لماذا ستكون الضربة الإسرائيلية المقبلة الأكثر دماراً‮ ‬في‮ ‬تاريخ لبنان؟ هذه هي‮ ‬الأسباب التي‮ ‬تلجم‮ »‬حزب الله‮

| 19.03,10. 01:41 PM |

 

لماذا ستكون الضربة الإسرائيلية المقبلة الأكثر دماراً‮ ‬في‮ ‬تاريخ لبنان؟
هذه هي‮ ‬الأسباب التي‮ ‬تلجم‮ »‬حزب الله‮« ‬وإسرائيل عن تفجير الحرب الآن

 

الحرب الإسرائيلية العتيدة قد لا تقضي‮ ‬على‮ »‬حزب الله‮«... ‬لكنها ستدمّر الصيغة اللبنانية

‮»‬حزب الله‮« ‬اليوم هو التهديد الأمني‮ ‬الأكثر جدية بالنسبة لإسرائيل وهي‮ ‬تستثمره على طريقتها في‮ ‬خطابها الديبلوماسي‮ ‬وفي‮ ‬ابتزاز العالم‮. ‬وسوف‮ »‬تخسر‮« ‬الكثير إذا ما قضت عليه؟‮!‬

الصيغة التعددية اللبنانية هي‮ ‬في‮ ‬جوهرها عكس المشروع الصهيوني‮ ‬اليهودي‮ ‬الطابع‮. ‬فهل سيقدّم‮ »‬حزب الله‮« ‬يوماً‮ ‬ما العذر لإسرائيل لكي‮ ‬تقضي‮ ‬على لبنان المناقض لها؟

 ‬

بقلم‮ »‬المُحرِّر الديبلوماسي‮«:‬ 

نشرت‮ »‬المُحرِّر العربي‮« ‬في‮ ‬عددها ما قبل الأخير‮ (‬741‮- ‬الصادر في‮ ‬5‮ ‬الشهر الجاري‮) ‬تقريراً‮ ‬عن أجواء‮ »‬تشاؤم دولي‮ ‬متجدّد من مستقبل الوضع في‮ ‬لبنان‮«. ‬ولقد ورد في‮ ‬هذا التقرير أن‮ »‬الخبراء العسكريين الغربيين‮ ‬يجمعون على القول إن الحرب المقبلة بين إسرائيل و»حزب الله‮« ‬ليست قريبة‮ (...) ‬لكنهم‮ ‬يجمعون أيضاً‮ ‬على القول إن الضربة الإسرائيلية المقبلة ستكون الأكثر دماراً‮ ‬في‮ ‬تاريخ لبنان‮«.‬
هذا الكلام الجازم دفعنا إلى طرح عدد من التساؤلات‮: ‬ألا‮ ‬يجب إدراجه في‮ ‬إطار التهويل والحرب النفسية؟ أليس الهدف الحقيقي‮ ‬منه هو الضغط على الأفرقاء اللبنانيين للمطالبة بنزع سلاح‮ »‬حزب الله‮«‬،‮ ‬وتالياً‮ ‬عزل الحزب سياسياً‮ ‬وتحميله سلفاً‮ ‬مسؤولية الدمار العتيد؟ أم أن هذا الإجماع من قبل الخبراء على توقـّع حرب مدمّرة للبنان‮ ‬يستند إلى معطيات جدية،‮ ‬عسكرية واستراتيجية وسياسية ونفسية؟
للإجابة على هذه التساؤلات عدنا إلى أحد المصادر التي‮ ‬كانت قد عبّرت أمامنا عن هذه التوقعات المقلقة‮. ‬وقد أطلعنا هذا المصدر على تقريرين استشرافيين‮ ‬غربيين‮: ‬الأوّل معدّ‮ ‬من قبل مجموعة من المحللين الاستراتيجيين في‮ ‬حلف شمال الأطلسي،‮ ‬والثاني‮ ‬من قبل خبيرين أوروبيين في‮ ‬شؤون المشرق العربي‮ ‬يعملان في‮ ‬مؤسسة دراسات مقرّبة من وزارة خارجية الاتحاد الأوروبي‮. ‬كل من التقريرين،‮ ‬المصاغين في‮ ‬2010،‮ ‬يتضمن معطيات مختلفة‮. ‬لكنهما متقاربان في‮ ‬خلاصاتهما‮. ‬وهنا استعراض بتصرّف لمضمونهما‮.‬

