هل يعود البعث لحكم العراق ديموقراطياً؟

| 03.04,10. 02:01 AM |

 
 
  هل يعود البعث لحكم العراق ديموقراطياً؟

 


 

 حسن صبرا


الحقائق التي افرزتها الانتخابات النيابية العراقية، لا تقل خطورة وأهمية عن النتائج العملية والسياسية والاقليمية التي بدأت بالظهور تباعاً، الى حين عقد الصفقة المنتظرة لتظهيرها داخل وحول العراق:
اولى هذه الحقائق: ان العراقيين انتخبوا على اساس مذهبي او مصالح مذهبية، حتى لو جاءت تغطية المذهبية بشعارات تنفيها.
الشيعة في المحافظات الجنوبية حيث الاغلبية الشعبية شيعية – انتخبوا الكتلتين الشيعيتين الاساسيتين:
أ – ائتلاف دولة القانون برئاسة حزب الدعوة الاسلامي الشيعي الذي يرأسه نوري المالكي.
ب – الائتلاف الوطني العراقي برئاسة المجلس الاعلى الذي انشأته ايران وكان تابعاً للسيد علي خامنئي خلال الحرب العراقية الايرانية (1980 – 1988).
اما السّنة في المحافظات الشمالية والغربية، فقد انتخبوا القائمة العراقية برئاسة الدكتور اياد علاوي، صحيح ان الاخير شيعي عراقي من بغداد، لكن قائمته العراقية ضمت اكبر عدد ممكن من البعثيين السابقين والقوميين العرب وعلى رأسهم حسن العلوي (كان ناطقاً باسم الرئاسة في عهد الرئيس صدام حسين، وهو شيعي عراقي وبعثي عريق) ورافع العيساوي وحسين الشعلان وجمال البطيخ وتوفيق العبادي واسكندر ونوت وكلهم عدا العيساوي من الشيعة العرب لكن البعثيين المخضرمين.
اختار السنة المرشحين الوطنيين والبعثيين والقوميين العرب في كل انحاء العراق، وأسقطوا الحزب الاسلامي (جماعة الاخوان المسلمين) اسقاطاً مأساوياً، وأيدوا رئيس الحزب السابق المستقيل منه طارق الهاشمي المنضم الى قائمة العراقية متخلياً عن حزبه بسبب انتهازيته السياسية ومبايعته لايران. وأسقطوا مرشحي الحزب الاسلامي في الموصل والانبار وصلاح الدين وبغداد، وهبط الحزب الاسلامي (اخوان مسلمين) من 44 مقعداً في انتخابات 2005 الى خمسة مقاعد في انتخابات 2010.
ثانية هذه الحقائق: ان المرجعيات الدينية السنية والشيعية ادتا ادواراً متباينة تماماً في وجهتها رغم ان الاثنتين بدتا وكأنهما نأيتا بنفسيهما عن التدخل.
المرجعية الشيعية برئاسة السيد علي السيستاني ايدت الاقتراع كواجب وطني لاختيار الشرفاء والوطنيين بعيداً عن التعصب، ونأى السيستاني بنفسه عن تأييد اي شخص او حزب او تيار او كتلة نيابية وأيد القائمة المفتوحة لترك الحرية للناخبين، ومواقف السيد السيستاني عام 2010 مناقضة تماماً لمواقفه عام 2005 حين ايد الائتلاف الشيعي المشكل من كل الاحزاب الشيعية، وها هو في انتخابات 2010 يعلن انه على مسافة واحدة من كل المرشحين رافضاً استقبال اي مرشح من اي جهة كانت.
اما المرجعية السنية خارج الحزبيات طبعاً فبرز منها موقف الشيخ حارث الضاري الذي ندد بإجراء الانتخابات وهدد المشاركين فيها، واعتبرها غير شرعية.
ومع هذا فقد بلغت نسبة المشاركة السنية في الانتخابات النيابية في بعض المناطق نحو 70% وهذا ما وفر للقائمة العراقية حصد 91 مقعداً من اصل 325 اي انها سبقت قائمة دولة القانون للمالكي بمقعدين اثنين بعكس ما حصل في انتخابات 2005 حيث تفوقت قائمة المالكي على العلاوي بنحو الضعف تماماً.
ثالثة تلك الحقائق: صوت المسلمون السنة لقائمة يرأسها شيعي وهم يعرفون انهم اذا انجحوه فإنهم ينتخبون مرشحاً شيعياً لرئاسة الوزراء، بينما صوت المسلمون الشيعة لمرشح شيعي ليرأس حكومة شبه دينية ستكون خاضعة لإيران بشكل كبير.
المرشحون القوميون العرب من الشيعة لم يحصلوا في المناطق الشيعية الا على اصوات السنة (9% في كربلاء سنة، 15% في البصرة سنة)، ولم يحصل المرشح حسن العلوي الشيعي القومي العربي على اي صوت شيعي في الحلة الجنوبية بينما حصل على الاصوات في الحلة الشمالية حيث الاغلبية سنية.
