لبنان‮ : ‬أربع محطات تاريخية لتغيير ثنائية التعايش‮ ..‬؟

| 08.05,10. 09:18 PM |

 

لبنان‮ : ‬أربع محطات تاريخية لتغيير ثنائية التعايش‮ ..‬؟

 

نهاد الغادري

لم‮ ‬يكن قد مضى على استقلال لبنان وسورية إلا سنوات قليلة حتى قامت إسرائيل وكان للحرب التي‮ ‬رافقت قيامها نتائجها البعيدة في‮ ‬البلدين بشكل خاص بحكم الجغرافيا‮ ‬،‮ ‬وفي‮ ‬المنطقة بشكل عام بحكم التاريخ والانتماء المشترك‮ .‬
أعقب قيام إسرائيل بعد سنوات قليلة ثورة مصر وتأميم قناة السويس والعدوان الثلاثي‮ ‬وما أنتج من تداعيات بدّلت وجه المنطقة‮ ‬،‮ ‬واتخذ الصراع الدولي‮ ‬على سورية ولبنان أشكاله الجديدة‮ . ‬دخلت أميركا على خط الاحتواء والمصالح بديلاً‮ ‬من قوتي‮ ‬الاستعمار القديم‮ .‬
في‮ ‬لبنان‮ ‬،‮ ‬موضوع حديثنا اليوم‮ ‬،‮ ‬انقسم الشعب اللبناني‮ ‬إلى شعبين واتجاهين‮ : ‬غربي‮ ‬ينتمي‮ ‬له المسيحيون ككل بحكم الخوف‮ ‬،‮ ‬وعربي‮ ‬ينتمي‮ ‬له المسلمون ككل بحكم التطلع لتبديل معادلة الاستقلال أي‮ ‬المناصفة والسلطة‮ . ‬كانت تلك هي‮ ‬البداية لانقسام لبنان لبنانَيْن وشعبَيْن في‮ ‬دولة‮ ‬يتصارع فريقاها على السلطة أولاً‮ ‬والهوية ثانياً‮ . ‬وقد شكل مبدأ آيزنهاور وحلف بغداد عنوانين للصراع بين الفريقين وبدا واضحاً‮ ‬أن الفريق المسيحي‮ ‬قد استغرب انتماءً‮ ‬طلباً‮ ‬للحماية‮ ‬،‮ ‬أما المسلم فقد استعرب وشرّق طلباً‮ ‬لتغيير الصيغة‮ .‬
قامت‮ ‬الوحدة المصرية‮ - ‬السورية فكان لقيامها أثر في‮ ‬الحياة السياسية اللبنانية وتبديل معادلات القوة لحساب المسلمين‮ . ‬وقد رافق قيام الوحدة ثورة مسلحة‮ ‬،‮ ‬ثم سقطت الوحدة فكان لسقوطها أثره أيضاً‮ ‬في‮ ‬علاقات فريقَيْ‮ ‬الحياة المشتركة والنظام والسلطة في‮ ‬لبنان‮ .‬
‮ ‬هدأ الصراع الداخلي‮ ‬موقتاً‮ . ‬غير أن قيام منظمة التحرير وانتشارها المسلح أعطى الصراع اللبناني‮ - ‬اللبناني‮ ‬وقوده من الحطب‮ . ‬انقسم لبنان بين مسلم مؤيد شديد الحماسة لتغيير الصيغة من خلال شعار تحرير فلسطين‮ ‬،‮ ‬ومسيحي‮ ‬معترض خوفاً‮ ‬من أن تستلحقه الذمّية التاريخية من جديد‮ . ‬نشبت الحرب الأهلية وانتهت بخروج الفلسطينيين وأوكل المجتمعان العربي‮ ‬والدولي‮ ‬للرئيس حافظ الأسد إدارة الحياة السياسية وضبطها فأدارها بكفاءة نادرة بغض النظر عن الأخطاء التي‮ ‬رافقت هذه الإدارة من دون أن ننسى أن لا سياسة بلا أخطاء‮ .‬
نحن إذن أمام ثلاث تجارب للانقسام اللبناني‮ : ‬
أ ـ تجربة الناصرية وتطلّع المسلمين لتغيير المعادلة‮ . ‬
ب ـ وتجربة الحرب الأهلية وما رافقها من مشاريع تبديل المعادلة أيضاً‮ ‬بقيادة كمال جنبلاط‮ . ‬
جـ ـ ثم تجربة المرحلة السورية من إدارة لبنان وما رافقها من فشل ونجاح وتغيير حقيقي‮ ‬على الأرض لعناصر وأدوات الصراع الداخلي‮ . ‬كان الهدف دوماً‮ ‬تغيير معادلة الثنائية في‮ ‬السلطة وتغليب أحد فريقي‮ ‬الحياة المشتركة‮ ‬،‮ ‬أي‮ ‬المسلم السني‮ ‬في‮ ‬المرحلتين السابقتين‮ ‬،‮ ‬فالشيعي‮ ‬في‮ ‬المرحلة التي‮ ‬يعيشها لبنان‮.‬
‮ ‬وقد حالف الفريق الإسلامي‮ ‬السني‮ ‬الناصرية بأمل التغيير‮ ‬،‮ ‬ثم منظمة التحرير‮ ‬،‮ ‬وخسر في‮ ‬الحالتين رهانه‮ .‬
