إما السجن... أو النفي!

عبد الوهاب بدرخا
هل يجيز اي قانون لبناني، اي عرف اخلاقي، لأي زعيم ديني او سياسي ان يدخل بيوت الناس عبر شاشات التلفزة ليقول لرب العائلة واولاده، قبل ان يقول لخصومه في السياسة، انهم خونة وعملاء للعدو الاسرائيلي اذا سوّلت لهم انفسهم قبول القرار الظني – حين يصدر وحتى قبل ان يصدر – في قضية اغتيال الرئيس رفيق الحريري ورفاقه؟
انت مواطن لبناني، وربما عربي متابع للشأن اللبناني، نشأت وترعرعت ولا تزال تعيش في ظل الصراع العربي – الاسرائيلي، بكل قناعاتك وجوارحك، ومع ذلك فأنت معرّض لان تُتهم وتُنتهك كرامتك لان هناك من بات يحتكر العداء لاسرائيل ويوزع وصمات العار على الآخرين.
لا بد ان هناك مواطنين لبنانيين، لا علاقة لهم بالـ14 او بالـ8، شعروا في الآونة الاخيرة بحاجة ماسة الى الدفاع عن انفسهم ضد افتراءات مهينة. فهل يستطيعون مثلا مقاضاة من يستهين بوجدانهم وعقولهم ووطنيتهم وعروبتهم؟ واذا فعلوا، هل هناك دولة تحميهم، بل هل هناك قضاء يجرؤ على قبول احتكامهم اليه؟ لو كانت هناك دولة، ولو كان هناك قضاء، لما كانت الحاجة الى محكمة دولية، فالذين دمروا الدولة وأرهبوا القضاء طوال العقود الثلاثة الماضية، روّجوا ويروّجون لـ"ثقافة" الاستباحة والقتل، بلا اتهامات ولا محاكمة ولا محاسبة. فمن يُقتل يُلغى، وتتحول الجريمة اكداسا من الملفات، وتحقيقا يدور في متاهات المجهول. والقاتل هو القدَر، قد يكون اسرائيليا وقد لا يكون، وفي مقابل استحالة معاقبة الاسرائيلي اقتضت المعادلة ان لا يعاقب غير الاسرائيلي.
من حق السيد حسن نصرالله علينا الاحترام والتقدير، لا لشخصه فحسب، بل كذلك للتضحيات الكبيرة التي قدمها "حزب الله". وثمة فارق كبير بين الاحترام الخالص النظيف والخوف من السلاح الذي بات يستخدم داخليا. على اساس هذا الاحترام، من حقنا على السيد حسن ان يكون حاسما في الاقناع والوضوح، خصوصا في قضية لها بعدها الداخلي اولا واخيرا، قبل ان تكون لها ابعاد خارجية. انها جريمة الاغتيال، التي يعرف جيدا ان غالبية اللبنانيين استنكرتها ورفضت اشهار الصمت حيالها، لا تمييزا خاصا لشخص الضحية وانما لان كل الامم تشهد في تاريخها لحظات لا تجد فيها سوى ان تقول: كفى...
والواقع ان تعامل السيد حسن مع هذه القضية، في مداخلاته الثلاث، زاد الغموض والالتباس والشكوك. وعدا تراشقه النقاط مع الاسرائيليين، واستخدام التصريحات الاسرائيلية للهجوم على الفريق الآخر في البلد، لمجرد ان هذا الفريق ينتظر التحقيق ويريد محاكمة نظيفة وعادلة. لكن الجميع يعلم ان لا فائدة من اشعال هذا الجدل حول المحكمة والادلة والاتهامات والقرار الظني، طالما ان التحقيق لم يكشف اسراره بعد. ولا فائدة من نعت المحكمة الدولية بكل الاوصاف والاشتباهات السياسية، لان ذلك لن يجردها من شرعيتها الدولية او من مصداقيتها المفترضة في انتظار ان تدلي بما عندها، وعندما تفعل لا يمكنها ان تكون بدورها غامضة وملتبسة، او حتى متلبسة بالانحياز السياسي، ففي هذه الحال سيكون جميع اللبنانيين ضدها، لا اكراما لـ"حزب الله"، ولا خوفاً من سلاحه، وانما احتراما لـ"الحقيقة" المطلوبة والمرتقبة.
منذ لحظة الاغتيال، وقع الاشتباه على كل من له علاقة من قريب او بعيد بالامن، وبالاخص على كل من هو موجود على الارض، فهناك المنفذ والمتورط والمشارك والمراقب والراصد، مثلما ان هناك العارف المتواطئ او العارف المتفرج والصامت، او اخيرا العارف الذي شاء لاحقا افادة التحقيق. واذ يستدل من كلام السيد حسن وتلميحاته انه يعرف الكثير الذي وعد بكشفه في حينه، الا ان هذا الكثير يقتصر كما فهمنا على مرحلة معينة في التحقيق، ويجهل كل شيء عن يوم الجريمة ووقائعها وما سبقها.
كلنا يعرف ان لـ"حزب الله" وجودا على الارض، وانه متيقظ لانه مستهدف، وهذا حقه، اما ان لا يكون لديه شيء لمصلحة التحقيق والحقيقة فهذا شانه، مع أنه مستغرب، واما ان يكون لديه كل شيء لتسفيه التحقيق والمحاكمة، فهذا مدعاة لاستغراب اكبر.
كانت هناك بلا شك قضية "شهود الزور". وهي افتضحت وباتت قديمة ولم يعد لها اي قيمة بالنسبة الى التحقيق الدولي الذي استهلك وقتا طويلا للتخلص من تضليلاتها. هذا لا يعني تجاهلها كأنها لم تكن، بالعكس يجب تفعيل اي محاسبة قضائية ممكنة بشأنها. اما إثارتها الآن على هذا النحو فتبدو مجرد افتعال للتقليل مسبقا من شأن القرار الظني وكل ما سيصدر عن المحكمة.
من الطبيعي والبديهي ان تثار "فرضية اسرائيل" في قضية الاغتيال، ويفترض ان يجيبنا التحقيق عنها، كما بالنسبة الى الفرضيات الاخرى، بما فيها "فرضية سوريا" و"فرضية الاصوليين الانتحاريين" او سواها. فهذا ليس امتحانا في العداء لاسرائيل، ولا في الولاء لسوريا، ولا داعي لمثل هذا الجدل المستحيل، فالكل يعرف الكل في هذا البلد. واقع الامر ان الذين يتهمون اسرائيل كالذين يتهمون سوريا، لا ادلة لديهم، وانما يتساوون في الظن والافتراض والتحليل والاستنتاج. فهل يعني ذلك ان الخيار المطروح هو بين ان تتهم اسرائيل وحدها فتكون وطنيا ومن "اشرف الشرفاء"، او ان تتهم سوريا وحلفاءها فتكون خائنا وعميلا؟ هذا يعني ان "مكارثي" القادم الى الحكم سيخيّر اللبنانيين بين السجن او النفي.
النهار