حرب أكيدة لكن‮ ‬غير قريبة

أوّل معطى ملفت للنظر في‮ ‬هذين التقريرين هو تلاقيهما‮...‬
‮< ‬من ناحية أولى‮ ‬يتوجب القول بأن الحرب بين إسرائيل و»حزب الله‮« ‬ليست قريبة،‮ ‬أي‮ ‬أنه‮ - ‬إلا في‮ ‬حال حدوث ما ليس في‮ ‬الحسبان‮ - ‬ليس هناك من مؤشـّر‮ ‬يوحي‮ ‬بقرب وقوع هذه الحرب خلال الأسابيع أو الأشهر المقبلة،‮ ‬على الرغم من التصاعد الدوري‮ ‬في‮ ‬التهديدات العلنية من قبل المسؤولين الإسرائيليين ومن قبل قيادييي‮ »‬حزب الله‮«...‬
‮< ‬ومن ناحية ثانية‮ ‬ينبغي‮ ‬القول أيضاً‮ ‬بأن هذه الحرب‮ ‬لا مفر منها عاجلاً‮ ‬أم آجلاً،‮ ‬سواء سارت الأمور نحو حل‮ (‬غير متوقع‮) ‬لأزمة فلسطين ولأزمة الملف النووي‮ ‬الإيراني،‮ ‬أو حدث تفجير‮ (‬محتمل‮) ‬في‮ ‬أي‮ ‬من هذين الملفين الساخنين أو في‮ ‬كليهما‮.‬
هذا‮ »‬الإطمئنان‮« ‬على المدى القصير‮ ‬يمكن تفسيره‮ ‬بمعطيات عدّة تلجم كِلا الطرفين عن المبادرة حالياً‮ ‬بتفجير الوضع‮. ‬أهم هذه المعطيات ما‮ ‬يلي‮:‬
ماذا‮ ‬يلجم‮ »‬حزب الله‮« ‬عن تفجير الحرب الآن؟
1‮ - ‬حرص إيران على‮ ‬المحافظة على قوة‮ »‬حزب الله‮« ‬للوقت المناسب‮. ‬إيران تعتبر أن‮ »‬ورقة‮« ‬التهديد الذي‮ ‬يشكلـّه‮ »‬حزب الله‮« ‬على أمن إسرائيل هي‮ ‬ورقة ذات أهمية كبرى،‮ ‬وأنه‮ ‬يجب عدم إحراقها في‮ ‬وقت مبكر‮... ‬بل،‮ ‬على العكس،‮ ‬من الأفضل إبقاؤها لأطول فترة ممكنة كسيف مصلـت‮ ‬يستفاد منه في‮ ‬المفاوضات حول الملف النووي‮ ‬الإيراني‮ ‬ويدخل حكماً‮ ‬في‮ ‬حسابات القوى التي‮ ‬يمكن أن تقرر توجيه ضربة عسكرية ضد إيران‮.‬
2‮- ‬معرفة‮ »‬حزب الله‮« ‬أن‮ ‬زمن الضربات المحدودة ولّى‮. ‬عاش‮ »‬حزب الله‮«‬،‮ ‬منذ تأسيسه وحتى حرب صيف‮ ‬2006،‮ ‬أي‮ ‬على قرابة نحو ربع قرن،‮ ‬في‮ ‬وضعية جغرافية وسياسية سمحت له بتأجيج الصراع مع إسرائيل من حين إلى آخر ومن ثم التوصّل،‮ ‬عبر القنوات الديبلوماسية،‮ ‬في‮ ‬كل مرة إلى‮ »‬توافق‮« ‬ما معها‮... ‬كان‮ ‬يقضي‮ ‬بتحديد الصراع جغرافياً‮ ‬ونوعياً‮. ‬وكان‮ ‬يصمد هذا‮ »‬التوافق‮« ‬لفترة،‮ ‬تستمر أحياناً‮ ‬لسنوات،‮ ‬ومن ثم‮ ‬ينهار،‮ ‬غالباً‮ ‬بمبادرة من‮ »‬حزب الله‮«‬،‮ ‬كما فعل في‮ ‬العملية التي‮ ‬قام بها داخل الأراضي‮ ‬الإسرائيلية صباح‮ ‬12‮ ‬تموز‮/ ‬يوليو‮ ‬2006‮ ‬مفجّراً‮ ‬الحرب‮. ‬المعطيات تغيرت الآن و»حزب الله‮« ‬يعرف تماماً‮ ‬أن قيامه بأي‮ ‬عملية في‮ ‬أي‮ ‬مكان سيؤدي‮ ‬إلى ردة فعل إسرائيلية‮ ‬غير متوازنة‮. ‬وهذا بالضبط ما منع‮ »‬حزب الله‮« ‬حتى الآن من‮ »‬الانتقام‮« ‬من اغتيال قائده العسكري‮ ‬عماد مُغنية في‮ ‬12‮ ‬شباط‮/ ‬فبراير‮ ‬2008‮ ‬في‮ ‬دمشق‮. ‬وهذا ما دفع‮ »‬حزب الله‮« ‬إلى التنصّل من عمليات إطلاق الصواريخ الصغيرة التي‮ ‬تمت من جنوب لبنان في‮ ‬اتجاه الأراضي‮ ‬الإسرائيلية منذ انتهاء حرب صيف‮ ‬2006‭.‬‮ ‬وهذا ما منع‮ »‬حزب الله‮« ‬من التحرّك ولو قيد أنملة للتضامن مع الشعب الفلسطيني‮ ‬خلال الحرب العنيفة التي‮ ‬شنتها إسرائيل على‮ ‬غزة‮ (‬عملية‮ »‬الرصاص المصبوب‮« ‬التي‮ ‬امتدت من‮ ‬27‮ ‬كانون الأوّل‮/ ‬ديسمبر‮ ‬2008‮ ‬إلى‮ ‬18‮ ‬كانون الثاني‮/ ‬يناير‮ ‬2009‮)‬،‮ ‬بينما كان‮ »‬حزب الله‮« ‬قد فجّر حرب‮ ‬2006‮ ‬في‮ ‬اليوم الـ‮ ‬18‮ ‬من عملية‮ »‬مطر صيف‮« ‬التي‮ ‬كانت تقوم بها إسرائيل ضد‮ ‬غزة‮ (‬إثر أسر الجندي‮ ‬جلعاد شاليط وإثر قصف مدينة عسقلان بالصواريخ‮).‬