بعد اغتيال الحريري‮ ‬وانسحاب القوات السورية بدأ صراع جديد عنوانه المقاومة‮ ‬،‮ ‬وتقدم فريق من الطائفة الشيعية لفرض معادلة جديدة بعلاقاته الإقليمية والدولية‮ . ‬لم‮ ‬يعد الفريق الإسلامي‮ ‬واحداً‮ ‬في‮ ‬مواجهة الفريق المسيحي‮ . ‬انقسم الفريق المسيحي‮ ‬أيضاً‮ ‬بعد أن أضعفته الحرب الأهلية وخرج منها مثخناً‮ . ‬أصبحت الأرض اللبنانية معدة ومهيّأة لتغيير معادلة العلاقة بين ثلاثة فرقاء بدلاً‮ ‬من فريقين‮ ‬،‮ ‬وكان لكل من الفرقاء الثلاثة مدده الخارجي‮ ‬،‮ ‬وقد توزع هذا الخارج بين الغرب وإيران وبعض العرب‮ . ‬أصبح لبنان من جديد أسير لعبة نقض معادلة الاستقلال ولكن بين المسلمين ككل أولاً‮ ‬،‮ ‬ثم بين أكثرية من الفريق الشيعي‮ ‬وبين المسيحيين ثانياً‮ . ‬أما الفريق الإسلامي‮ ‬الآخر‮ ‬،‮ ‬أي‮ ‬السني‮ ‬،‮ ‬فقد أصبح أكثر لبنانية بحكم التجربة وكوارثها وحليفاً‮ ‬لفريق من المسيحيين الذين انقسموا بدورهم إلى فريقين‮ . ‬
نحن الآن أمام أربع تجارب تاريخية لتغيير موازين القوى الداخلية في‮ ‬لبنان بين المسلمين والمسيحيين ككل‮ ‬،‮ ‬ثم بين المسلمين والمسلمين من مذهبين مختلفين في‮ ‬صراع على الموقع الأول في‮ ‬المعادلة التي‮ ‬أصبحت ثلاثية بعد أن أصبح المسلمون فريقين في‮ ‬مواجهة المسيحيين‮ ‬،‮ ‬ورباعية وربما خماسية بأطرافها الأخرى بعد أن نجح فريق مسيحي‮ ‬في‮ ‬قسمة المسيحيين أيضاً‮ ‬،‮ ‬ثم في‮ ‬ما بين بعض المسلمين والمسيحيين ككل أو كجذور‮ . ‬تمزق الوطن الصغير الواحد أوطاناً‮ ‬وشيعاً‮ ‬ومذاهب‮ . ‬للتذكير‮ : ‬عدد سكان لبنان من كل الطوائف لا‮ ‬يزيد على عدد حي‮ ‬من أحياء القاهرة‮ . ‬أما مساحته فجزء صغير صغير من جغرافيا تاريخية كانت موحدة وقسّمتها الحروب الدولية‮ .‬
هذا الصراع اللاهدف له إلا السلطة وقرارها ومنافعها المشروعة وغير المشروعة‮ ‬،‮ ‬جعل من لبنان أرض صراع إقليمي‮ - ‬دولي‮ ‬توظف فيه القوى المختلفة أطراف الصراع اللبناني‮ ‬للإمساك بموقع لبنان الجغرافي‮ ‬وتحديد صيغته ومستقبله‮ .‬
لنعد إلى الصيغة التي‮ ‬قام بها لبنان وارتضاها رجال الاستقلال في‮ ‬سورية ولبنان‮ .‬
قرأت كثيراً‮ ‬عن تلك المرحلة وكنت شاباً‮ ‬صغيراً‮ ‬يومذاك‮ . ‬غير أنه أتيح لي‮ ‬في‮ ‬ما بعد أن أسمع من بعض رجال الاستقلال الكثير عن ذلك الزمن والأسباب التي‮ ‬أدت لقيام لبنان دولة مستقلة بثنائية مسيحية‮ - ‬إسلامية على أن‮ ‬يكون للمسيحيين حق الرئاسة‮ .‬
في‮ ‬حديث طويل مع الرئيس شكري‮ ‬القوتلي‮ ‬،‮ ‬الرئيس الأول لسورية المستقلة‮ ‬،‮ ‬قال لي‮ ‬رداً‮ ‬على سؤال اعتبرته مبدئياً‮ : ‬لماذا وأنتم من دعاة الوحدة وافقتم على قيام دولة لبنانية مستقلة ذات وجه مسيحي‮ ‬وتنازلتم للبنان عن الأقضية الأربعة‮ ..‬؟
نظر إلي‮ ‬شكري‮ ‬القوتلي‮ ‬رحمه الله وقال‮ : »‬لقد أخذنا الاستقلال في‮ ‬ظل الصراع العربي‮ - ‬اليهودي‮ ‬على هوية فلسطين‮ . ‬لم تكن إسرائيل قد قامت بعد‮ . ‬وقد رأينا‮ ‬،‮ ‬منعاً‮ ‬لجعل الصراع مع الحركة الصهيونية دينياً‮ ‬،‮ ‬ولئلا تتهم المسلمين برفض التعايش مع الآخر‮ ‬غير المسلم‮ ‬،‮ ‬أن نجعل من لبنان أرضاً‮ ‬وعنواناً‮ ‬لهذا التعايش الذي‮ ‬يسقط الذريعة الصهيونية‮ . ‬إضافة لتحجيم أي‮ ‬تدخل أجنبي‮ ‬خارجي‮ ‬بعد الاستقلال بذريعة حماية الأقلية