما عرضه السيد نصرالله وطالب به المحقق بلمار!
❒ ❒ ❒
على أساس كل هذا بدا واضحا مساء الاثنين الماضي ان رئيس الحكومة اختار في الافطار الذي أقامه على شرف شخصيات وهيئات دينية، أن يتحدث بما هو مشبع به كوريث سياسي لرفيق الحريري، وبما هو مترع به كرجل عاين حرص والده الشهيد على رعاية ما سماه "روح لبنان". ذلك الروح الذي ساعد الوطن على أن يصمد في النهاية وأن ينجح في أن يقطع العاصفة تلو العاصفة ليعيد بناء نفسه من جديد.
أكثر من ذلك، بدا سعد الحريري وكأنه يتجاوز مفهوم والده في النظر الى عمق روح لبنان، عندما قال: "نحن شعب حائز شهادة تفوّق عليا في مواجهة الازمات. وهذا التفوق لم يكن ممكنا لو لم يكن لبنان صاحب رسالة حقيقية في الشرق، ولو لم تكن الحياة الوطنية المشتركة بين اللبنانيين على صورة التفاعل الحضاري بين المسيحية والاسلام. لبنان يتجاوز المحن وينهض من أزماته لأنه يمتلك قوة الايمان بالله وارادة العيش المشترك بين أبنائه".
❒ ❒ ❒
على هذه القاعدة ليس للضجيج السياسي ان يستمر، والأمل كما الاصول يقضيان الآن بأن يهدأ الوضع ويصير الخطاب السياسي في سياق تفاهمي رزين ديموقراطي تبادلي يدخل غرفة العناية الديموقراطية، حيث تبرز قيم وقواعد تشكل مرتكزات روح لبنان:
الوحدة، الانفتاح، الحوار، العيش المشترك، الاعتدال، الديموقراطية العاقلة والسليمة لتسوية الخلافات العابرة بيننا.
وعندما نتحدث عن الديموقراطية والحوار في الاشارة الى روح الوطن اللبناني، يجب أن يتذكر الجميع أن استسهال قصف الآخرين والشركاء في الوطن جزافا بالاتهامات والتخوين، ليس أكثر من مضاعفات مؤذية للوطن تزيد من الضجيج وتضاعف المزايدات وتؤسس للخلافات غير المقبولة وغير المبررة. ولا يمكن بالتالي لأي حوار ان يستقيم مع الاتهام بالخيانة ومع محاولات البعض الايحاء بامتلاك الحصرية الوطنية، عبر مطالبة الآخرين باجراء فحوص يومية في الوطنية والقومية!
❒ ❒ ❒
الذين ينتظرون ان يتحدث "ولي الدم" والمؤتمن على الهدوء والاستقرار في أمور المحكمة انطلاقا من قرائن السيد نصرالله، سينتظرون طويلا، ربما لأن من الواضح تقريبا أن سعد الحريري يحرص جيدا على ان لا يضع أي بصمة سياسية على عمل التحقيق القانوني والفني المختص، في دور المحكمة الدولية، بمقدار حرصه على حفظ وتيرة الحوار والتفاهم والاعتدال الوطني، في اطار من الديموقراطية التي تحتضن روح لبنان على ما يجب!
النهار