3‮- ‬ليس بإمكان‮ »‬حزب الله‮« ‬القيام بعملية عسكرية محدودة ضد إسرائيل‮. ‬فمنذ إبعاده عن‮ »‬الخط الأزرق‮« (‬الحدود اللبنانية‮ - ‬الإسرائيلية‮) ‬تطبيقاً‮ ‬للقرار‮ ‬1701،‮ ‬وتعزيز القوات الدولية ونشر قوات الجيش اللبناني‮ ‬في‮ ‬المنطقة الممتدة جنوب نهر الليطاني،‮ ‬لم‮ ‬يعد لدى‮ »‬حزب الله‮« ‬من منطقة تماس مباشر مع الأراضي‮ ‬الإسرائيلية‮. ‬صحيح أن الحزب موجود عسكرياً‮ ‬جنوب الليطاني‮ ‬لكن‮ »‬تحت الأرض‮« ‬أو بالأصح‮ »‬في‮ ‬الظل‮«: ‬ليس لديه من قواعد ولا مواقع معلنة‮. ‬وعليه،‮ ‬في‮ ‬حال قرّر القيام بعملية ما في‮ ‬المنطقة الواقعة جنوب الليطاني‮ ‬أن‮ ‬يحل إشكالية عسكرية وسياسية معقدة جداً،‮ ‬إذ عليه أن‮ »‬يواجه‮« ‬بشكل أو بآخر،‮ ‬إضافة إلى الجيش الإسرائيلي،‮ ‬القوات الدولية والجيش اللبناني‮ ‬المخوّلين منع أي‮ ‬وجود مسلح في‮ ‬هذه المنطقة‮. ‬الخيار الوحيد المتبقي‮ ‬عملياً‮ ‬للحزب،‮ ‬في‮ ‬الوضع الميداني‮ ‬الحالي،‮ ‬هو القيام بقصف صاروخي‮ ‬من شمال الليطاني‮. ‬ما‮ ‬يعني‮ ‬تفجير حرب‮.‬
4‮- ‬ليس هناك من ضغط سياسي‮ ‬داخلي‮ ‬على‮ »‬حزب الله‮«. ‬في‮ ‬2006،‮ ‬كان‮ »‬حزب الله‮«‬،‮ ‬إثر انسحاب القوات السورية من لبنان في‮ ‬نيسان‮/ ‬أبريل‮ ‬2005،‮ ‬وإثر انتصار تحالف‮ »‬14‮ ‬آذار‮« ‬في‮ ‬انتخابات حزيران‮/ ‬يونيو‮ ‬2005،‮ ‬وإثر تشكيل حكومة فؤاد السنيورة المقرّبة من محور الاعتدال العربي،‮ ‬وأمام تقدّم ملف تشكيل المحكمة الدولية الخاصة بلبنان‮... ‬كان في‮ ‬وضع سياسي‮ ‬صعب داخل لبنان‮. ‬وكان من أهداف حرب صيف‮ ‬2006‮ ‬أن‮ ‬يستعيد الحزب المبادرة السياسية عبر تفجير الصراع مع إسرائيل‮ (‬كون السلاح هو الأداة الأساسية في‮ ‬يده‮). ‬وهذا ما تم،‮ ‬إذ ارتد الحزب بعد انتهاء الحرب إلى الداخل اللبناني،‮ ‬فانسحب من الحكومة في‮ ‬أواخر‮ ‬2006،‮ ‬ومن ثم نظم الاعتصام في‮ ‬وسط بيروت،‮ ‬وشل المؤسسات،‮ ‬واعتبر الحكومة‮ ‬غير شرعية،‮ ‬ومنع مجلس النواب من الانعقاد،‮ ‬وخلق فراغاً‮ ‬في‮ ‬سدة رئاسة الجمهورية‮. ‬وبما أن ذلك كله لم‮ ‬يكف لإعادة ميزان القوى لصالحه،‮ ‬قام بـ‮ »‬غزوة بيروت‮« ‬في‮ ‬أيار‮/ ‬مايو‮ ‬2008‮ ‬وفرض بالقوة عبر‮ »‬اتفاق الدوحة‮« ‬مبدأ‮ »‬الثلث المعطـّل‮« ‬ومبدأ‮ »‬الديموقراطية التوافقية‮«. ‬أما الآن وقد حصل‮ »‬حزب الله‮« ‬على كل ما‮ ‬يمكنه الحصول عليه،‮ ‬لم‮ ‬يعد في‮ ‬الوضع اللبناني‮ ‬الداخلي‮ ‬من ضغط سياسي‮ ‬أو أمني‮ ‬أو قانوني‮ ‬عليه‮. ‬وبالتالي‮ ‬لا حاجة لديه إلى الهروب إلى الأمام في‮ ‬اتجاه مغامرة عسكرية جديدة مع إسرائيل‮.‬
5‮- ‬ليس هناك من ضغط معنوي‮ ‬إقليمي‮ ‬على‮ »‬حزب الله‮«. ‬الصراع الفلسطيني‮ - ‬الإسرائيلي‮ ‬هادىء تماماً‮ ‬منذ انتهاء عملية‮ »‬الرصاص المصبوب‮« ‬على‮ ‬غزة‮. ‬ليس هناك من مواجهات‮. ‬ولا ما‮ ‬يمكن أن‮ ‬يشكل نوعاً‮ ‬من ضغط معنوي‮ ‬على الحزب لكي‮ ‬يتحرك تضامناً‮ ‬مع الشعب الفلسطيني‮. ‬أضف إلى ذلك أن الحليف الفلسطيني‮ ‬الأساسي‮ ‬للحزب،‮ ‬حركة‮ »‬حماس‮«‬،‮ ‬تعتمد منذ‮ ‬14‮ ‬شهراً‮ ‬سياسة التهدئة التامة مع إسرائيل محافظة بذلك على هيمنتها على قطاع‮ ‬غزة‮... ‬في‮ ‬انتظار اللحظة المناسبة‮.‬
6‮- ‬الحرب تعني‮ ‬انتهاء مرحلة العز‮. ‬يتمتع‮ »‬حزب الله‮« ‬حالياً‮ ‬بأعلى قدر من النفوذ السياسي‮ ‬حصل عليه طرف ما في‮ ‬تاريخ لبنان،‮ ‬وبهيمنة فعلية على قرارت الدولة‮ (‬مع كل ما‮ ‬يستتبع ذلك من موارد مالية ومنافع‮)‬،‮ ‬وتصله مساعدات طائلة من إيران تجمع التقديرات على القول أنها بلغت عام‮ ‬2009‮ ‬أعلى مستوى لها منذ تأسيس الحزب،‮ ‬وأنها ستتخطى ذلك في‮ ‬العام‮ ‬2010‭.‬‮ ‬والحزب‮ ‬يلعب دوراً‮ ‬سياسياً‮ ‬إقليمياً‮. ‬ويحظى بهيبة معنوية كرمز للمقاومة في‮ ‬العالمين العربي‮ ‬والإسلامي‮. ‬أضف أن له‮ »‬دولة‮« ‬خاصة به داخل الدولة اللبنانية‮: ‬مناطق‮ ‬يسيطر عليها من دون شريك،‮ ‬ومؤسسات وشركات‮... ‬إلخ‮. ‬وهذا ما‮ ‬يدفع الخبراء إلى القول إنه اليوم أكبر وأغنى وأقوى منظمة مسلحة‮ ‬غير حكومية في‮ ‬العالم‮. ‬الحرب،‮ ‬أي‮ ‬حرب،‮ ‬بما أنها ستكون كبيرة‮... ‬ستقوّض على الأرجح كل ذلك‮.‬

