تركيا‮ : ‬حضور إقليمي‮ ‬بنكهة عثمانية‮ ‬

| 16.01,10. 02:05 PM |

 

تركيا‮ : ‬حضور إقليمي‮ ‬بنكهة عثمانية‮ ‬

نهاد الغادري

يتصاعد الدور التركي‮ ‬الإقليمي‮ ‬ببطء ولكن بخطوات مدروسة وانفتاح‮ ‬يتجاوز تاريخ تركيا في‮ ‬المنطقة وذكرياته إلى مستقبلها‮ . ‬وعلى الرغم من أن الحزب الذي‮ ‬يقود هذا الانفتاح هو حزب إسلامي‮ ‬فإنه‮ ‬يقدم نموذجاً‮ ‬لإسلام مختلف متعايش مع الآخر‮ ‬غير متشدد وهو ما كانت المنطقة تبحث عنه ولا تجده في‮ ‬التيارات الإسلامية المتعددة التي‮ ‬أخفقت جميعاً‮ ‬في‮ ‬تقديم نموذج مقبول‮ ‬يجمع بين الأصالة والحداثة‮ ‬،‮ ‬يعيد قراءة النص وفهمه في‮ ‬شروط الحياة الجديدة‮ . ‬يضيف إليه ولا‮ ‬يستقفصه‮ ‬،‮ ‬ثم هو‮ ‬يتطلع إلى المستقبل‮ . ‬يعيش الحداثة بقدرٍ‮ ‬ما وينطوي‮ ‬على الإيمان بقدر آخر‮ . ‬إنها ضرورات المعاصرة وحقوق الهوية‮.‬
ليس ضرورياً‮ ‬أن نتفق مع تركيا في‮ ‬كل أدائها‮ ‬،‮ ‬فقد نختلف هنا أو هناك‮ ‬،‮ ‬ولكن حزبها الإسلامي‮ ‬يقدم تجربة فريدة ويحقق على الأرض في‮ ‬الداخل والخارج ومع الجوار ما لم تحققه تركيا مذ سقطت امبراطوريتها العثمانية وانسحبت من دورها الديني‮ ‬إلى دورها الكمالي‮ ‬العلماني‮ ‬،‮ ‬وحين لم تستوعب العلمانية طموحها وحاجاتها عادت إلى جذورها بانفتاح محسوب وها هي‮ ‬ذي‮ ‬اليوم تنهض بمسؤولية الدولة الإقليمية الإسلامية الكبرى‮.‬
يمنح تركيا موقعُها الخاص أنها وارثة الإمبراطورية العظمى التي‮ ‬قادت الإسلام لستة قرون وهو أطول زمن للحكم الإسلامي‮ ‬في‮ ‬تاريخه‮ . ‬كذلك‮ ‬يمنحها هذا الدور أنها تقدم نموذجاً‮ ‬حديثاً‮ ‬عجزت التيارات الإسلامية عن تقديمه بقدر ما عجزت عن الوصول إلى السلطة في‮ ‬أي‮ ‬بلد ما عدا أفغانستان وطالبان والقاعدة‮ ... ‬إلخ‮. ‬وهي‮ ‬تجارب أو مشروعات مهينة للإسلام لا تشجع على الاقتداء بها إن لم تشجع على رفضها‮ . ‬وقد نضيف إليها النظام الإيراني‮ ‬شديد الانغلاق عظيم العداء للآخر ولجواره العربي‮ ‬على نحو أخص‮. ‬
نتوقف قليلاً‮ ‬عند العلاقات التركية‮ - ‬الإسرائيلية وما أصابها من شرخ على الرغم من الاعتذار‮.‬
‮»‬وادي‮ ‬الذئاب‮« ‬عنوان مثير لقصة ليست من وحي‮ ‬الخيال‮ . ‬فقد بث التلفزيون التركي‮ ‬مسلسلاً‮ ‬عنوانه وادي‮ ‬الذئاب‮ ‬يروي‮ ‬قصة ديبلوماسيين إسرائيليين‮ ‬يقودون عصابة لخطف الأطفال‮ . ‬أثارت القصة إسرائيل فأقدم وزير خارجيتها أفيغدور ليبرمان على حماقة أهان فيها سفير تركيا‮ . ‬أقعده وكيل الوزارة على كرسي‮ ‬منخفض قارب الأرض لتفاجأ إسرائيل برد فعل تركي‮ ‬النكهة عثماني‮ ‬الجذور‮ . ‬اعتذرت إسرائيل وأقفل الجرح على زغل‮.‬
لن‮ ‬يؤدي‮ ‬هذا الحادث لأكثر مما وقع‮ ‬،‮ ‬ولكنه سيترك آثاره السلبية‮ . ‬فتركيا ليست ذيلاً‮ ‬لإسرائيل‮ ‬،‮ ‬وإسرائيل ليست ممن‮ ‬يقبل دوراً‮ ‬أمنياً‮ ‬ـ عسكرياً‮ ‬ـ اقتصادياً‮ ‬هامشياً‮ ‬أو‮ ‬يتجاوزها‮ . ‬ولا أحد‮ ‬يجهل أن الدور التركي‮ ‬المقبول والمتصاعد عربياً‮ ‬وإسلامياً‮ ‬قد‮ ‬يغدو في‮ ‬زمن ما قادم البديل أو المتمم للأدوار الدولية والمصالح وحمايتها‮ . ‬يفرض هذا الواقع الجديد أن المنطقة تشكو‮ ‬،‮ ‬بانسحاب مصر من العمل العربي‮ ‬ببعض مسؤولياته‮ ‬،‮ ‬من فراغ‮ ‬القوة المركزية‮ . ‬هنالك أحد حلين‮ : ‬أن تستقر قوة عسكرية أجنبية في‮ ‬مواقع استراتيجية لتحمي‮ ‬مصالح الدول الكبرى وربما الصغرى أيضاً‮ ‬وأن تنتشر على امتداد الشرق الأوسط بكل ما‮ ‬ينتج عن ذلك من ردود فعل ومخاطر‮ ‬،‮ ‬أو أن‮ ‬يتاح لقوة إقليمية من نسيج المنطقة أن تنهض بهذه المسؤولية وليس‮ ‬غير تركيا من‮ ‬يستطيع ذلك‮ .. ‬وهي‮ ‬مستعدة له‮.‬
ثمة عامل آخر‮ ‬يمنح تركيا هذا الدور إضافة للجذور والتاريخ‮ . ‬إن حزبها الحاكم وقيادتها المدنية‮ ‬يقدمان تجربة‮ ‬غير مسبوقة لإسلام معتدل متصالح مع الحضارة وأساليبها وآليات عملها‮. ‬
فإذا تركنا التاريخ والمصالح لننتقل إلى حاجات الحاضر فإن تركيا تملك مفتاحاً‮ ‬استراتيجياً‮ ‬لا‮ ‬يقل أهمية عن النفط‮ . ‬إنه الماء‮ .. ‬مشكلة المستقبل المقبلة‮. ‬إضافة إلى أن تركيا دخلت مرحلة التصنيع وتكتسب‮ ‬يدها العاملة مهارات تحتاجها المنطقة ومستقبل تصنيعها‮.‬
لا‮ ‬يعني‮ ‬كل ما تقدم أن تركيا وحدها هي‮ ‬القوة المقبلة ولن‮ ‬يكون شريك لها‮ ‬غير تركيا وأنها المؤتمنة على المصالح الوطنية والإقليمية والدولية‮ . ‬تركيا هي‮ ‬الدولة الأكبر في‮ ‬المنطقة مساحة وعدداً‮ ‬والأشد حضوراً‮ ‬بحكم التاريخ إضافة إلى أن إسلامها لا‮ ‬يخيف بانفتاحه وجذوره‮.‬
‮.. ‬وتظل العثمانية أرحم من فارس المصابة بالهذيان المذهبي‮ ‬وأكثر قربى‮ ‬،‮ ‬لأنها لا تستعيد التاريخ بل هي‮ ‬تبني‮ ‬الحاضر وتتطلع للمستقبل‮.‬
‮.. ‬من دون أن‮ ‬يزيد ما نقوله هنا على حدود المشاعر‮.

