هل يعود جعجع إلى غدراس ثم إلى...

| 20.04,10. 07:46 AM |

 

هل يعود جعجع إلى غدراس ثم إلى... 
 
 
 
  
  
 

نصري الصايغ

ليس بعيداً أن ينتقل سمير جعجع إلى مربع الخطر.. مسيرة «ثورة الأرز» في خطواتها الأخيرة.. والفصل الأخير سيمثله جعجع وحيداً.. لن يعثر على رفيق درب.. الممثلون جميعهم تقريباً، انتقلوا إلى دمشق، لإقامة غير مؤقتة.
من علامات النهاية، عودة الأسراب اللبنانية السياسية، إلى الفضاء الدمشقي.. الباقون هنا، يعيشون في قفص الأزمة الذي كان يوماً ما، ذهبياً.. دمشق تحتضن قوى سياسية فوق المتوقع، ما يبعد عنها وعن لبنان، كأس العودة والإقامة الدائمة في الأزقة الضيقة، التي تعتاش فيها فلول الطبقة السياسية.
كانت بيروت، طوال خمس من السنوات، تقلق دمشق.. الإرث كان ثقيلاً. حضر العالم أو استدعي لقيادة معركة إسقاط دمشق في لبنان، ومحاولة إسقاطها في سوريا، وإطاحة المقاومة.
حضرت الولايات المتحدة، بثقل المحافظين الجدد وجنون بوش المنظم وذي التوقيت المستدام. حضر معها مجلس الأمن الدولي: يصدر القرار تلو القرار ضد دمشق. بدا كأنه تحوّل إلى غرفة عمليات يومية، لتحريض اللبنانيين على سوريا، أو استثمار الغضب اللبناني وتوظيفه لإسقاط النظام، أو محاصرته لإخضاعه.
حضرت فرنسا، بقيادة «الصديق» شيراك.. انتسب إلى 14 آذار. حضرت دول «الاعتدال» العربية الوازنة آنذاك (الغبارية راهناً)، ودعمت وأيدت وخططت وحرضت ودفعت ما تيسر من أموال، لهزيمة دمشق وتطويعها.
حضرت دماء الشهداء، واستحضرت المحكمة الدولية، وباكورة أعمالها، الرجل المدلل لبنانياً، ديتليف ميليس.. كان يريد أن يضع «الكلبشات» في يد القيادات السورية، ممهداً لذلك بالقبض على «رموز الأمن اللبناني/السوري المشترك»... حضرت أو أحضرت حشود طائفية سنية ودرزية وبعض «مسيحية»، ونزلت إلى الساح بعدما أسقطت حكومة الرئيس عمر كرامي.
حضرت المجموعة الأوروبية، والأكثرية النيابية، والغلبة الوزارية... والهدف أن تدفع دمشق، ثمن الجريمة ظاهراً، وأن تدفع ثمن مواقفها باطناً.
ثم حضرت إسرائيل براً وبحراً وجواً... وكان ما كان من مآسٍ... إلى يوم الحسم الكبير: السلاح يدافع عن السلاح في السابع من أيار.
كان ميزان القوى مختلاً آنذاك، لمصلحة كوندليسا رايس وجيفري فيلتمان.
فيما القوى الحليفة لدمشق، محشورة في زاوية الاتهام ومطالب التعجيز.. حليفاها إيران وحساسيتها الشيعية، وسوريا والتهمة الملصقة بها.. «حليفان قيد الاتهام» غير صالحين للاستعمال في المعركة الداخلية/ الإقليمية/ الدولية. يحق لجعجع أن يتساءل، ماذا تبقى من هذه القوى ومن تبقى معها.. يحق له أن يستنتج إذا تجرّد، ولو قليلا. خاصة أنه كما يقال عنه، يحسب خطواته بدقة.
يحسب أن سوريا اليوم، تحتضن المقاومة وتضعها في رتبة المشاركة في التخطيط الاستراتيجي الإقليمي.. صورة دمشق ليست دعائية. نجاد والأسد ونصر الله، في ذروة التئام القوى لمواجهة موحدة، لأي عدوان.. صورة تعبّر عن صيغة التحالف الاستراتيجي، بحيث أي اعتداء على طرف يعد اعتداءً على الجميع.
فهل هذا واضح أم يحتاج إلى القراءة المتعامية؟
يحسب جعجع، أو هكذا مفترض أن يفعل.. سوريا حليفة بأواصر قديمة متجددة مع الرئيس بري وما يمثله وما يمتلك من مفاتيح داخلية. وهي حليفة فوق العادة للجنرال عون، تفهمه وتتفهم مواقفه.. له دالة على قلب العاصمة السورية.. ليس لأنه نقل البارودة، بل لأنه نقل طائفة، من حال الغربة إلى حال التشارك مع المحيط.
يحسب جعجع، أو هكذا يفترض أن يكون قد فعل، سوريا تستقبل وليد جنبلاط، بصيغته القديمة/المتجددة: حماية المقاومة والوقوف إلى جانب سوريا.. لقد ودّع 14 آذار، وطلق شعاراتها، المتطابقة نصاً وروحاً، مع عقيدة جعجع القواتية. كأنه عندما تخلى، قال لجعجع: السيادة والحرية والاستقلال عن دمشق، «هذه بضاعتك ردت إليك».
