كـمـال جـنـبـلاط

| 18.03,10. 04:09 AM |

 

كـمـال جـنـبـلاط

فواز طرابلسي (السفير)- ذلك السادس عشر من آذار، لثلاث وثلاثين سنة خلت، كان يوم أربعاء. فجر الثلاثاء، أعضاء المجلس الوطني الفلسطيني، والضيوف، في القاهرة، ينتظرون وصول كمال جنبلاط من بيروت لإلقاء كلمة الحركة الوطنية اللبنانية على منبر المجلس. غادر القائد الفلسطيني أبو صالح على عجل إلى بيروت لاصطحاب حليف المقاومة الفلسطينية. فجر الثلاثاء الطائرة الخاصة جاهزة للإقلاع.

 

 اعتذر كمال جنبلاط عن عدم السفر في اللحظة الأخيرة. عاد أبو صالح وحيداً. لم يدرِ أحد إلى الآن لماذا تخلّف جنبلاط عن السفر ذلك اليوم الذي سبق يوم مصرعه.


في يوم الثلاثاء ذاته، فوجئ أعضاء وفد الحركة الوطنية اللبنانية في القاهرة الذين كانوا يجرون الاتصالات تمهيداً للزيارة، بأن السلطات المصرية لم تكن متحمسة لمجيء جنبلاط إلى مصر. تذرّع المسؤولون بالمصاعب الأمنية وضيق الوقت لترتيب زيارة رسمية وتأمين مقابلة مع الرئيس السادات. هل نصدقهم؟
سرّان إضافيان من أسرار ذلك اليوم الرهيب.
لم تكن حياة كمال جنبلاط بغريبة عن عالم الأسرار. فهذا الباحث دوماً في أسرار الوجود تضج حياته بالالتباسات والمفارقات والتناقضات في المشاعر والأفكار والسلوك والخيارات. لكن كأنه قدّر له أن يوحّد كل هذه في وحدة واحدة ليبلغ وضوح الرؤيا واكتمال الصيرورة وهو يقترب من خياره الأخير والمعركة الفاصلة.
الوريث الشاب، الذي تلقى علومه عند الآباء اليسوعيين في عينطورة، حوّل سياسة الأسرة المقاطعجية من التحالف مع الانتداب الفرنسي إلى المساهمة في معركة الاستقلال اللبناني العربي على تواضع قدراتها والتضحيات.
خلال العهد الاستقلالي، بدا كمال جنبلاط لفترة حيادياً من حيث تعيين هوية لبنان. في وجه الانقسام اللبنانوي ـ العروبي السائد، لم يركن إلى التسوية «الميثاقية». بين هذا وذاك، اختار «المواطنة». للمناسبة، كم هو راهن هذا الخيار، زمن اختلاط الانتماءات وطغيان «الهويات القاتلة»!
الأرستقراطي الذي لم يستطع التعايش مع الرأسمالية، أسّس الحزب التقدمي الاشتراكي عام 1949 بعقيدة هي مزيج من الحنين إلى أشكال من التعاون قبل الرأسمالية ومن الإصلاحات الاجتماعية المستوحاة من «دولة الرعاية» الأوروبية. ولكنه كان يشطح به الخيال أحياناً فيدعو إلى المزاوجة بين الماركسية ـ اللينينية والإسلام، أو تلقى حامل وسام «لينين»، أحياناً أخرى، ينتقد الشيوعية لفقدان العنصر الروحاني فيها.
استقبل جنبلاط ثورة 23 يوليو المصرية بتحفظ. كان على رأس معارضة شعبية واسعة أطاحت عهد بشارة الخوري. وما لبث أن انضم إلى عروبة ناصرية بعد لأي تحت وطأة الانحياز الغربي لعهد كميل شمعون والعدوان الثلاثي على مصر. ثم اعتنقها بحماسة والتزام.
وهذا الصوفي، تلميذ المهاتما غاندي وحكماء الهند، الذي يعتكف يوماً في الأسبوع للرياضة الروحية، هو نفسه الرجل الذي قاد «ثورة» 1958 المسلحة ضد الانحياز لسياسة الأحلاف العسكرية ولمنع التجديد لكميل شمعون.
كمال جنبلاط، هو قبل أي شيء آخر، السياسي المشاكس للحكّام. يخرج من لقاء ماراثوني مع الرئيس حافظ الأسد، في إحدى أخطر لحظات الحرب الأهلية، ولا يتحرّج في الإعلان أن الاجتماع قد فشل في التوصل إلى اتفاق.
وفي حضرة الملك فيصل بن عبد العزيز ينتقد توظيف السعودية جلّ أرصدتها النفطية في أوروبا وأميركا. ويحث الملك السعودي على ضرورة الاعتراف بالاتحاد السوفياتي لتمكين العرب من حيازة أسلحة متطورة لمواجهة الأسلحة الفتاكة التي تغدق بها القوى الغربية على إسرائيل.
يصدف أن قطر كشفت الآن، لأول مرة، عن توزيع أصول صندوقها السيادي الذي تودع فيه فوائض عائدات النفط والغاز، التي تقدّر بـ500 مليار دولار أميركي. على غرار كمال جنبلاط، يجوز سؤال أمير قطر لماذا يوظّف 60 ـ 85% من أصوله السيادية في أوروبا وأميركا الشمالية؟ وعلى طريقة كمال جنبلاط، ينبغي طرح السؤال ذاته على كل حاكم من حكّام الدول النفطية العربية، سلالية أكانت أم جمهورية توريثية؟
وعندما يعود جنبلاط إلى السعودية مجدداً إبان حرب السنتين، يأخذ في تحريض الأمير عبد الله على الانفتاح على جمهورية اليمن الديموقراطية الشعبية. ولكن، عندما زار عبد الفتاح إسماعيل بيروت، والتقاه رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي في فندق البوريفاج، لم يعف كمال جنبلاط حكّام عدن من... خيره. سأل إسماعيل عن النظام الانتخابي في اليمن. أجابه عبد الفتاح بأن حق الترشح في الانتخابات محصور بالحزب الأوحد، الحزب الاشتراكي اليمني. «بتنتخبوا حالكن، يا عمي؟» كان تعليق جنبلاط الساخر.
كمال جنبلاط، زعيم الطائفة التي حكمت جبل لبنان، حين كان يسمّى باسمها سابقاً، والمهددة أبداً بالتحوّل إلى أقلية مهمّشة في لبنان ـ الكيان، لم ينس انقلاب الأقدار ومراوغات التاريخ. لكنه حوّل الرد من السعي إلى انقلاب الغلبة الطوائفية إلى تجاوز النظام الطوائفي بكامله للعبور إلى لبنان الديموقراطي العلماني، بحسب تعبيره الأثير. فيما يتعدى توازنات القوى والاصطفافات الإقليمية والدولية، تجرأ كمال جنبلاط، لا على الدعوة إلى «إلغاء الطائفية»، ولا جرأة في ذلك. تجرأ على ترؤس حركة شعبية عملت على تجاوز النظام الطوائفي عملياً، في مهمة مزدوجة حملت في أحشائها كل مأسوية المحاولة: الدفاع بالسلاح عن المقاومة الفلسطينية والسعي للتغيير الداخلي في آن معاً.
في مغامرته الفاشلة هذه، تجاوز كمال جنبلاط السياسة، أو أشّر إلى سياسة من نمط آخر: السياسة التي هي الواسطة التي يسيطر بها البشر على مصيرهم. ولعله بذلك بلغ أرقى درجات «الفرح»، عنوان أجمل مجموعاته الشعرية.
وجنبلاط في تحوّله واستشهاده يلقي على من ما زالوا يؤمنون بضرورة تجاوز النظام الطوائفي، مهمة أن يفشلوا أقل في المرة القادمة، أو أن يفشلوا بطريقة أفضل، إن لم يستطيعوا أن ينجحوا كلياً. بل قل: كي يستطيعوا أن ينجحوا كلياً في نهاية المطاف.
لست من الفريق الذي يداوم في المختارة في مناسبات السادس عشر من آذار.
ولكني هذه السنة، في ما يتعدى الزيارات والتسامح والنسيان وما سوف يقال وما لا يقال، أريد هذه الكلمات وردة حمراء على ضريح كمال جنبلاط.