المحرر العربي

 



(Votes: 0)

Other News

المصالحات "خيار وطني" أقوى من كل التحليلات والتأويلات المشبوهة نهاية العالم ... ؟ هل تكون في 21 12 2012؟ اعتذار اسرائيلي مهين لتركيا جنبلاط يحمل الجلجلة ويقدّم التضحيات بين الخنادق المتقابلة قراءة الاحداث تتطلب جرأة في اتخاذ الموقف وتحديد الخطوات القادمة ائتلاف الكذب  جدار الخوف ينهار بين الشويفات - الضاحية الجنوبية من مشارف الانزلاق إلى الحرب الأهلية الى مسار المصالحات في لبنان: كيف ولماذا؟ من مشارف الانزلاق إلى الحرب الأهلية الى مسار المصالحات في لبنان: كيف ولماذا؟ رسالة إلى الرئيس الأسد‮ : ‬وماذا بعد.؟ أمنية واحدة لا تكفي حراك عربي لتدجين المقاومة فتوى فلسطينية معيبة بتأييد الجدار ماذا يريد المستوطن؟ أمريكا واليمن: صحوة متأخرة لحساب اميركا على حساب لبنان نكتة مصرية! وقفة مراجعة‮ ..‬؟ تطوير الحياة السياسة في لبنان يتطلب خطوات جريئة الاتحاد الفيدرالي أستكون حربا؟ ما بعد الزيارة احفاد بلفور زيارة الحريري إلى سوريا ...ماذا وراء العراقيل؟  أعان الله مسيحيي الاستقلال   لبنان على طريق الكويت ... يا ليت ليفني وابتزاز بريطانيا اعترافات بلير تبرئ صدام ماذا لو كان‮ »‬حزب الله‮« ‬سنياً‮ ‬أو مارونياً‮..‬؟ دعوةٌ للعودة إلى كمال جنبلاط.. تتخطى الشعارات نحو النهج والممارسة