ماذا‮ ‬يلجم إسرائيل‮ ‬عن تفجير الحرب الآن؟

 1‮- ‬ضرورة إدراج ضرب‮ »‬حزب الله‮« ‬هذه المرة في‮ ‬إطار استراتيجي‮. ‬لقد تغير الوضع الإقليمي‮ ‬والدولي‮ ‬منذ‮ ‬2006‭.‬‮ ‬صار من الواضح الآن‮ ‬بالنسبة للإسرائيليين أن المعادلة مع‮ »‬حزب الله‮« ‬لا تدخل في‮ ‬إطار الصراع مع العرب‮... ‬بل مع إيران‮. ‬ففي‮ ‬السنوات الماضية،‮ ‬لا سيما بعد الانسحاب السوري‮ ‬من لبنان،‮ ‬ظهرت العلاقة العضوية والاستراتيجية المطلقة بين‮ »‬حزب الله‮« ‬وولاية الفقيه في‮ ‬إيران‮. ‬بكلام آخر،‮ ‬َضْربُ‮ ‬الحزب الآن هو ضربٌ‮ ‬لإيران‮. ‬وبالتالي،‮ ‬يجب إدراج هذه الخطوة في‮ ‬هذا الإطار الاستراتيجي‮. ‬أي‮ ‬أن ضرب‮ »‬حزب الله‮« ‬جزء من توجّه استراتيجي‮ ‬أعرض‮. ‬فمثلاً،‮ ‬قد تقرّر إسرائيل ضرب الحزب استباقاً‮ ‬لعملية عسكرية تقوم بها ضد إيران،‮ ‬لكي‮ ‬تتمكن بعد شل قدرات الحزب من التركيز على الهدف الأساسي،‮ ‬أي‮ ‬إيران‮. ‬أو قد تقرّر إسرائيل ضرب الحزب بدلاً‮ ‬من ضرب إيران‮. ‬أو قد‮ ‬يتم توزيع أدوار بين إسرائيل والغرب‮: ‬إسرائيل تضرب الفرع‮ (»‬حزب الله‮«) ‬والغرب‮ ‬يضرب المركز‮ (‬إيران‮). ‬كل هذا‮ ‬يعني‮ ‬أن الأمور صارت اليوم أكثر تعقيداً‮ ‬من السابق‮.‬
2‮- ‬لم‮ ‬يعد بالإمكان توجيه ضربة محدودة إلى‮ »‬حزب الله‮«. ‬في‮ ‬السابق كان الحزب على مقربة من القوات الإسرائيلية‮. ‬كان‮ ‬يمكن قصفه بالمدفعية،‮ ‬أو بالمدرعات،‮ ‬أو بالهيليكوبتر،‮ ‬أو القيام ضد مواقعه بعملية مشاة‮. ‬كان منتشراً‮ ‬على طول الحدود وقبل الانسحاب الإسرائيلي‮ ‬في‮ ‬2000‮ ‬على طول خطوط التماس‮. ‬أمّا الآن فلم‮ ‬يعد بالإمكان الوصول إلى مواقع الحزب إلا بالطيران الحربي‮ ‬أو بعمليات إنزال بعيدة أو بقصف صاروخي‮ ‬بري‮ ‬أو بحري‮ ‬متوسط المدى‮. ‬أضف أنه لأسباب سياسية داخل إسرائيل لم‮ ‬يعد من المحتمل شن حرب أخرى ضد‮ »‬حزب الله‮« ‬من دون أن تكون حاسمة‮.‬
3‮- ‬عدم اكتمال الاستعدادات الإسرائيلية‮. ‬أخذ الجيش الإسرائيلي‮ ‬سلسلة طويلة من العبر من حربه في‮ ‬2006‭.‬‮ ‬صحيح أنه تمكن في‮ ‬2006‮ ‬من تحقيق هدف استراتيجي‮ ‬مهم‮: ‬تأمين سلامة المناطق الحدودية الشمالية بشكل‮ ‬غير مسبوق منذ أواسط الستينات‮ (‬لم‮ ‬يسقط قتيل واحد في‮ ‬شمال إسرائيل منذ حرب‮ »‬الوعد الإلهي‮«). ‬لكن الجيش الإسرائيلي‮ ‬فشل في‮ ‬القضاء على قدرة‮ »‬حزب الله‮« ‬العسكرية‮. ‬وهو من‮ ‬يومها أعاد النظر في‮ ‬مجمل الاستراتيجيات العسكرية التي‮ ‬اعتمدها ضد الحزب منذ البداية،‮ ‬ووضع خططاً‮ ‬للحرب المقبلة بناء على المعطيات الميدانية التي‮ ‬أفرزتها حرب‮ ‬2006‮ (‬لا سيما الانتشار الصاروخي‮ ‬المكثف للحزب شمال الليطاني‮ ‬وفي‮ ‬البقاع وفي‮ ‬الشمال‮). ‬بكلام آخر،‮ ‬الجيش الإسرائيلي‮ ‬يتحضّر لحرب مختلفة،‮ ‬ويلزمه لذلك أسلحة معينة ومعدات معينة وتدريب مختلف وتنظيم داخلي‮ ‬مختلف‮... ‬ومعلومات دقيقة‮. ‬وهو سار خطوات كبيرة في‮ ‬اتجاه استكمال استعداداته لكنه لم‮ ‬يصل بعد إلى الجهوزية المطلوبة منه،‮ ‬ولن‮ ‬يصل إليها قبل النصف الثاني‮ ‬من السنة الجارية،‮ ‬وربما قبل نهايتها‮.‬
4‮- ‬قرار أميركي‮ ‬بالاستمرار في‮ ‬التهدئة في‮ ‬المشرق‮. ‬إدارة الرئيس الأميركي‮ ‬باراك أوباما لا تزال حتى الآن على قرارها بفرض التهدئة في‮ ‬المشرق العربي‮. ‬فهي‮ ‬غارقة في‮ ‬حربين‮ (‬في‮ ‬العراق وفي‮ ‬أفغانستان ناهيك عن باكستان واليمن‮) ‬وتواجه مشاكل مالية هائلة‮ (‬الركود الاقتصادي،‮ ‬ديون الميرانية‮...) ‬وصراعات استراتيجية‮ (‬لا سيما مع الصين‮...)‬،‮ ‬وملفات مقلقة‮ (‬محاربة الإرهاب،‮ ‬الملف النووي‮ ‬الإيراني‮...). ‬وبالتالي،‮ ‬لا‮ ‬يمكن لإسرائيل أن تقرّر لوحدها إنهاء هذه التهدئة،‮ ‬فهذا خط أحمر لا تستطيع تجاوزه عندما تشاء‮. ‬وجدير بالذكر هنا أن الرئيس أوباما فرض على الإسرائيليين أن‮ ‬ينسحبوا كلياً‮ ‬من قطاع‮ ‬غزة قبل تسلّمه منصبه في‮ ‬20‮ ‬كانون الثاني‮/ ‬يناير‮ ‬2009‭.‬‮ ‬
5‮- ‬ضغط ديبلوماسي‮ ‬دولي‮ ‬كبير للمحافظة على لبنان‮. ‬الحراك الديبلوماسي‮ ‬اللبناني‮ ‬والعربي‮ ‬المكثف في‮ ‬الأشهر الأخيرة،‮ ‬لا سيما منذ بدأت تتصاعد اصوات الحرب،‮ ‬خلق نوعاً‮ ‬من السياج الديبلوماسي‮ ‬حول لبنان‮. ‬قيام الرئيس ميشال سليمان،‮ ‬ولا سيما الرئيس سعد الحريري‮ ‬بعشرات الزيارات عبر العالم كانت له نتائجه‮. ‬إسرائيل تعرف أنها لا تستطيع اليوم معنوياً‮ ‬المبادرة بالهجوم على لبنان من دون سبب مشروع‮.‬
6‮- ‬استثمار إسرائيل للتهديد الأمني‮ ‬الذي‮ ‬يمثـّله‮ »‬حزب الله‮« ‬إلى أقصى حد‮. ‬تتعرّض إسرائيل لضغوط خارجية متزايدة لكي‮ ‬تغير سياستها وتسير نحو السلام مع الفلسطينيين وبالتالي‮ ‬مع جيرانها،‮ ‬وهذا ما لا تريده بتاتاً‮ ‬الحكومة الإسرائيلية،‮ ‬لأنه‮ ‬يعني‮ ‬التخلي‮ ‬عن القدس الشرقية والضفة الغربية والجولان،‮ ‬ويعني‮ ‬أيضاً‮ ‬انتهاء حالة التهديد التي‮ ‬تستغلها إسرائيل للحصول على مساعدات عسكرية ومالية طائلة‮. »‬حزب الله‮« ‬اليوم هو التهديد الأمني‮ ‬الأكثر جدية بالنسبة لإسرائيل‮. ‬وبالتالي‮ ‬هي‮ ‬تستثمره على طريقتها في‮ ‬خطابها الديبلوماسي‮ ‬وفي‮ ‬ابتزاز العالم‮. ‬وسوف‮ »‬تخسر‮« ‬الكثير إذا ما قضت عليه‮.‬