رابعة تلك الحقائق: رغم تركيز نوري المالكي وحزبه والمجلس الاعلى برئاسة عمار الحكيم على بغداد لحصد اكبر عدد ممكن من المقاعد كل لمصلحته، واستخدم المالكي بصفته القائد الاعلى للقوات المسلحة كل امكاناته العسكرية والامنية للتخويف والضغط، ومنع المرشحين عن القائمة العراقية من التحرك الشعبي، ونقل اقلام الاقتراع من اماكنها ليتعذر على الناخبين المؤيدين للعراقية..
رغم كل هذا حصلت قائمة العراقية على 24 مقعداً بينما حصل المالكي بكل امكاناته العسكرية وتأجيجه المذهبي على 26 مقعداً.
خامسة تلك الحقائق: ان المهجرين واللاجئين العراقيين الى الخارج، لم يستطيعوا تعديل النتائج بأي درجة لأسباب عديدة.
*السبب الاول: ان زعم سلطات بلدين اساسيين في استقبال اللاجئين العراقيين بالغتا كثيراً في ارقامهم طمعاً بالحصول على مساعدات من الامم المتحدة.
فدمشق اعلنت عن وجود مليونين تراجعوا الى مليون ومائتي الف ثم تبين في الارقام الحقيقية ان المدن السورية لم تضم سوى 170 الف عراقي، وهؤلاء شارك منهم في الانتخابات 40 الفاً فقط ولم يعطوا لمرشحي قائمة علاوي اكثر من مقعد واحد، بينما كان الاعتقاد ان وجود حشد كبير من المهاجرين العراقيين في سوريا سيوفر ما بين 10 الى 15 مقعداً لعلاوي وأعضاء كتلته.
والاردن الذي كانت سلطاته تقول ان اعداد العراقيين اللاجئين اليه يتجاوزون المليون لم تزد ارقامهم الحقيقية عن 150 الف عراقي لم يعطوا علاوي سوى مقعد واحد.
*السبب الثاني: التعقيدات التي فرضتها الحكومة العراقية برئاسة المالكي على المقترعين في الخارج واهمها ضرورة الحصول على وثيقة قيد شرعية رسمية، وهذا لم يتوافر للأغلبية، لأن معظم اللاجئين العراقيين هربوا من ديارهم في الظروف المأساوية والذبح على الهوية فكان يتعذر على معظم العائلات ان تستحصل على بطاقات هوية او ان تصطحبها معها وهي الهاربة من الموت المحقق بسبب انتمائها المذهبي (سنة في معظم الاحوال).
*السبب الثالث: هو يأس عدد كبير من العراقيين في الخارج من امكانية التغيير في بلادهم بسبب الارهاب القاعدي والاحتلال الايراني – الاميركي، والغزو المذهبي البغيض الذي سيطر على الحياة السياسية في العراق منذ سقوطه تحت الاحتلالين الاميركي والايراني.
سادسة تلك الحقائق: الانقلاب الذي حصل في الوسط الكردي خاصة في نتائج الاتحاد الوطني الكردستاني برئاسة جلال الطالباني الذي رغم انه حصل على اغلبية مقاعد محافظة السليمانية، الا ان مجموع اصوات ومقاعد القوى الاخرى المنافسة له خاصة حركة التغيير برئاسة انوشروان مصطفى (نائبه السابق) والحركة الاسلامية والاتحاد الاسلامي.. تفوق اصوات ومقاعد الطالباني في عقر داره، وهذا دليل حراك حقيقي في الوسط الكردي يهدد باسقاط الثنائية الكردية، في ظل مرض الرئيس الطالباني الذي كان يتمتع دائماً بموهبة المناورة وكسب الاصدقاء وحل الخلافات.. لكن هموم الرئاسة والسكن في بغداد والمرض والسمنة وكبر السن كلها تراكمت عليه لتفقده القدرة على تأدية دور الاول مشترك في الثنائية الشهيرة مع غريمه الودود رئيس الحزب الديموقراطي الكردستاني مسعود البرازاني.. فتراجعت مقاعد التحالف الكردي من 56 مقعداً الى 43.
سابعة تلك الحقائق: ان احداً من الكتل السياسية الناجحة لا يقدر على تشكيل الحكومة المنتظرة منفرداً، حتى لو تحالف الحزبان المذهبيان التابعان لايران (الدعوة والمجلس الاعلى ومعهما طبعاً كتلة الصدر ضمن لائحة الائتلاف الوطني التي تضم المجلس الاعلى والصدريين) وهما محتاجان اذا تحالفا الى اصوات التحالف الكردي في الشمال، لاستعادة التركيبة السابقة التي حكمت العراق منذ العام 2005 حتى 2010، في مرحلة اولى كان رئيس الحكومة ابراهيم الجعفري، الذي اقيل بسبب سوء ادارته وسذاجته السياسية، ليحل نوري المالكي محله، ويستقيل الجعفري من حزب الدعوة ويؤسس حزباً آخر باسم التغيير في الدعوة نفسه.
واذا كلّف علاوي تشكيل الحكومة العتيدة فإنه يحتاج الى التحالف مع الاكراد ومع التحالف الوطني العراقي (الحكيم والصدر والفضيلة) ليتمكن من الحصول على ثلثي الاصوات 91 + 70+ 43+ كتل صغيرة اخرى ليصبح معه اكثر من 209 اصوات هما الثلثان المطلوبان لتشكيل الحكومة.