يحسب جعجع، أو يكون قد استنتج، أن الرئيس الحريري سيتحول كشاوول إلى مبشر بالعلاقة مع سوريا، وبضرورة احتضان المقاومة.. يعرف جعجع أن دمشق لن تقبل من الحريري، أطراف الكلام من طرف اللسان. لن ترضى «برجل في البور وأخرى في الفلاحة». لا تقبل سوريا أن يكون الحريري في دمشق، قريناً لوليد جنبلاط، وفي لبنان، قريناً لجعجع أو السنيورة، وتحديداً في ما له علاقة بدمشق والمقاومة... جعجع يعرف أن دمشق تناور إلا في ثلاثة: المقاومة، والسياسة الخارجية والأمن. تريد أن تكون هذه الملفات مشتركة ومسيّرة بعقيدة الممانعة والمواجهة مع اسرائيل.
لا يخمّن جعجع... يعرف سوريا. عرضت عليه قبل 1994، التعاون. رفض. ويعرف أيضا، أن الأفضلية ستكون لسوريا في اتخاذ القرار الخارجي، حرباً أم سلماً أم تفاوضاً أم مقاومة.. السياسة الخارجية لن ترسم في عوكر أو في الأشرفية، بل بين الضاحية ومنطقها، ودمشق وموقفها.
ولا يشك جعجع، ربما، ولأنه حيسوب دقيق، كما يعترف له خصومه، بأن كل خطوة تقرّب سعد الحريري من دمشق، تبعده عن معراب.. وسيضطر الحريري، مدفوعاً بحسابات الحكم والربح والخسارة والحسابات الإقليمية، أن يتخلى عن حليفه «الحميم» جعجع...
أليس كل ذلك مدعاة لوقوع جعجع في مربع الخطر؟ هل يرضي نفسه بأنه لم يتغير وأنه لن يغيّر، وأن شعاراته التي استأجرها الحريري وجنبلاط ولفيف 14 آذار، قد سقطت في الامتحان؟.. هل يرضي نفسه بالقول، لقد باعونا، ولسنا نحن الجنس السيئ. بل من...
هذا ليس حساباً في السياسة... جنبلاط لم يغيّر طوعاً، غيّر مكرهاً. والحريري حتى الآن لم يستطع اللحاق بسرعة جنبلاط، ولم يقدم على بدايات التغيير طوعاً، بل مرغماً... مشروع «ثورة الأرز»، سقط في السابع من أيار، والترسانة الدولية سقطت معها.
قد يبتسم جعجع: «لقد تجرأ السنيورة على تقبيل كوندليسا رايس، عندما كانت إسرائيل تقتل اللبنانيين. كان شجاعاً. (يقال إنهما معجبان ببعضهما كثيراً). قد يستكمل ابتسامته بحزن: «من يجرؤ اليوم على تقبيل سيسون»؟
إنها لسخرية السياسة في لبنان!
أما بعد، فهل يراجع جعجع نفسه؟ هل يراجع «عقيدته القواتية»، وارثة فلسفة الانعزال اللبناني، وقوة لبنان في ضعفه، وأن العداء المضمر لسوريا هو أساس هذا الفكر؟هل هو مستعد؟
يصعب عليه ذلك. الطائفية عند الحريري وجنبلاط، مصلحة، أما عند جعجع، فهي أيديولوجيا. ومن يتخلّ عن أيديولوجيته بهذه السرعة، ينتحر.
قد يأمل جعجع برهانين جديدين: التعويل على حرب إسرائيلية، والتعويل على تقرير المحكمة المزمع فيه تبني تقرير دير شبيغل.
من يحذر جعجع من التعويل على هذين الرهانين. لأن المتوقع، في حال اعتداء اسرائيلي على لبنان، أن لا تسمح المقاومة، «بثكنة مرجعيون» سياسية في أكثر من منطقة لبنانية... والدليل: السابع من أيار نموذجاً. لن تسمح المقاومة، بأن تكون الحكومة الراهنة، نسخة عن حكومة السنيورة.
أمام جعجع فسحة للمراجعة.. وأمامه فرصة جديدة، وهو يحضّر للمؤتمر الأول لـ«القوات»، لرسم واحد من طريقين: إما العبور إلى دمشق، بوعي ومعرفة وثقة وقناعة واحترام، وإما العودة إلى غدراس. وغدراس هذه أخرج منها مرة ولم يعد.. إلا بعد أحد عشر عاماً.
من ينصح الحكيم بالحكمة التالية: «رأس الحكمة صداقة دمشق».؟
وإذا لم يقبل النصيحة فعليه أن يجد تفسيراً لأحداث متنقلة تجري مرة في سيارة نائب قواتي ومرة في عيون أرغش و...
الضفاف الأموية، برغم العواصف الماضية، أكثر اطمئناناً من التشرد في متاهات «السيادة والحرية والاستقلال»، التي انتهى مفعولها، في السابع من أيار.