إذاً،‮ ‬هذه هي‮ ‬الأسباب الرئيسية التي‮ ‬تسمح بالقول أن الحرب بين إسرائيل و»حزب الله‮« ‬غير قريبة‮... ‬لكن هذه الحرب أكيدة في‮ ‬نهاية المطاف‮. ‬لماذا؟

الحرب لا مفر منها إسرائيلياً‮...‬

1‮- ‬لأن إسرائيل لا‮ ‬يمكن أن تقبل‮ ‬باستمرار هذا التهديد‮ ‬المتزايد الذي‮ ‬يشكلـّه‮ »‬حزب الله‮«. ‬فمقاتلو الحزب،‮ ‬في‮ ‬البداية،‮ ‬كانوا‮ ‬يستهدفون الجنود الإسرائيليين المنتشرين داخل الأراضي‮ ‬اللبنانية‮... ‬ثم بدأوا من ثم بقصف شمال إسرائيل‮... ‬ورويداً‮ ‬رويداً‮ ‬تزايدت قدراتهم الصاروخية بشكل صار‮ ‬يسمح لهم اليوم باستهداف مجمل الأراضي‮ ‬الإسرائيلية‮... ‬وها هم الآن‮ ‬يحضرون لعمليات فرق مشاة تتسلل إلى داخل القرى والمستوطنات الإسرائيلية بهدف‮ »‬تحريرها‮«.‬
2‮- ‬لأن إسرائيل حتى ولو فرض عليها التوصل إلى حل سياسي‮ ‬مع الفلسطينيين ومع سورية‮... ‬ستشترط تصفية كل القوى المعارضة لهذه التسوية،‮ ‬أي‮ »‬حزب الله‮« ‬و»حماس‮«. ‬وحتى لو افترضنا أن إيران و/أو سورية تخلتا عن هذين التنظيمين في‮ ‬إطار تسوية ما،‮ ‬فإن على إسرائيل القيام بتصفيتهما عسكرياً‮.‬
3‮- ‬لأن الجيش الإسرائيلي‮ ‬بحاجة ماسة إلى انتصار على‮ »‬حزب الله‮« ‬الذي‮ ‬تمكن من أن‮ ‬يفرض على إسرائيل الانسحاب من دون شرط من لبنان في‮ ‬2000‮ ‬والذي‮ ‬استمر‮ ‬يقصف الأراضي‮ ‬الإسرائيلية حتى آخر ساعة من حرب‮ ‬2006‭.‬‮.. ‬الانتصار على‮ »‬حزب الله‮« ‬إذن،‮ ‬ضرورة معنوية للجيش حتى ولو كانت حربه العتيدة ضد‮ »‬حزب الله‮« ‬آخر حروبه قبل التوصل إلى حل سلمي‮ ‬شامل‮. ‬فالأمر‮ ‬يتعلق بنظرته إلى نفسه ولا سيما بتقدير المجتمع والطبقة السياسية في‮ ‬إسرائيل له‮.‬
4‮- ‬لأن إسرائيل تريد،‮ ‬بعد أن أمّنت حدودها مع مصر ومع الأردن بعد توقيع معاهدات سلام مع هاتين الدولتين،‮ ‬وبعد أن أمّنت حدودها مع سورية بفضل سياسة النظام السوري‮ ‬المبهمة،‮ ‬وبعد أن فرضت على‮ »‬حماس‮« ‬التهدئة التامة في‮ ‬غزة،‮ ‬وبعد أن تمكنت من بناء جدار فصل فعّال مع الضفة الغربية ومن إلزام السلطة الوطنية الفلسطينية ببسط الأمن في‮ ‬ما تبقى تحت سلطتها من أراضٍ‮... ‬لم‮ ‬يعد لديها إلا مصدر قلق واحد على حدودها‮ : ‬لبنان‮. ‬وهي‮ ‬تريد أن تحل ذلك ما إن تسنح لها الفرصة بذلك‮.‬
5‮- ‬لأن إسرائيل تعتبر أن‮ ‬لبنان هو الموقع الوحيد حولها الذي‮ ‬فيه التباس في‮ ‬المسؤوليات،‮ ‬وهي‮ ‬تريد كسر هذا الغموض،‮ ‬فإما أن‮ ‬يكون لبنان في‮ ‬يد حكومة تبسط نفوذها على كل أراضيه وتكون هي‮ ‬المسؤولة،‮ ‬وإما أن‮ ‬يكون لبنان تحت مسؤولية‮ »‬حزب الله‮« ‬ويتم التعامل معه على هذا الأساس‮. ‬وبرأي‮ ‬الاستراتيجيين الإسرائيليين أن لا خروج ممكناً‮ ‬من هذا الالتباس إلا بحرب،‮ ‬كون الإزدواجية الحالية في‮ ‬السلطة في‮ ‬لبنان‮ ‬يمكن أن تدوم طويلاً‮. ‬
6‮- ‬لأن تصفية‮ »‬حزب الله‮«‬،‮ ‬سواء تفجّر الملف النووي‮ ‬الإيراني‮ ‬أم تم التوصل إلى حل فيه،‮ ‬ضرورة استراتيجية للدول الغربية وفي‮ ‬مقدّمها الولايات المتحدة‮ (‬في‮ ‬إطار حربها على التطرف الديني‮ ‬وعلى الإرهاب،‮ ‬إلخ‮...).‬
7‮- ‬لأن ضرب‮ »‬حزب الله‮« ‬خطوة أساسية‮ ‬لإضعاف إيران،‮ ‬سواء في‮ ‬ملفها النووي،‮ ‬أو في‮ ‬مجمل طموحاتها الإقليمية‮.‬
8‮- ‬لأن ضرب‮ »‬حزب الله‮« ‬سيضعف النظام الإيراني‮ ‬داخلياً،‮ ‬لا سيما الاتجاه المتطرّف داخل هذا النظام‮.‬
9‮- ‬لأن ضرب‮ »‬حزب الله‮« ‬خطوة مهمّة‮ ‬لإضعاف المنظمات الفلسطينية‮ »‬الممانعة‮« ‬وفي‮ ‬مقدّمها‮ »‬حماس‮« ‬و"الجهاد الإسلامي‮«.‬
10‮- ‬لأن ضرب‮ »‬حزب الله‮« ‬سيضعف النظام السوري‮ ‬وسيفرض عليه تخفيض مطالبه إذ هو‮ ‬يقاتل ويهدد بهذا الحزب منذ قرابة ثلاثة عقود‮.‬
11‮- ‬لأن ضرب‮ »‬حزب الله‮« ‬سيوجّه‮ ‬ضربة قاسية إلى مجمل الاتجاهات الإسلامية والمتطرّفة في‮ ‬العالمين العربي‮ ‬والإسلامي‮. ‬وبالتالي‮ ‬سيسهّل القبول بوجود إسرائيل‮.‬

