محمّد شفيق شيّا في كمال جنبلاط... لزمن آخر!تحت عباءة السياسة مؤمن وفيلسوف وشاعر

| 20.03,10. 03:25 AM |

 

محمّد شفيق شيّا في كمال جنبلاط... لزمن آخر!
تحت عباءة السياسة مؤمن وفيلسوف وشاعر

بيروت - قزحيا ساسين


كثيرون هم رجال السياسة غير أنّ قليلين منهم يتمتّعون بفكر وثقافة ورؤية. وممّا لا شكّ فيه أنّ عظماء السياسة فكراً ورقياً إنسانياً لا ينصفون بالقدر الكافي في زمان حياتهم لأنّ للسياسة غباراً يحجب جزءاً كبيراً من شخصيّة السياسي التي تتقدّم على شخصيّة المفكّر فيه. والسياسة تأتي على حساب الفكر في صاحبها مهما بلغ من الوعي لحضوره الفكريّ باعتبارها نشاطاً يومياً كثيفاً ولها ما لها من قدرة على مصادرة الوقت، وربّما لأسباب بسيطة وتافهة، وتحديداً في المجتمع اللبناني والمجتمعات الشرقيّة.

كمال جنبلاط الزعيم الدرزيّ اللبناني شخصيّة فريدة وموصوفة بالتميّز السياسي والأدبيّ. وأثبتت حضورها السياسيّ سحابة زمن طويل، لكنّ الجوانب الأدبيّة والفكريّة فيها لا تأخذ حقّها ولو أنّها كانت ملحوظة الوجود. فجنبلاط عاش السياسة اللبنانيّة في العمق وأثّر وتأثّر على المستوى السياسيّ اللبناني، كذلك كان حاضرًا وفاعلاً في السياسة الإقليميّة والدوليّة، ما يعني أنه لم يستطع الانتباه كثيرًا الى المفكّر الذي فيه، وحاول المعجبون به والمتأثّرون بفكره وسياسته إنصافه بعد موته وفي هذا السياق ـ إذا جاز التعبير، يندرج كتاب «كمال جنبلاط ... لزمن آخر!» لمؤلّفه محمّد شفيق شيّا.

سعى شيّا إلى الإحاطة بجنبلاط سياسة ودينًا وفلسفة وشعرًا، معلنًا أن كتابه يأتي بجديد جنبلاطيّ من خلال نتائج جديدة تشمل مختلف أجزاء فكر جنبلاط ونضاله السياسيّ. أمّا منهجيّة العمل فقامت على استنطاق النصوص مباشرة لتترجم الخطوة التالية بالتحليل التكامليّ وصولاً إلى استخراج الأفكار ومقارنتها، ويتّضح: «ما بات مبرّرًا تسميته: فلسفة كمال جنبلاط»... وعلّل المؤلّف كتابه عن جنبلاط، اليوم، بأنه لا يزال حاجة ماسّة مُثُلاً وأفكارًا، لبنانيًّا وعربيًّا... إذ برأي شيّا: «لا يزال إلغاء الطائفيّة السياسيّة هو الحلّ. ولا تزال العلمنة هي الحلّ. والاشتراكيّة الديمقراطيّة لا تزال كذلك هي الحلّ...» إضافة إلى العروبة الحضاريّة التي ترفض التعصّب والاستبداد.

رصد شيّا المؤثّرات في شخصيّة كمال جنبلاط فوجدها كثيرة، منها فكر هيغل وماركس ولينين وسان سيمون وغاندي ونهرو وماو وهوشي وفيلي براندت... وجنبلاط هو المتأثّر بثورة أكتوبر، وكلّ حركات التحرير الوطني، والثورة الجزائريّة، والمقاومة الفيتناميّة، وثورة فلسطين، والمقاومة الوطنية اللبنانيّة... ويربط شيّا بين جيفارا وجنبلاط شهيدًا: «هذا هو وجه جيفارا في استشهاد جنبلاط: جيفارا الذي يترك السلطة ويقاتل التنّين وهو مدرك سلفًا النهاية التي تنتظره! أم هو انتحار على طريقة سقراط كي لا يرى الانهيار الجاري، والذي يكاد يكتمل؟».