المسيحية التي‮ ‬نعتبرها عربية وجزءاً‮ ‬من تراث المنطقة وتاريخها ليست طارئة أو مهاجرة‮ . ‬أردنا أن‮ ‬يكون الاستقلال عنواناً‮ ‬للتعايش لأن لا صلة للدين بالاستقلال‮ . ‬إنه عمل سياسي‮ ‬وطني‮ ‬يتصل بالأرض وحرية مواطنها مسلماً‮ ‬كان أم مسيحياً‮. ‬ولقد كان اتفاقنا كاملاً‮ ‬مع قادة الاستقلال اللبناني‮ ‬يومذاك‮ ‬،‮ ‬وبخاصة بشارة الخوري‮ ‬ورياض الصلح‮ ‬،‮ ‬على أن صيغة لبنان هي‮ ‬التي‮ ‬ستواجه الصيغة الصهيونية ذات الهوية الواحدة المغلقة‮ . ‬هكذا ارتضينا استقلال لبنان عن سورية وحماية المسيحيين بدولة ذات هوية وطنية مشتركة‮ . ‬أما في‮ ‬سورية فقد شاركنا فارس الخوري‮ ‬وعدد من القيادات المسيحية وبخاصة المحامين في‮ ‬مدينة حلب‮ ‬،‮ ‬العمل والكفاح‮ ‬،‮ ‬وأكسبت مشاركتهم الحركة الوطنية صورة التعايش الوطني‮ ‬ونزاهته‮«.‬
طرحت فيما أذكر أسئلة كثيرة حول هذا الموضوع وكان مما سمعت من الرئيس القوتلي‮ : ‬لا تنس‮ ‬يا نهاد أن‮ »‬جذور هذه البلاد مسيحية وأن المسيح منّا‮ ‬،‮ ‬وأن الإسلام جاء متفقاً‮ ‬أو قريباً‮ ‬من فريق مسيحي‮ ‬كان‮ ‬يقول بوحدانية الله وقد فتح له هذا الفريق أبواب دمشق وسورية واستوزر المسيحيون لمعاوية في‮ ‬الشام وأقاموا له الدولة العربية الأولى‮«.‬
فوجئت بجواب الرئيس القوتلي‮ ‬والبُعد الآخر في‮ ‬موقفه السياسي‮ ‬،‮ ‬وكنا نحسبه بحكم معارضتنا له‮ ‬يوم كان رئيساً‮ ‬أنه مجرد رئيس من مرحلة الكفاح الوطني‮ ‬وأن فكره السياسي‮ ‬ظل أسير تلك المرحلة من دون أن‮ ‬يكون لدى فريق الكفاح الوطني‮ ‬أي‮ ‬مشروع لبناء دولة الاستقلال‮ .‬
أروي‮ ‬هذه القصة اليوم لكي‮ ‬أعيد التذكير بالأهمية الوطنية والقومية لحماية المسيحيين ومنحهم حضوراً‮ ‬مسؤولاً‮ ‬في‮ ‬بلد عربي‮ ‬يقيم نموذجاً‮ ‬مختلفاً‮ ‬ونقيضاً‮ ‬للصهيونية التي‮ ‬تتطلع لتهويد الأرض والسلطة وإقامة مجتمع صافي‮ ‬اليهودية بذريعة استحالة العيش المشترك‮ . ‬طبعاً‮ ‬،‮ ‬ينسحب هذا الموقف على كل المسيحيين الذين‮ ‬يقيمون في‮ ‬أي‮ ‬أرض إسلامية‮ . ‬ولقد‮ ‬يكون مفيداً‮ ‬التذكير بأن ما‮ ‬يطالب به بعض الجاليات الإسلامية في‮ ‬الغرب من حقوق أو صيغة حياة خاصة تختلف مع صيغة المجتمع ويدافع عنه بعض المسلمين هنا وهناك‮ ‬،‮ ‬يزيد كثيراً‮ ‬عما‮ ‬يطالب به المسيحيون في‮ ‬الأرض العربية‮ - ‬وهم أهل أرض وليسوا مهاجرين‮ - ‬من حق الاختلاف الذي‮ ‬لا‮ ‬يمس جوهر المواطنة حقوقاً‮ ‬وواجبات‮ . ‬وقد أذهب أبعد حين أقول إن بعض الاختلاف بين الطوائف الإسلامية المتعددة كثيراً‮ ‬ما زاد على الاختلاف مع الطوائف المسيحية‮ . ‬طبعاً‮ ‬لا‮ ‬يعني‮ ‬هذا الكلام أن لا أخطاء تقترفها المسيحية السياسية ولكن بعضها رد فعل الخوف أو القلق وبعضها الآخر جزء من تراث المنطقة المشترك وما تعاقب عليها من أحداث‮ .‬
يحتاج العقل السياسي‮ ‬العربي‮ ‬إلى إعادة نظر في‮ ‬الأسس التي‮ ‬تقوم عليها علاقات مجتمعاته الوطنية بكل عناصر تكوينها‮ ‬،‮ ‬وتحتاج الأنظمة العربية إلى إعادة النظر في‮ ‬قوانين وقواعد علاقاتها بمواطنيها مسلمين ومسيحيين لأن بعضها ما زال‮ ‬يستذمّ‮ ‬المسلم والمسيحي‮ ‬معاً‮ ‬ويعتبرهما ملكاً‮ ‬له‮ .‬
ومن المواطنة‮ ‬،‮ ‬حقوقها وواجباتها‮ ‬،‮ ‬تبدأ الدولة‮.. ‬والوطن