السفير

 
   



(Votes: 0)

Other News

فلسطينيون وليسوا بشرا كابتن سعد  ذكرى الجلاء إسرائيل‮ : ‬المزيد من كل شيء ما عدا السلام‮ ..‬؟ سكود ضد من؟ نصيحة عربية لا تستحق الاحترام لم تعد المسألة سرّا. البلديات: من "نكسة" 1967 إلى انتكاسة 2010 قانون الانتخاب لايكفي بدون تطويرالقوانيين المُنظمة والصلاحيات آخر أيام السودان فساد بعلامة تعجب تطهير عرقي عنصري إسرائيلي الحملة على "القوات" وواجبات الاستقلاليين هل من الشمال سيأتي الشر؟ إلى جهاد الزين: ليس دفاعاً عن وليد جنبلاط امريكا.. وفشلها الاقليمي   هل يعود البعث لحكم العراق ديموقراطياً؟ هيا نتحدث ارحموا العراق‮ تشكيل الحكومة العراقية الجديدة اختبار للنضوج الديمقراطي انتفاضة القادة.. في حضرة الأمين مساعد الحريري يتولّى التنسيق مع غزالة لعلاقة جيدة بعيدا عن التشويش وهّاب ينافس ارسلان... وعون ينافس فرنجيه... ولحود على صداقته مع كله مر مفاجآت قمة سرت الصراع في الشرق الاوسط الأسلوب الرخيص في التطاول على الرئيس  الازمة التالية مستقبل 14 آذار تحالفات الحكومة العراقية المقبلة تتسارع مع اقتراب نتائج الانتخابات طيــران الشــرق الأوســط فـي خطــر