الحرب لا مفر منها ‮ ‬لـ»حزب الله‮«!‬

1‮- ‬لأن مواجهة إسرائيل عسكرياً‮ ‬هي‮ ‬المبرّر الأساسي‮ ‬لوجود سلاح‮ »‬حزب الله‮«.‬
2‮- ‬لأن الترسانة العسكرية التي‮ ‬راكمها‮ »‬حزب الله‮« ‬سيما منذ حرب صيف‮ ‬2006،‮ ‬لا بد وأن تستخدم‮.‬
3‮- ‬لأن استراتيجية‮ »‬حزب الله‮«‬،‮ ‬ومن ورائه إيران،‮ ‬تقضي‮ ‬بإعادة رسم التوازنات في‮ ‬المنطقة،‮ ‬وهي‮ ‬توازنات لا تتغير إلا بالقوة‮.‬
4‮- ‬لأن‮ »‬حزب الله‮« ‬ومن ورائه النظام الإيراني،‮ ‬يقول بضرورة‮ ‬محو إسرائيل عن الخارطة‮.‬
5‮- ‬لأن إيران ستتعرض لضغوط متزايدة وربما لضربة عسكرية وبالتالي‮ ‬يتوجب على‮ »‬حزب الله‮« ‬أن‮ ‬يهب لنجدة النظام الإيراني‮. ‬فالحزب مجرّد امتداد لهذا النظام وما كان ليوجد ويصل إلى هذه الدرجة من القوة من دونه‮.‬
6‮- ‬لأن بسط‮ ‬هيمنة‮ »‬حزب الله‮« ‬نهائياً‮ ‬على لبنان‮ ‬يتطلب خوض حرب جديدة وتحقيق‮ »‬انتصارات‮« ‬جديدة فيها‮.‬
7‮- ‬لأن‮ »‬حزب الله‮« ‬مقتنع أن حرباً‮ ‬جديدة وانتصارات جديدة ضد إسرائيل ستحوّله إلى قوة ذات دور إقليمي،‮ ‬ليس فقط لأنها ستعزز سيطرته على لبنان بل لأنها ستعطيه دوراً‮ ‬فاعلاً‮ ‬في‮ ‬الساحة الفلسطينية‮... ‬وداخل سورية‮ (‬إذ هو سيتلاقى مع الامتداد الإيراني‮ ‬المباشر في‮ ‬كل من هذين الإطارين‮).‬
8‮- ‬لأن الفكر الغيبي‮ ‬الذي‮ ‬يندرج فيه‮ »‬حزب الله‮« ‬ومعه القيادة الإيرانية‮ ‬يعتبر أن‮ ‬القضاء على إسرائيل‮ - ‬حكماً‮ ‬عبر الحرب‮ - ‬خطوة ضرورية لتسهيل عودة الإمام الثاني‮ ‬عشر الغائب‮.‬
9‮- ‬لأن الخلفية الدينية المتطرّفة للحزب ولأيديولوجيي‮ ‬النظام الإيراني‮ ‬تدفعهم إلى العمل على‮ ‬تشييع مجمل المنطقة عبر تحقيق الانتصارات على من‮ ‬يسمونهم بأعداء الإسلام،‮ ‬وعلى الامتداد رويداً‮ ‬في‮ ‬العراق أو لبنان أو اليمن أو أفغانستان أو فلسطين أو البحرين أو الكويت أو قطر أو سورية،‮ ‬إلخ‮...‬


الحرب إذاً‮... ‬غير قريبة‮... ‬لكنها أكيدة‮... ‬وهي‮ ‬ستكون‮ »‬الأكثر دماراً‮ ‬في‮ ‬تاريخ لبنان‮«. ‬لماذا؟