المحرر العربي

 



(Votes: 0)

Other News

قياديان في حزب الله أبرز المتهمين في جريمة اغتيال رفيق الحريري   التغلغل الإسرائيلي في أفريقيا وتداعياته العربية  مفاوضات طحن الماء يزحفون الى ليبيا نقاشات خاطئة!  هل يكون "تيمور بك" "المؤسس الثالث" للحزب التقدمي الاشتراكي بعد 61 عاماً على ولادته ؟ نتنياهو في مصر: لا اهلا ولا سهلا خرافة انتصار إسرائيل أوباما‮ : ‬عودة إلى الحلم الأميركي‮..‬؟ ميشال عون متراس بلدي الحزب التقدمي الإشتراكي يا عمال سوريا هل يعود سمير جعجع إلى السجن ؟ من قتل السلام؟ تفجير قضية صواريخ «سكود» يمهد لتحضير قرار دولي بنشر قوات على الحدود اللبنانية - السورية شرايين غزة تموت.. والفولاذي يكتمل  هل يستوعب حزب الله درس ((أبو عمار))؟    مهمة حرب.. لا سلام احترام الخصوصيات العائلية بتوافق جنبلاط وأرسلان تقدمي" و"مستقبل"و"كتائب" و"قوات" و"أحرار"و"ديموقراطي"و"قومي"في الميدانالتوافق والا مفاجآت تهديـدان لا واحـد   هل يعود جعجع إلى غدراس ثم إلى... فلسطينيون وليسوا بشرا كابتن سعد  ذكرى الجلاء إسرائيل‮ : ‬المزيد من كل شيء ما عدا السلام‮ ..‬؟ سكود ضد من؟ نصيحة عربية لا تستحق الاحترام لم تعد المسألة سرّا. البلديات: من "نكسة" 1967 إلى انتكاسة 2010