امريكا.. وفشلها الاقليمي

| 07.04,10. 05:22 PM |

 

امريكا.. وفشلها الاقليمي

 
عبد الباري عطوان

 
الولايات المتحدة الامريكية شنت حربين على العراق، الاولى في شباط (فبراير) عام 1991 تحت عنوان 'تحرير الكويت'، والثانية في آذار (مارس) عام 2003 تحت شعار 'تحرير العراق'، ولكن الهدف الاساسي كان تغيير النظام الحاكم، واستبداله بآخر موال لها، ومتماه مع مشاريع هيمنتها، ومهادن لاسرائيل اسوة بالعرب الآخرين.
مهندسو الحرب الاخيرة على العراق من المحافظين الجدد وحلفائهم ومؤيديهم (العرب على وجه الخصوص) استخدموا ذريعة امتلاك العراق اسلحة الدمار الشامل لتبرير عدوانهم، وعندما انفضحت هذه الاكذوبة بالدلائل العملية، رفعوا شعارات الديمقراطية وحقوق الانسان لتبرير غزوهم، واحتلال بلد، وقتل مليون من ابنائه، وتيتيم اربعة ملايين طفل، وتهجير حوالى ثلثي هذا الرقم على الاقل الى دول الجوار، او داخل العراق نفسه.
نعترف بأن العراق الجديد شهد انتخابات شفافة وحرة، مرتين منذ الاحتلال، الاولى عام 2005، والثانية قبل شهر تقريبا، وكانت نسبة المشاركة في الثانية اكثر من ثلاثة وستين في المئة، بسبب مشاركة ابناء الطائفة السنية الذين قاطعوا الانتخابات الاولى بصورة شبه جماعية.
قوى خارجية عديدة تدخلت بشكل مباشر في الانتخابات بالمال او النفوذ. وكان لافتا ان الولايات المتحدة وحلفاءها العرب، مثل المملكة العربية السعودية ودول الخليج الاخرى، ساندت قائمة الدكتور اياد علاوي 'العلمانية'، بينما وقفت ايران بقوة خلف القوائم الشيعية الاخرى.
الانتخابات العراقية الاولى سلّمت البلاد الى الاحزاب الطائفية الاصولية، او بالاحرى كرّست وضعا قائما اسست له الادارة الامريكية ودعمته، وعندما انقلب السحر على الساحر، ارادت الولايات المتحدة اصلاح خطئها من خلال الانتخابات الثانية، فجاءت النتائج اكثر كارثية، او هكذا نعتقد.
الادارة الامريكية الديمقراطية الحالية التي وصلت الى البيت الابيض على حساب حروب المحافظين الجدد الفاشلة في منطقة الشرق الاوسط (العراق وافغانستان) تجد نفسها حاليا في مأزق اكبر في البلدين والمنطقة بشكل عام.
' ' '
قبل الغزو الامريكي للعراق كان المعممون وغير المعممين، الطائفيون والعلمانيون، الليبراليون والشيوعيون، العرب والاكراد، يولّون وجوههم صوب الكعبة الامريكية، يحجون اليها تباعا، فرادا وجماعات، لطلب الود والاستماع الى التوجيهات. وبعد سبع سنوات من الغزو والاحتلال، وخسارة ثمانمئة مليار دولار، واربعة آلاف قتيل امريكي، واربعين الف جريح، وإحلال الديمقراطية الامريكية مكان 'الدكتاتورية' المحلية، واجتثاث البعث ورجاله، وذهاب ابناء العراق الى صناديق الاقتراع مرتين، باتت طهران هي الوجهة المفضلة للسياسيين انفسهم، والمعممين انفسهم، حيث حلت وباستحقاق، مكان العاصمة الامريكية.
هل هو الغباء الامريكي، ام الدهاء الايراني، ام قصر النظر العربي، ام الخبث الاسرائيلي، ام كل هذه العوامل مجتمعة؟.. كل ما نعرفه ان ايران، العدو اللدود للولايات المتحدة، والمنافس الأبرز لهيمنتها على منابع النفط وصادراته واحتياطاته، هي الفائز الاكبر حتى هذه اللحظة.
ومن المفارقة ان الدكتور اياد علاوي، الحليف الاقرب لواشنطن بين كل السياسيين العراقيين، والعامل الاكثر تأثيرا في خطط اطاحة النظام السابق، هو الوحيد الذي لم يُدع لزيارة طهران، ربما لانه العلماني الابرز الذي فاز بالاكثرية في الانتخابات الاخيرة بأصوات الطائفة السنية.
الديمقراطية العراقية التي ارادتها واشنطن لتكريس هيمنتها، وتعزيز سلطة حلفائها، وتحقيق الاستقرار والامن في البلاد بما يمهد الطريق لسحب قواتها، او بالاحرى هروبها في العام المقبل، تحولت الى كابوس
باعطائها نتائج عكسية تماماً.
فرص الدكتور علاوي في تشكيل الحكومة الجديدة المقبلة تبدو محدودة، مما يعني ان كل الاستثمار العربي والامريكي المالي والمعنوي، لانجاحه سيذهب هباء. فالسيد نوري المالكي رئيس وزراء العراق الحالي هدد باللجوء الى العنف، اذا لزم الامر، لمنعه من الحلول محله في سدة الحكم. والسيد المالكي يعني ما يقول، فهو يملك، وبفضل الغباء الامريكي ايضاً، السيطرة الكاملة على القوات الامنية والعسكرية، والخزائن العامرة بأموال العوائد النفطية.
نظرياً يملك الدكتور علاوي وانصاره من السنة، العرب والاكراد معاً، دعم القوات الامريكية (20 الف جندي) الموجودة حالياً في العراق اذا لزم الامر، ولكن هل ستتورط هذه القوات في حال حدوث حرب اهلية نتيجة لهذا الانقسام العراقي الاخطر والاكثر دموية في حال لجوء طرفيه، او اطرافه الى السلاح والعنف لحسم الاوضاع؟
' ' '
الولايات المتحدة الامريكية تواجه اخطر انواع الفشل لسياساتها الخارجية في منطقة كانت، ويجب ان تكون من وجهة نظر مخططيها الاستراتيجيين، المنطقة الاكثر ولاءً واستقراراً كمنطقة نفوذ لها وذلك للأسباب التالية:
' اولا: حلفاؤها الاسرائيليون الذين زوّدتهم بأكثر من مئتي مليار دولار كمساعدات على مدى ستين عاماً، وساهمت بدور كبير في تسليحهم وبقاء دولتهم، باتوا يتمردون عليها، ويتحدّون ادارتها، ويرفضون ابسط طلباتها في الحفاظ على مصالحهم، اي الامريكيين، الاستراتيجية، مثل مجرد تجميد الاستيطان في القدس المحتلة.
' ثانيا: حلفاؤها العراقيون الذين سخّرت قواتها في خدمة طموحاتهم وضحّت بسمعتها من اجل اطاحة عدوهم اللدود الراحل صدام حسين، وايصالهم الى سدة الحكم، اداروا لها ظهرهم، وتحالفوا مع عدوتها ايران، وعلى رأس هؤلاء الدكتور احمد الجلبي الصديق الصدوق للمحافظين الجدد.
' ثالثا: حامد كرزاي الحليف الامريكي الآخر الذي جاءت به واشنطن من المجهول الى قصر الرئاسة في افغانستان، ليكون رمز الديمقراطية، والغطاء الامريكي، والمحارب الابرز والاشد لطالبان و'القاعدة'، لم يتورط في الفساد وتزوير الانتخابات فقط، بل ذهب الى ما هو ابعد من ذلك، وبات يهدد بالانضمام الى طالبان!
العنف او الارهاب مثلما يسميه الامريكان عاد بقوة الى المنطقة بفضل التدخل الامريكي، فالانفجارات باتت شبه يومية في العراق، ومرشحة للتصاعد، حيث حصدت امس ارواح العشرات من العراقيين، مما يؤكد ان تنظيم 'القاعدة' والفصائل الاخرى التي تتحالف معه، او تتبع نهجه، وتعارض المشروع السياسي الامريكي في العراق قد عادت بقوة. وليس من قبيل الصدفة ان يتوازى هذا مع تصعيد مماثل في افغانستان وباكستان، يستهدف السفارات الاجنبية في البلدان الثلاثة.
المصالحة الوطنية في العراق لم تتم، وفرص اتمامها المستقبلية باتت اكثر تعقيداً، والشيء نفسه في افغانستان، ولكن المصالحة الاهم التي وعد الرئيس اوباما بتحقيقها بين امريكا والعالم الاسلامي في عهد ادارته هي التي اجهضت، بل ظلت نطفة ولم تتطور حتى الى جنين، بفضل العداء المستحكم للمؤسسة الامريكية الحاكمة لكل ما هو عربي ومسلم.
 