الأسباب التي ‮ ‬ستؤدي‮ ‬إلى الدمار

1‮- ‬الحرب الأخيرة‮. ‬الخبراء الغربيون‮ ‬ينقلون عن العسكريين الإسرائيليين أنهم‮ ‬يريدون أن تكون الحرب المقبلة ضد‮ »‬حزب الله‮« ‬هي‮ ‬الحرب الأخيرة ضد هذا التنظيم‮. ‬هذا ما تريده ايضاً‮ ‬الحكومة الإسرائيلية لكي‮ ‬تتباهى أمام رأيها العام بأنها نجحت حيث فشلت كل الحكومات الإسرائيلية السابقة منذ قرابة ثلاثة عقود‮. ‬الجيش الإسرائيلي‮ ‬مستعد لدفع الثمن بشرياً‮ ‬والحكومة لدفع الثمن سياسياً،‮ ‬لكن كل منهما‮ ‬يضع الشرط نفسه على الطرف الآخر‮: ‬يجب أن تكون هذه آخر مرة نواجه فيها‮ »‬حزب الله‮«. ‬قائد الجيش الإسرائيلي‮ ‬أخبر مؤخراً‮ ‬أحد كبار المسؤولين في‮ ‬حلف شمال الأطلسي‮ ‬أنه قال في‮ ‬إجتماع حضره للحكومة الإسرائيلية منذ أسابيع‮: ‬إذا ما أعطيتمونا الضوء الأخضر لنقضي‮ ‬على‮ »‬حزب الله‮« ‬فإنني‮ ‬أشترط تعهداً‮ ‬خطياً‮ ‬بأن لا‮ ‬يطلب أحداً‮ ‬من الجيش التوقف في‮ ‬منتصف الطريق والعودة‮. ‬ويبدو أن الحكومة الإسرائيلية الحالية ميالة إلى القبول بذلك ليس فقط لأسباب سياسية داخلية بل لأنها إذا ما حققت نصراً‮ ‬مبيناً‮ ‬على‮ »‬حزب الله‮« ‬ستتمكن من تعزيز موقعها المعنوي‮ ‬والسياسي‮ ‬لدى العواصم الدولية،‮ ‬لا سيما الغربية،‮ ‬لأنها ستكون قد أضعفت إيران وأضعفت أيضاً‮ ‬ما‮ ‬يسمى بالتطرّف الإسلامي‮ ‬أو بالإرهاب‮. ‬
2‮- ‬حرب صاعقة‮. ‬من الواضح أن الجيش الإسرائيلي‮ ‬لا‮ ‬يريد فقط أن‮ ‬يقضي‮ ‬على‮ »‬حزب الله‮« ‬بل هو‮ ‬يريد ايضاً‮ ‬أن‮ ‬يستعيد معنوياته داخلياً‮ ‬وهيبته وصورته الردعية خارجياً‮. ‬وبالتالي‮ ‬فهو‮ ‬يريد أن‮ ‬يحقق نصراً‮ ‬صاعقاً‮ ‬وسريعاً،‮ ‬أي‮ ‬أنه لا‮ ‬يريد الغرق في‮ ‬متاهات حرب تدوم أسابيع وأشهراً‮. ‬هذا‮ ‬يتطلب استخدام قوة نارية كبيرة،‮ ‬وعدم التردد في‮ ‬إحداث دمار واسع‮. ‬الجيش الإسرائيلي‮ ‬يقول أن القنابل التي‮ ‬سيستخدمها في‮ ‬حرب لبنان المقبلة لم‮ ‬يسبق له أن استخدمها‮. ‬وأن سلاحه الجوي‮ ‬سيقوم خلال الساعات والأيام الأولى من الحرب بعدد قياسي‮ ‬من الغارات‮. ‬ما‮ ‬يريده الجيش الإسرائيلي‮ ‬من ذلك ليس فقط استعراض عضلاته القتالية بل منع‮ »‬حزب الله‮« ‬من إطلاق صواريخه المتوسطة والبعيدة المدى‮.‬
3‮- ‬حرب متطوّرة‮... ‬ومن دون توقف‮. ‬من شبه المؤكد أن الحرب الإسرائيلية المقبلة ستشهد تنسيق معلومات مع أجهزة حلف شمال الأطلسي،‮ ‬على الأقل في‮ ‬مجال التصوير الجوي‮ ‬والرصد من الأقمار الصناعية وكذلك في‮ ‬مجال صار لحلف الأطلسي‮ ‬فيه خبرة ضخمة‮ (‬بعد أفغانتسان وباكستان‮) ‬ألا وهو الطائرات من دون طيار،‮ ‬التي‮ ‬يمكن أن تتحرك من دون توقف،‮ ‬ليلاً‮ ‬ونهاراً،‮ ‬وأن تكون ذات فعالية كبيرة في‮ ‬منطقة صغيرة مثل الأراضي‮ ‬اللبنانية‮. ‬لإسرائيل خبرة تقنية عالية في‮ ‬مجال تصنيع هذه الطائرات لكن لخبراء الأطلسي‮ ‬خبرة ميدانية كبيرة في‮ ‬استخدامها‮.‬
4‮- ‬إطار جغرافي‮ ‬واسع‮. ‬الحرب لن تكون محصورة هذه المرّة بمنطقة في‮ ‬جنوب لبنان أو بالضاحية الجنوبية من بيروت،‮ ‬مع قصف محدود خارج هاتين المنطقتين،‮ ‬كما كان الحال في‮ ‬السابق وفي‮ ‬حرب‮ ‬2006‭.‬‮ ‬هذه المرّة قد‮ ‬يكون الجنوب هو المنطقة الأهدأ‮. ‬وستنصب النار الإسرائيلية على كل المناطق التي‮ ‬يتواجد فيها‮ »‬حزب الله‮«‬،‮ ‬لا سيما الجنوب إلى الشمال من الليطاني‮ ‬والضاحية الجنوبية والبقاع والهرمل وبعض المناطق الجبلية التي‮ ‬يستخدمها الحزب‮.‬
5‮- ‬استهداف البنى التحتية‮. ‬إسرائيل قالت ورددت مراراً‮ ‬أن الحرب المقبلة لن تقتصر على مواقع‮ »‬حزب الله‮« ‬أو على مواقع للجيش اللبناني‮ ‬يعتقد أنها تساعده،‮ ‬بل ستشمل كل البنى التحتية في‮ ‬لبنان‮. ‬في‮ ‬2006‮ ‬استهدف الطيران الإسرائيلي‮ ‬الجسور وبعض المنشآت‮. ‬هذه المرة تتوعد إسرائيل بتدمير كل البنى التحتية التابعة للدولة من مطارات ومرافىء ومصافي‮ ‬نفط ومصانع كهرباء‮... ‬ذلك أن إسرائيل تقول أن‮ »‬حزب الله‮« ‬مشارك في‮ ‬الحكومة اللبنانية وفي‮ ‬مؤسسات الدولة اللبنانية ويستفيد منها وهي‮ ‬تغذيه وتؤمن له الغطاء السياسي‮ ‬والديبلوماسي‮ ‬والقانوني،‮ ‬وبالتالي‮ ‬يجب أن‮ ‬يدفع مجمل لبنان الثمن‮.‬
6‮- ‬أسلحة فتـّاكة‮. ‬الصواريخ التي‮ ‬في‮ ‬يد‮ »‬حزب الله‮« ‬يمكن أن تطال جميع المدن الإسرائيلية الكبرى،‮ ‬بما فيها تل أبيب‮. ‬ويمكن أن تطال مفاعل ديمونا النووي‮. ‬وهناك من‮ ‬يقدّر عدد الصواريخ التي‮ ‬في‮ ‬يد الحزب حالياً‮ ‬بين‮ ‬40‮ ‬و‮ ‬60‮ ‬ألف صاروخ‮ (‬من مختلف الأحجام‮). ‬هذه القدرة مخيفة بالنسبة للإسرائيليين ويجب منع الحزب من استخدامها ولا سبيل إلى ذلك إلا عبر استخدام أسلحة فتاكة وبشكل مكثف،‮ ‬أي‮ ‬التخلي‮ ‬عن دراسة الأهداف بدقة‮. ‬صحيح أن إسرائيل سبق لها أن قصفت أهدافاً‮ ‬مدنية في‮ ‬لبنان‮ (‬أحياناً‮ ‬عن عمد وأحياناً‮ ‬بسبب خطأ في‮ ‬المعلومات أو في‮ ‬التنفيذ‮). ‬لكن هذه المرّة سيكون هناك نوع من المسح بالقنابل للمناطق التي‮ ‬يعتقد الإسرائيليون أن لـ‮ »‬حزب الله‮« ‬مواقع صاروخية متوسطة أو بعيدة المدى فيها‮.‬
7‮- ‬لا توافق ممكناً‮.... ‬ولا وقف لإطلاق النار‮. ‬كما سبق وأشرنا أعلاه،‮ ‬يشترط الجيش الإسرائيلي‮ ‬للدخول في‮ ‬حرب جديدة ضد‮ »‬حزب الله‮« ‬أن لا تفرض عليه موانع‮. ‬هذا‮ ‬يعني‮ ‬أن الحكومة الإسرائيلية لن تقبل بـ‮ »‬توافق جديد‮« ‬ما أو بقرار من مجلس الأمن أو بوقف لإطلاق النار‮... ‬إلا في‮ ‬حال تأكدت أنها قضت على إمكانيات‮ »‬حزب الله‮« ‬العسكرية الأساسية‮. ‬
8‮- ‬ضربة مطبقة قبل إيران‮. ‬ما سيدفع الحكومة الإسرائيلية إلى رفض أي‮ ‬حل ديبلوماسي‮ ‬قبل تدمير قدرات‮ »‬حزب الله‮« ‬ليس فقط رغبتها في‮ ‬إرضاء الجيش الإسرائيلي،‮ ‬بل أيضاَ‮ ‬المبرّر الاستراتيجي‮ ‬الممكن لتلك الضربة‮. ‬ففي‮ ‬حال شنت الحرب على‮ »‬حزب الله‮« ‬تمهيداً‮ ‬للضربة‮ (‬الإسرائيلية أو الغربية‮) ‬ضد إيران،‮ ‬فهذا‮ ‬يعني‮ ‬أنه‮ ‬يجب أن لا تترك لـ‮ »‬حزب الله‮« ‬أي‮ ‬قدرة على قصف إسرائيل خلال الحرب ضد إيران‮. ‬هذا‮ ‬يعني‮ ‬تصفيته عسكرياً‮. ‬أي‮ ‬تدمير واسع في‮ ‬مناطقه‮.‬
9‮- ‬ضربة لتخويف إيران‮. ‬أما في‮ ‬حال كانت الضربة ضد‮ »‬حز  الله‮« ‬ليست مجرّد تمهيد لضربة ضد إيران بل بديلاً‮ ‬معنوياً‮ ‬وأمنياً‮ ‬وسياسياً‮ ‬عنها،‮ ‬فإن ذلك سيشكل سبباً‮ ‬إضافياَ‮ ‬لكي‮ ‬تكون ضربة مدمّرة‮. ‬ذلك أن ضرب‮ »‬حزب الله‮« ‬سيهدف،‮ ‬من بين ما سيهدف،‮ ‬إلى استعراض قدرات الجيش الإسرائيلي‮ ‬بشكل‮ ‬يخيف إيران،‮ ‬سيما وأن نقطة ضعفها الأساسية هي‮ ‬سلاح الجو‮.‬
10‮- ‬ضربة لتخويف سورية‮. ‬الكثافة النارية التي‮ ‬سيستخدمها الجيش الإسرائيلي‮ ‬منذ الساعات الأولى والدمار الذي‮ ‬سيحدثه في‮ ‬لبنان له هدف آخر‮ : ‬ردع النظام السوري‮ ‬عن التفكير ولو لدقيقة واحدة بإمكانية الدخول في‮ ‬المعركة‮.‬