ثامنة تلك الحقائق: ان هناك شبه اجماع بأن نوري المالكي لم يعد مؤهلاً او مقبولاً لتشكيل حكومة جديدة في بغداد، ليس فقط لأن علاوي سبقه في عدد المقاعد والاصوات، بل لأن حليفه المنتظر اي المجلس الاعلى لديه مرشحه المفضل نائب رئيس الجمهورية الحالي عادل عبدالمهدي الذي خسر رئاسة الحكومة سابقاً بفارق صوت واحد داخل الائتلاف الذي جمع الدعوة والمجلس لمعلمه المالكي نفسه.
تاسعة تلك الحقائق: ان العرب يشكلون اغلبية هم والتركمان في كركوك التي اقرت المادة 40 من الدستور اجراء استفتاء لتقرير مصيرها آخر 2008، حيث حصدت قائمة علاوي العروبية اغلبية اصواتها ومقاعدها، على حساب التحالف الكردستاني، الذي لم يترك وسيلة ضغط وارهاب وقتل وسجن وتهجير واحلال اكراد محل العرب والتركمان، الا ولجأ اليها لفرض امر واقع بحيث يجـيء الاستفتاء (الذي تأجل بسبب المشاكل الداخلية والمناورات السياسية والتخوف من تركيا) ليكرس واقع التغيير بالاكراه.
انتصار لائحة علاوي العروبية في كركوك سيكون له اثر كبير في تقرير مصير هذه المدينة الغنية بالنفط، والتي تهدد بأن تكون بؤرة تفجير في بلاد الرافدين، اذا ضمها الاكراد الى دولتهم غير المعلنة والقائمة فعلاً.
عاشرة تلك الحقائق: ان المشهد العراقي الحالي يستعيد الحضور البعثي الواسع بصورة مختلفة في الشكل عن الماضي الذي كان فيه حزب البعث حاكماً وحزباً قائداً وزعيماً ملهماً، ليصبح احد ابرز البعثيين السابقين اياد علاوي هو المرشح الابرز ليكون صاحب السلطة الواسعة التي يتيحها له الدستور والقوانين، وقد رفد لائحته بأكبر عدد ممكن من البعثيين والقوميين والوطنيين المستقلين، الذين دخلوا الحياة النيابية ديموقراطياً واستناداً الى اصوات المواطنين دون ضغط السلطة بل في مواجهتها، ودون ارغام المواطنين على الاقتراع او تزوير ارادتها، بل باندفاع المواطنين للاقتراع للبعثيين والقوميين في محاولة لاستعادة طبيعة الوطن العربية، وتركيبة العراق الوطنية، وفي محاولة لالغاء مفاعيل الاحتلال الاميركي، الذي جاء بالاحتلال الايراني، ولتجاوز مرحلة المذهبية التي اطلق الايرانيون وحشها المزدوج المشكل من تنظيم القاعدة ليفتك بالشيعة، لحشرهم والزامهم باللجوء الى ايران، والمشكل ايضاً بفرق الموت الايرانية التي اخذت على عاتقها تدمير كل ما يثبت هوية العراق العربية ووحدته الوطنية، وللانتقام من كل ضابط عراقي طياراً او مدفعياً او مشاة شارك في رد العدوان الفارسي على العراق خلال حرب الثماني سنوات 1980 – 1988.
اعاد العراقيون الاعتبار لحزب البعث بالديموقراطية ويبدو ان البعثيين السابقين الذين شاركوا في العملية السلمية في انتخابات 2010، بعد ان هجروها في انتخابات 2005، استلهموا هذه الروحية التي اهملوها طيلة عقود وهم في السلطة، فعادوا اقوياء مسؤولين هذه المرة ليس عن المحافظة على السلطة، بل مسؤولون وبقوة عن وحدة وعروبة العراق، ودوره في الوطن العربي درعاً لجدار الامة الشرقي ومساهماً في الدفاع عن شعب فلسطين كما عبر تاريخه.
اما وان اية كتلة نيابية عاجزة عن تشكيل حكومة بمفردها، مع حاجتها البديهية للتحالف مع اكثر من كتلة اخرى، لتحصل على اغلبية نيابية تمكنها من الحكم والحصول على ثقة المجلس النيابي.
اما وان رئيس الحكومة سيكون شيعياً دائماً استناداً الى وقائع الامور والاغلبية النيابية، في ظل نظام بات الحكم فيه برلمانياً ديموقراطياً مع صلاحيات محدودة لرئيس الجمهورية ونوابه.
اما وان رئيس الحكومة الحالي نوري المالكي ما زال طامحاً ليعود على رأس حكومة جديدة، وهو كان هدد سابقاً وقبل الانتخابات، بأنه سيشكل حكومة اغلبية نيابية وليس حكومة وحدة وطنية، قبل ان يطيح بطموحه انتصار اياد علاوي.
فمن هي الشخصية السياسية التي تحظى بأغلبية نيابية وسياسية تؤهلها لتشكيل حكومة ما بعد ثاني انتخابات نيابية تجري في العراق بعد سقوط النظام البعثي؟ 