(Votes: 0)

Other News

سنبقى نكتبك ونحلمك ونهدي من تراثك عزماً وسلاماً مملكة العظماء: أسطورة أم حقيقة إذا هدموا الأقصى للأقصى رجال يحمونه القذافي عندما أجبر أمريكا على الاعتذار   من يجرؤ على اشعال الحرب في المنطقة وما هي تداعياتها؟ بلا هوية  موت اليسار الصهيوني ثلاثية العصر ورباعية فلسطين الكارثة الجوية سابقة تعويضات اسرائيل للامم المتحدة عودة لموضوع العراق‮ .. ‬والمستقبل العربي بين لبنان وهايتي منطقة كارثة على بعد ساعة من تل ابيب اسرائيل وبريطانيا 'الصغرى' تركيا‮ : ‬حضور إقليمي‮ ‬بنكهة عثمانية‮ ‬ المصالحات "خيار وطني" أقوى من كل التحليلات والتأويلات المشبوهة نهاية العالم ... ؟ هل تكون في 21 12 2012؟ اعتذار اسرائيلي مهين لتركيا جنبلاط يحمل الجلجلة ويقدّم التضحيات بين الخنادق المتقابلة قراءة الاحداث تتطلب جرأة في اتخاذ الموقف وتحديد الخطوات القادمة ائتلاف الكذب  جدار الخوف ينهار بين الشويفات - الضاحية الجنوبية من مشارف الانزلاق إلى الحرب الأهلية الى مسار المصالحات في لبنان: كيف ولماذا؟ من مشارف الانزلاق إلى الحرب الأهلية الى مسار المصالحات في لبنان: كيف ولماذا؟ رسالة إلى الرئيس الأسد‮ : ‬وماذا بعد.؟ أمنية واحدة لا تكفي حراك عربي لتدجين المقاومة فتوى فلسطينية معيبة بتأييد الجدار ماذا يريد المستوطن؟