(Votes: 0)

Other News

  هل يعود البعث لحكم العراق ديموقراطياً؟ هيا نتحدث ارحموا العراق‮ تشكيل الحكومة العراقية الجديدة اختبار للنضوج الديمقراطي انتفاضة القادة.. في حضرة الأمين مساعد الحريري يتولّى التنسيق مع غزالة لعلاقة جيدة بعيدا عن التشويش وهّاب ينافس ارسلان... وعون ينافس فرنجيه... ولحود على صداقته مع كله مر مفاجآت قمة سرت الصراع في الشرق الاوسط الأسلوب الرخيص في التطاول على الرئيس  الازمة التالية مستقبل 14 آذار تحالفات الحكومة العراقية المقبلة تتسارع مع اقتراب نتائج الانتخابات طيــران الشــرق الأوســط فـي خطــر محمّد شفيق شيّا في كمال جنبلاط... لزمن آخر!تحت عباءة السياسة مؤمن وفيلسوف وشاعر تنافس محموم بين المالكي وعلاوي وسجال حول تهديدات من دولة القانون عون تنصّل من الحملة على الرئيس.. واوساط سليمان ردت على وهاب: من تعامل بحزم مع الارهاب لن يخيفه ارهاب السياسة لماذا ستكون الضربة الإسرائيلية المقبلة الأكثر دماراً‮ ‬في‮ ‬تاريخ لبنان؟ هذه هي‮ ‬الأسباب التي‮ ‬تلجم‮ »‬حزب الله‮ كـمـال جـنـبـلاط سنبقى نكتبك ونحلمك ونهدي من تراثك عزماً وسلاماً مملكة العظماء: أسطورة أم حقيقة إذا هدموا الأقصى للأقصى رجال يحمونه القذافي عندما أجبر أمريكا على الاعتذار   من يجرؤ على اشعال الحرب في المنطقة وما هي تداعياتها؟ بلا هوية  موت اليسار الصهيوني ثلاثية العصر ورباعية فلسطين الكارثة الجوية سابقة تعويضات اسرائيل للامم المتحدة