|
موعد مع المستقبل
Sunday, 25.07.2010, 12:22pm (GMT+10)
موعد مع المستقبل

تيار "المستقبل" الذي انطلق امس مؤتمره التأسيسي هو نتاج ثورة الارز التي اشعلها استشهاد الرئيس رفيق الحريري وسائر قافلة الشهداء، لكنه يأتي في ذروة مرحلة تجذرت فيها الثورة فاجتازت في خمس سنين تجارب خطيرة كان لبنان اثناءها في مهب عواصف متلاحقة. استشهاد الرئيس رفيق الحريري دفع مئات الآلاف من اللبنانيين الى الساحات في سابقة تاريخية لاعلان الولاء لقيم تليق بشخصية استثنائية في تاريخ لبنان. وفي قلب هذا الالتفاف اللبناني الكبير حول رفيق الحريري كان تيار المستقبل يشهد ولادته. القيمة الكبرى لحدث 14 شباط 2005 تكمن في اكتشاف اللبنانيين ما يوحدهم اذ انهم اجتازوا في لحظة استثنائية طوائفهم ومذاهبهم واحزابهم ومناطقهم وقبائلهم فكان الحدث الدموي متوهجاً كالشمس التي تبدد اشعتها الاولى عند الفجر ظلام الليل الحالك. واليوم يريد تيار "المستقبل" ان يحاكي هذا الحدث باعلان رئيسه سعد الحريري ان التيار "لن يحمل هوية مذهبية او طائفية او مناطقية". لوهلة شعر كاتب هذه السطور وهو يستمع الى الرئيس سعد الحريري ينطق بهذه العبارة انه امام نشوء تيار علماني في زمن ارتفعت رايات الطوائف والمذاهب. والجيل الذي عرف ارتفاع رايات التيارات والافكار والاحزاب العلمانية وسقوطها يعلم انه من باب المجازفة في هذه الايام ان يجنح التفكير الى حقبة تلاشت بعد انهيار الايديولوجيات التي قسمت العالم معسكرين واحداً اشتراكيا وآخر رأسماليا فاذا بنا اليوم نعيش في عالم المعسكرات التي تتلوّن بكل الالوان تحت راية زعيمة الرأسمالية التي تتمتع وتعاني في الوقت نفسه من التربع على عرش النفوذ الحالي. في لبنان يطل اليوم تيار "المستقبل" بصيغة جديدة للعلمانية في زمن الطوائف والمذاهب. ولا مبالغة في هذا التوصيف اذا ما عاد المرء الى سيرة رفيق الحريري التي يتولى سعد الحريري مواصلتها. كل الاحلام التي جسدها رفيق الحريري افعالا كانت عابرة للطوائف والمذاهب وايضا للطبقات. وسيأتي يوم يستطيع التفكير الهادىء ان يتبين حجم ما انجزه لوطنه على رغم اصراره على "ان احدا ليس اكبر من وطنه" بعيدا عن الاشتباك التقليدي مع الطوائف وذلك لمصلحة الدين الذي تأنسن وتعقلن وتسامح في اعمال الشهيد الكبير. في اعماق البداوة اللبنانية جنوح الى قسمة الناس على قاعدة معتقداتهم. من يقرأ ما كتبه امين الريحاني في كتابه "في قلب لبنان" يدرك ان هذه البداوة متجذرة على هذا الساحل منذ آلاف السنين. لكن في هذا التاريخ الذي نعيش الآن فعلا صاخبا من فصوله وهناك قامات تدير الدفة نحو الحضارة التي يتطلع اللبنانيون الى ان يكون تيار "المستقبل" واحدا من روادها. نجح رفيق الحريري في سيرته أن يطبق المثل الشائع "لا تعطه السمكة بل علمه كيف يصطادها". وهذا ما تجسد في عشرات الآلاف من الشبان والشابات الذين وصلوا الى جامعات العالم بدعم من مؤسسة الحريري. وعلى سعد الحريري ان يكمل الصورة فيجعل من لبنان مكانا ينال فيه الشباب والشابات فرصة العيش بكدهم وعرقهم وابداعهم. هذه هي وظيفة تيار "المستقبل" ان يؤكد انه نواة صلبة لوطن تكافؤ الفرص وليس جمعية لتوزيع الجوائز على الحالمين بها من دون اي جهد. التحدي كبير لكن النموذج الذي يحتذى موجود. والثقة كاملة بأن سعد الحريري صادق في كل ما قاله في المؤتمر التأسيسي.
النهار
|