التغلغل الإسرائيلي في أفريقيا وتداعياته العربية 

| 06.05,10. 07:52 PM |

 

التغلغل الإسرائيلي في أفريقيا وتداعياته العربية  

   
 
 
 
 
صالح النعامي

مما لا شك فيه أن هناك علاقة وثيقة وأكيدة بين تعزيز العلاقات بين أثيوبيا وإسرائيل بشكل غير مسبوق مؤخرًا وبين تهديد حكومة "أديس أبابا" بإعادة توزيع مياه النيل بشكل يمس بكل من مصر والسودان.

وتشير المصادر الإسرائيلية إلى أن العلاقة بين تل أبيب وأديس أبابا أخذت في الآونة الأخيرة منحًى درامتيكيًّا، أظهرت فيه القيادة الصهيونية مرونة كبيرة، تمثلت بالتخلي عن حليفها السابق أسياس أفورقي مقابل الظفر بتعزيز العلاقة مع النظام الأثيوبي.

وتمثل تعزيز العلاقة بين الجانبين في التوقيع على العديد من صفقات السلاح بين إسرائيل وأثيوبيا وبشروط ميسرة، إلى جانب تقديم خدمات في مجال التدريب، حيث تتواجد وحدات من المدربين العسكريين الإسرائيليين تعكف على تدريب القوات الأثيوبية. وهناك من يربط بين التعاون الإسرائيلي مع أديس وأبابا ونجاح أثيوبيا في تحقيق انتصارات على أرتيريا في المواجهات التي دارت بين الجانبين قبل عامين.

يتوجب ألا يتوقع أحد أن تتبرع إسرائيل أو أثيوبيا بالكشف عما يحاك بينهما ضد مصر من وراء الكواليس، فليبرمان الذي يدير السياسة الخارجية لإسرائيل في أفريقيا هو نفسه الذي هدد يومًا بقصف السد العالي، بينما يصر وزير المالية يوفال شطاينتس على اعتبار مصر "دولة عدو" على الرغم من توقيع اتفاقية السلام.

توظيف إسرائيل لعلاقاتها مع الدول والحركات التي تناصب الدول العربية العداء في المس بالأمن القومي العربي، وإلهاء الدول العربية المؤثرة وإشغالها بمشاكل ثانوية لتقليص مدى تدخلها في الصراع العربي الإسرائيلي.. هذا التوظيف يعتبر جزءًا أصيلاً من العقيدة الأمنية الإسرائيلية. وقد وثق هذا التوظيف بشكل نادر شلومو نكديمون مستشار رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إسحاق شامير الذي أشار إلى أن إسرائيل دأبت منذ الخمسينات من القرن الماضي على توثيق علاقاتها مع الأكراد في شمال العراق من أجل تعزيز توجهاتهم الانفصالية لضرب الدولة العراقية والتأثير على أولويات الدولة العراقية. وبنفس المنطق عززت إسرائيل علاقاتها مع نظام الشاه، وكذلك مع تركيا بقيادة العسكر والعلمانيين لعدائهما المستحكم تجاه الدول العربية. في نفس الوقت فإن قصة التحالف الإسرائيلي مع موارنة لبنان ماثلة للعيان، واعتماد تل أبيب عليهم في ضرب المقاومة الفلسطينية والحركات الوطنية اللبنانية.

ويشير نكديمون إلى أن نفس المنطق أملى على إسرائيل إقامة علاقات وثيقة مع الحركة الشعبية لتحرير السودان التي تطالب بانفصال السودان، حيث حرصت إسرائيل على مد قوات الحركة بالسلاح والعتاد الحربي، علاوة على تدريب عناصرها. في نفس الوقت فإنه ليس سرًا أن إسرائيل شجعت اللوبيات اليهودية في الولايات المتحدة على وضع الأجندة التي ترفعها بعض نخب الأقباط في المهجر على جدول أعمال كل من الكونغرس والإدارة الأمريكية، وتحديدًا الدعاوى المتمثلة في التضييق على الأقباط وعدم المساواة في التعامل معهم، وغيرها من الملفات.