الخبراء الإسرائيليون‮ ‬يقولون‮ - ‬حسب ما‮ ‬ينقل عنهم تقرير حلف الأطلسي‮ - ‬إن الحكومة الإسرائيلية‮ ‬لن تقبل بوقف إطلاق نار في‮ ‬لبنان إلا إذا قرر مجلس الأمن توسيع مهمة القوات الدولية لكي‮ ‬تنتشر على طول الحدود بين لبنان وسورية‮. ‬من سيوافق في‮ ‬لبنان على ذلك؟ الحكومة اللبنانية؟ وماذا لو انسحب منها وزراء‮ »‬الثلث المعطل‮« ‬فسقطت؟‮ ‬
الخطير في‮ ‬كل ما‮ ‬يمكن استشرافه من الضربة الإسرائيلية العتيدة ليس فقط الدمار‮ ‬غير المسبوق الذي‮ ‬قد تحدثه في‮ ‬لبنان‮ ... ‬بل تلاقي‮ ‬المحللين على القول‮ ‬أنها ستدمر نهائياً‮ ‬الصيغة اللبنانية‮. ‬لن‮ ‬يحدث التضامن الذي‮ ‬شهده لبنان في‮ ‬2006‮ ‬بين الطوائف الأخرى والشيعة‮. ‬فإلى أين سيهرب الشيعة هذه المرّة؟ وكيف ستتم إعادة تكوين النظام اللبناني‮ ‬بعد تلقيهم ضربة موجعة؟ وماذا ستفعل الحكومة اللبنانية بعد ذلك؟ هل ستدخل في‮ ‬بيانها الكلام عن‮ »‬المقاومة‮« ‬وممثلين عن‮ »‬حزب الله‮« ‬الذين سيقولون بعد الكارثة أن الإعتداء الإسرائيلي‮ ‬برهن ضرورة التمسك بالسلاح؟ من سيقبل بذلك؟ أي‮ ‬دولة ستقدم مساعدات عندها لإعادة بناء لبنان؟
نعم،‮ ‬الضربة الإسرائيلية قد تقضي‮ ‬على قدرات‮ »‬حزب الله‮« ‬العسكرية‮... ‬لكنها ستقضي‮ ‬حكماً‮ ‬على الصيغة اللبنانية‮. ‬وهذا لا شك هو الهدف الآخر الذي‮ ‬تسعى إليه إسرائيل‮... ‬منذ‮ ‬يوم تأسيسها،‮ ‬لأن هذه الصيغة التعددية اللبنانية هي‮ ‬في‮ ‬جوهرها عكس المشروع الصهيوني‮ ‬اليهودي‮ ‬الطابع‮. ‬فهل سيقدّم‮ »‬حزب الله‮« ‬يوماً‮ ‬ما العذر لإسرائيل لكي‮ ‬تقضي‮ ‬على لبنان المناقض لها؟‮

المحرر العربي
 



(Votes: 0)

Other News

كـمـال جـنـبـلاط سنبقى نكتبك ونحلمك ونهدي من تراثك عزماً وسلاماً مملكة العظماء: أسطورة أم حقيقة إذا هدموا الأقصى للأقصى رجال يحمونه القذافي عندما أجبر أمريكا على الاعتذار   من يجرؤ على اشعال الحرب في المنطقة وما هي تداعياتها؟ بلا هوية  موت اليسار الصهيوني ثلاثية العصر ورباعية فلسطين الكارثة الجوية سابقة تعويضات اسرائيل للامم المتحدة عودة لموضوع العراق‮ .. ‬والمستقبل العربي بين لبنان وهايتي منطقة كارثة على بعد ساعة من تل ابيب اسرائيل وبريطانيا 'الصغرى' تركيا‮ : ‬حضور إقليمي‮ ‬بنكهة عثمانية‮ ‬ المصالحات "خيار وطني" أقوى من كل التحليلات والتأويلات المشبوهة نهاية العالم ... ؟ هل تكون في 21 12 2012؟ اعتذار اسرائيلي مهين لتركيا جنبلاط يحمل الجلجلة ويقدّم التضحيات بين الخنادق المتقابلة قراءة الاحداث تتطلب جرأة في اتخاذ الموقف وتحديد الخطوات القادمة ائتلاف الكذب  جدار الخوف ينهار بين الشويفات - الضاحية الجنوبية من مشارف الانزلاق إلى الحرب الأهلية الى مسار المصالحات في لبنان: كيف ولماذا؟ من مشارف الانزلاق إلى الحرب الأهلية الى مسار المصالحات في لبنان: كيف ولماذا؟ رسالة إلى الرئيس الأسد‮ : ‬وماذا بعد.؟ أمنية واحدة لا تكفي حراك عربي لتدجين المقاومة فتوى فلسطينية معيبة بتأييد الجدار