في السادسة والعشرين من عمره، ونتيجة موت عمّه المفاجئ النائب والوزير حكمت جنبلاط اضطلع الشابّ كمال بالمسؤوليّة الكبيرة، سنة 1943، واغتيل صباح السادس عشر من مارس (آذار) سنة 1972، ما يعني أنّه عاش سياسيًّا وفكريًا أربعًا وثلاثين سنة مميّزة وحافلة بالأحداث. وانطلق جنبلاط زعيمًا درزيًّا فلبنانيًّا فعربيًّا بشكل لافت. وممّا ميّز شخصيّته كثير من الرصانة والجدّية، وثقافة واسعة على عمق، واستقلاليّة في اللحظات الحرجة، وشجاعة في الرّفض وفي الإعلان، والتزام صلب لا سيّما بمحاربة الفساد والعمل للإصلاح...

واستجابة للتحدّيات والتغيّرات، وتأسيسًا لمواجهة أكثر فاعليّة أسّس جنبلاط الحزب التقدّمي الاشتراكي سنة 1949 بهدف التغيير فكريًّا وسياسيًّا. وقد خاض الحزب مواجهات مع الدولة اللبنانيّة متمثّلة بالسلطة وسقط له شهداء في مهرجانات رأس بيروت والباروك ودير القمر....

في المجال الإصلاحي بدأ جنبلاط بنفسه فوزّع ما ورثه من الأراضي على من استثمرها واستأجرها فحظي بالاحترام والتميّز لدى الشّعب وهو المطالب بألا تكون الدولة اللبنانيّة ملك زعماء الطوائف والإقطاعيّين. ويمكن اعتبار أربعينات القرن العشرين وخمسيناته زمن كمال جنبلاط الإصلاحي، والستينات والسبعينات زمنه الثوريّ. ومن خلال وجود جنبلاط في السلطة ساهم في كثير من الإصلاحات، فبصفته وزيرًا للداخليّة تجاهل قانون الجمعيّات العثماني ورخّص لمئات الأندية والجمعيّات الأهليّة والمدنيّة...

يعتبر المؤلّف شيّا، في أحداث 1976-1975 أنّ كمال جنبلاط واجه خيانات كثيرة أسماها جنبلاط «المؤامرة»، وهو الذي عرف بعد دخول السوريّين إلى لبنان واشتعال الحرب أنّ «الممسكين الحقيقيّين بزمام الأمور هم غير المتقاتلين على المسرح»، إنما هم غير لبنانيين، وتحديدًا، هم القيادة الفلسطينية والسوريون والإسرائيليّون والأميركيون... ودائمًا، وبحسب شيّا، بلغت المؤامرة ذروتها باغتيال كمال جنبلاط القائل: «أموت ولا أموت فلا أبالي/ فهذا العمر من نسج الخيال».

ناضل جنبلاط المفكّر السياسيّ من أجل الفكر التقدميّ المنفتح المؤمن بالآخر وبالعلم وبالديمقراطيّة وبالعمل الحزبي وبمفهومه الحقيقيّ، وسعى إلى إنسان غير مرتهن ماديًّا أو سياسيًّا أو دينيًّا ، وكان له رأيه الصريح في الحاكم والقائد من خلال صفات أوردها صريحة ومحرجة . ورأى أنّ السياسة هي لخدمة الإنسان الذي هو دائمًا أوّلاً وليس العكس. أمّا بالنسبة إلى العروية فقد أرادها منفتحة، متحرّرة، ترتكز إلى المفاهيم التي ينادي بها جهرًا وبكلّ التزام.

وتطول حكاية جنبلاط مع الدين غير أنّها تُختصر بأن المسالك تتعدّد ويبقى الدّين واحدًا. وجدير بالذكر أنّه بحث في إمكان التلاقي المسيحي ـ الإسلامي على أساس المشاركة في التاريخ، وفي المصير وفي الجوهر، ووجد التوحيد جوهر الدّين. وما ميّز فكر جنبلاط الديني تمرّس صاحبه بمناهج العلم والفلسفة.

يرى شيّا أن جنبلاط: «فيلسوف الحرّية بامتياز»، الحرّية التي لا تصنع الإنسان منفردة إنّما من دونها لا يدرك إنسانيّته. ويقول جنبلاط: «قضيّة الحريّة... هي قضيّة الإنسان منذ أن وجد، تستقطبه ثمّ لا يلبث أن يستولي عليها، ثمّ يرهقها ويقيّدها أو يعبث بها، أو لا يقدرها حقّ قدرها»... والحرّية بالمفهوم الجنبلاطيّ لا تتحدّد بذاتها فحسب، إنّما من خلال علاقتها بالمفاهيم والأوضاع الأخرى، وهي نظريًّا وجه من وجوه المعرفة: «الحرّية معرفة، معرفة حقيقة هذا الوجود في الجملة والتفصيل»، ما يعني أنّ المعرفة تتعادل والحرّية وجودًا. وجنبلاط ديالكتيكيّ الفلسفة أيضًا، ويجد الديالكتيك: «حركة، أو عمليّة، أو طريقة، أو آلة في النظر والتفكير، وليس مذهبًا جامدًا أو معتقدًا أو نظريّة مجرّدة»...