(Votes: 0)

Other News

هيا نتحدث ارحموا العراق‮ تشكيل الحكومة العراقية الجديدة اختبار للنضوج الديمقراطي انتفاضة القادة.. في حضرة الأمين مساعد الحريري يتولّى التنسيق مع غزالة لعلاقة جيدة بعيدا عن التشويش وهّاب ينافس ارسلان... وعون ينافس فرنجيه... ولحود على صداقته مع كله مر مفاجآت قمة سرت الصراع في الشرق الاوسط الأسلوب الرخيص في التطاول على الرئيس  الازمة التالية مستقبل 14 آذار تحالفات الحكومة العراقية المقبلة تتسارع مع اقتراب نتائج الانتخابات طيــران الشــرق الأوســط فـي خطــر محمّد شفيق شيّا في كمال جنبلاط... لزمن آخر!تحت عباءة السياسة مؤمن وفيلسوف وشاعر تنافس محموم بين المالكي وعلاوي وسجال حول تهديدات من دولة القانون عون تنصّل من الحملة على الرئيس.. واوساط سليمان ردت على وهاب: من تعامل بحزم مع الارهاب لن يخيفه ارهاب السياسة لماذا ستكون الضربة الإسرائيلية المقبلة الأكثر دماراً‮ ‬في‮ ‬تاريخ لبنان؟ هذه هي‮ ‬الأسباب التي‮ ‬تلجم‮ »‬حزب الله‮ كـمـال جـنـبـلاط سنبقى نكتبك ونحلمك ونهدي من تراثك عزماً وسلاماً مملكة العظماء: أسطورة أم حقيقة إذا هدموا الأقصى للأقصى رجال يحمونه القذافي عندما أجبر أمريكا على الاعتذار   من يجرؤ على اشعال الحرب في المنطقة وما هي تداعياتها؟ بلا هوية  موت اليسار الصهيوني ثلاثية العصر ورباعية فلسطين الكارثة الجوية سابقة تعويضات اسرائيل للامم المتحدة عودة لموضوع العراق‮ .. ‬والمستقبل العربي