لكن اهتمام إسرائيل في "القرن الأفريقي" لا ينحصر فقط في محاولة التأثير على الأمن القومي المصري من خلال محاولة المس بحصة مصر من مياه النيل، بل يتعداه إلى تحقيق أهداف إسرائيلية كبيرة، حيث إن "القرن الأفريقي" يشرف على "باب المندب"، الذي تمر من خلاله 20% من التجارة الخارجية لإسرائيل.

ومما لا شك فيه أن تصاعد دور تنظيم "القاعدة" والجماعات المرتبطة به في هذه المنطقة وتحديدًا في الصومال زاد من حاجة إسرائيل إلى تواجد في المنطقة، وتدخل أثيوبيا كدولة مقربة من إسرائيل في الشأن الصومالي أسهم في تسهيل المهمة على إسرائيل، وهناك مؤشرات بأن إسرائيل وظفت الاحتلال الأثيوبي لأجزاء واسعة من السودان في منح "الموساد" مواطئ قدم في هذه الدولة الممزقة، خشية أن يتحول عناصر التنظيم للمس بالسفن الإسرائيلية التي تبحر في المحيط الهندي والبحر الأحمر، خاصة في ظل ازدهار عمل القراصنة الصوماليين.

ولا يخفي مدير عام وزارة الخارجية الإسرائيلي الأسبق تسفي بار قلق إسرائيل من ازدياد معدلات انتشار الإسلام في أفريقيا على اعتبار أن هذا العامل يثير القلق بشكل أساسي بالنسبة لتل أبيب، حيث يفترض بار أن هذا التطور يفضي إلى بيئة سلبية للمصالح الإسرائيلية، وهو ما يفاقم من حاجة إسرائيل لتواجد مكثف وعميق في المنطقة. وعندما تتوجه إسرائيل لأنظمة الحكم في الدول التي تعاني من صراعات على خلفية وقبلية، يكون أحدَ أطرافها المسلمون، فإنها تذكر هذه الأنظمة أنه بالإمكان الاعتماد على تجربتها في مجال مواجهة الحركات الإسلامية. من هنا نجد أن إسرائيل بذلت جهودًا كبيرة في التقارب مع نيجيريا على وجه الخصوص ووقعت معها صفقة لتزويدها بالسفن الحربية.

لكن هناك قائمة كبيرة من المصالح الإسرائيلية في أفريقيا، تعمل على ضمان عدم المس بها، وتتمثل في:

1- إحكام السيطرة على صناعة التنقيب على النفط في أفريقيا، حيث تتولى شركات إسرائيلية بغطاء أوروبي التنقيب عن النفط في عدد من الدول الأفريقية، وقد تعززت رغبة إسرائيل في استغلال احتياط النفط الأفريقي على إثر التقارير التي أصدرتها الأمم المتحدة والتي تحدثت عن أن الاحتياط الأفريقي من النفط يصل إلى أكثر من 80 مليار برميل.

2- تستغل إسرائيل المواد الخام التي يتم استخراجها من الدول الأفريقية، سيما اليورانيوم، حيث إنه في بعض الأحيان يتم هذا الاستغلال بعلم الدول الأفريقية، وأحيانًا تستغل إسرائيل ضعف بنية الدولة والرقابة في الدول الأفريقية وتقوم بالبحث عن اليورانيوم واستخراجه دون أن تضع الدول الأفريقية في صورة ما تقوم به، ففي كتابه "بقوة العلم"، كشف العالم النووي الإسرائيلي أرئيل بخراخ النقاب عن أن إسرائيل قامت بسرقة اليورانيوم من دول أفريقية دون علمها، بحجة أن علماءها كانوا يقومون بأبحاث جيولوجية في صحاري هذه الدول.