ولكمال جنبلاط مع القصيدة علاقة وطيدة، والشّعر لديه ضوء الحقيقة، وليس فنًّا للفنّ، إنما هو التزام بالإنسان... ويرى جنبلاط أنّ: «الشعر، أفضل الشّعر، هو الذي يلقي نورًا على كينونة الحياة، أي على الحقيقة والجمال. والجمال شعشعة الحقيقة ووجهها المختبئ فينا»... وله في الشّعر ديوانان: «فرح»، و{آنندا ـ السلام». يتّصف الشعر الجنبلاطي بالرمزيّة العميقة ويعكس بنية صاحبه الفكريّة وهمّه الوجودي والإنساني، ومن قصائده في ديوان «فرح»: «أبيتُ فوق السحاب / فموطني في الغيوم / وكم حكى وما جرى / أطياف حلم يهيم / وفوق بيتي العتيق / بنيتُ بيت الحرم / وينسى الحجاب الرقيق / ويجتاز سور العدم / فينسى المسافر / وينسى الطريق / ويستحمّ في النّور / بعد القمم / ويستحمّ النّور / في النّور / بعد القمم».

«كمال جنبلاط ... لزمن آخر» كتاب يقدّم رجلاً متميّزًا باتساع وشموليّة، وهو أكثر من سيرة لأنّه لم يكتفِ بالسّرد، وأقلّ من كتاب تاريخ لأنّه لم يستطع الإحاطة بكلّ الأحداث الجنبلاطيّة وعلى المستويات كافة، لكنّه يجمع بين السيرة والتاريخ والدراسة، وهوى كاتبه الجنبلاطيّ لا ينفصل عن النصّ.



(Votes: 0)

Other News

تنافس محموم بين المالكي وعلاوي وسجال حول تهديدات من دولة القانون عون تنصّل من الحملة على الرئيس.. واوساط سليمان ردت على وهاب: من تعامل بحزم مع الارهاب لن يخيفه ارهاب السياسة لماذا ستكون الضربة الإسرائيلية المقبلة الأكثر دماراً‮ ‬في‮ ‬تاريخ لبنان؟ هذه هي‮ ‬الأسباب التي‮ ‬تلجم‮ »‬حزب الله‮ كـمـال جـنـبـلاط سنبقى نكتبك ونحلمك ونهدي من تراثك عزماً وسلاماً مملكة العظماء: أسطورة أم حقيقة إذا هدموا الأقصى للأقصى رجال يحمونه القذافي عندما أجبر أمريكا على الاعتذار   من يجرؤ على اشعال الحرب في المنطقة وما هي تداعياتها؟ بلا هوية  موت اليسار الصهيوني ثلاثية العصر ورباعية فلسطين الكارثة الجوية سابقة تعويضات اسرائيل للامم المتحدة عودة لموضوع العراق‮ .. ‬والمستقبل العربي بين لبنان وهايتي منطقة كارثة على بعد ساعة من تل ابيب اسرائيل وبريطانيا 'الصغرى' تركيا‮ : ‬حضور إقليمي‮ ‬بنكهة عثمانية‮ ‬ المصالحات "خيار وطني" أقوى من كل التحليلات والتأويلات المشبوهة نهاية العالم ... ؟ هل تكون في 21 12 2012؟ اعتذار اسرائيلي مهين لتركيا جنبلاط يحمل الجلجلة ويقدّم التضحيات بين الخنادق المتقابلة قراءة الاحداث تتطلب جرأة في اتخاذ الموقف وتحديد الخطوات القادمة ائتلاف الكذب  جدار الخوف ينهار بين الشويفات - الضاحية الجنوبية من مشارف الانزلاق إلى الحرب الأهلية الى مسار المصالحات في لبنان: كيف ولماذا؟ من مشارف الانزلاق إلى الحرب الأهلية الى مسار المصالحات في لبنان: كيف ولماذا؟ رسالة إلى الرئيس الأسد‮ : ‬وماذا بعد.؟