3- تعتبر أفريقيا سوقًا واسعة للمنتوجات الإسرائيلية، سيما في مجال الصناعات الحربية.

4- تحتكر إسرائيل الكثير من الصناعات والمرافق الاقتصادية في عدد من الدول الأفريقية، فعلى سبيل المثال تحتكر الشركات الإسرائيلية صناعة الغذاء في أثيوبيا.

5- تعتبر صناعة وتصدير الماس أحد أهم مصادر الدخل القومي الإسرائيلي، حيث إن جميع الماس يتم استخراجه من الدول الأفريقية.

وتاريخيًا استخدمت إسرائيل أدوات متعددة في تعزيز علاقاتها مع الدول الأفريقية، فتارة عبر تصدير الخبرات الفنية في مجال الزراعة، وتارة في مجال التدريب العسكري وتأهيل الألوية العسكرية المسئولة عن حماية أمن الرؤساء الأفارقة وتقديم العلاج الطبي سرًا لأرباب الحكم في المستشفيات الإسرائيلية، واستيعاب الطلاب الأفارقة في الجامعات الإسرائيلية. وفي بعض الأحيان لم تتردد إسرائيل في المساهمة في تدبير انقلابات عسكرية في بعض الدول الأفريقية، وكما يؤكد الصحافي يوسي ميلمان، معلق الشؤون الاستخبارية الإسرائيلية، فإنه في حكم المؤكد أن الموساد أسهم في حدوث انقلابين في كل من أوغندا وزنجبار.

إن الذي يصيب المرء بالإحباط هو حقيقة أن إسرائيل تتحرك في القارة الأفريقية دون أن تواجه أي مقاومة عربية على الإطلاق، حيث إن الدول العربية تحرص على عدم استغلال الكثير من الأدوات التي بإمكانها استخدامها ليس منع التغلغل الإسرائيلي في أفريقيا، بل حتى لا تواصل إسرائيل توظيف هذا التغلغل في المس بالأمن القومي العربي. فكلمة سر مشروع إسرائيل مقابل فراغ عربي.
 



(Votes: 0)

Other News

مفاوضات طحن الماء يزحفون الى ليبيا نقاشات خاطئة!  هل يكون "تيمور بك" "المؤسس الثالث" للحزب التقدمي الاشتراكي بعد 61 عاماً على ولادته ؟ نتنياهو في مصر: لا اهلا ولا سهلا خرافة انتصار إسرائيل أوباما‮ : ‬عودة إلى الحلم الأميركي‮..‬؟ ميشال عون متراس بلدي الحزب التقدمي الإشتراكي يا عمال سوريا هل يعود سمير جعجع إلى السجن ؟ من قتل السلام؟ تفجير قضية صواريخ «سكود» يمهد لتحضير قرار دولي بنشر قوات على الحدود اللبنانية - السورية شرايين غزة تموت.. والفولاذي يكتمل  هل يستوعب حزب الله درس ((أبو عمار))؟    مهمة حرب.. لا سلام احترام الخصوصيات العائلية بتوافق جنبلاط وأرسلان تقدمي" و"مستقبل"و"كتائب" و"قوات" و"أحرار"و"ديموقراطي"و"قومي"في الميدانالتوافق والا مفاجآت تهديـدان لا واحـد   هل يعود جعجع إلى غدراس ثم إلى... فلسطينيون وليسوا بشرا كابتن سعد  ذكرى الجلاء إسرائيل‮ : ‬المزيد من كل شيء ما عدا السلام‮ ..‬؟ سكود ضد من؟ نصيحة عربية لا تستحق الاحترام لم تعد المسألة سرّا. البلديات: من "نكسة" 1967 إلى انتكاسة 2010 قانون الانتخاب لايكفي بدون تطويرالقوانيين المُنظمة والصلاحيات آخر أيام السودان