المصالحات "خيار وطني" أقوى من كل التحليلات والتأويلات المشبوهة

| 15.01,10. 09:06 PM |

 

المصالحات "خيار وطني" أقوى من كل التحليلات والتأويلات المشبوهة

هشام يحيى


15 كانون الثاني, 2010

 أين كنا منذعام واكثرواين اصبحنا؟ كان التوتر، كانت الخنادق، كانت الاعتصامات والشتائم والسجالات، اصبحنا اليوم في جو وفاقي، يحتفظ كل منا بأدبياته ونتخاطب مع الآخر بشكل حضاري، بكلمات بسيطة حدد رئيس اللقاء الديموقراطي النائب وليد جنبلاط  بكل دقة وواقعية المشهد الجديد للحياة السياسية في لبنان، فبعد أن كانت الامور قبل عام  تتجه بالبلد نحو الفتنة والحرب الأهلية التي تغذيها خطابات التحريض وتحركها النعرات و العصبيات الطائفية المذهبية والمناطقية الضيقة ، فإذا بالأمور تنقلب رأساً على عقب بعد أن أطلق زعيم المختارة بهامته الوطنية  قطار المصالحات و حركة الإنفتاح الواسعة بالبلد التي ارتكزت على قاعدة بأنه لا أعداء لنا في الداخل، و كخيار وطني عنوانه الأساسي حماية السلم الأهلي واعتماد الحوار والتفاهم في مقاربة الخلافات  لتجاوز الانقسام والمشاكل، وتعزيز مناخات الثقة وتثبيت التهدئة في سبيل تحصين الساحة الداخلية اللبنانية لا سيما في ظل الخطر والتهديد الإسرائلي المتصاعد و المستمر على لبنان والوطن العربي و في ظل التغيّرات الاقليمية والدولية المتسارعة .

  وحركة المصالحة والتهدئة التي بدأت مع رئيس الحزب التقدمي الإشتراكي كانت موضع تهجم واستهداف من قبل العديد من القوى السياسية التي شنت أعنف الحملات الإعلامية على وليد جنبلاط  وخياراته التي تمردت على حالة الجمود التي شتت الناس في لبنان في دوامة الخلافات والإنقسامات الحادة والخطيرة التي لا تنتهي بين معسكر 14 و 8 آذار... إلا إن هذا الخيار الوطني العقلاني والمنطقي والاستراتيجي لوليد جنبلاط ما لبث أن بات موضع اجماع وطني بامتياز يرخي بظلال نتائجه الإيجابية أمناً واستقراراً سياسي واقتصادي وإداري في لبنان ، تجسده حالياً على أرض الواقع حكومة الوفاق الوطني التي تمثل نسيج المجتمع اللبناني بمختلف انتماءاته وتعدده وتنوعه .


والسبب في ذلك يكمن في إن خيار وليد جنبلاط كان منطلقاً من حكمة ومعرفة وقناعة راسخة ورؤية مستقبلية  بأن المزايدات والمناكفات والغرق خلف الخنادق والمتاريس لن يؤدي إلا إلى تفاقم الازمة.لذلك أدرك رئيس الحزب التقدمي الإشتراكي مبكراً وقبل غيره بأن الخروج من النفق يستلزم إيجاد المناخ الملاءم للنقاش الهادئ والرصين والمسؤول القادرعلى تبديد الهواجس والمخاوف وإيجاد المساحات المشتركة  بين القوى السياسية المختلفة في البلد. وخيار وليد جنبلاط كان نابعاً أيضاً من استشعاره بمدى الخطر الذي بات يتهدد لبنان بوحدته الوطنية وعيشه المشترك في ظل تصاعد الخلافات التي تغديها المشاريع الخارجية المشبوهة التي تستغل التناقضات في سبيل زرع بذور الانشقاق وتعزيز الخلافات ليس على صعيد لبنان وحسب بل أيضاً على صعيد تفتيت وتقسيم المنطقة لمصلحة الكيان الصهيوني لا سيما أن التطورات برهنت على أرض الواقع  بما لا يحمل الشك بأن السياسة الاميركية المرتكزة بالأساس على حماية أمن ومصالح دولة اسرائيل من دون أن تاخذ اي اعتبار للشعب العربي وحقوقه ومصالحه وطموحاته لم تتغير ولم تتبدل مع  الرئيس الاميركي باراك أوباما.


بالتالي فإن هذا الخيار الوطني بأبعاده كان يحمل في خلفياته ومندرجاته قراءة مسؤولة وواقعية للتحولات والمتغيرات في أوضاع المنطقة والعالم، ولعل أبرز السمات التغييرية التي رأى وليد جنبلاط بأن هناك حاجة ضرورية لملاقاتها وفرصة متاحة  للاستقرارالسياسيوالامنيوالاقتصاديلا بد من الإستفادة منها داخلياً في لبنان ألا وهي انطلاق مسيرة المصالحات العربية – العربية في قمة الكويت التي شهدت ولادة  مبادرة خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله الهادفة إلى تجاوز الخلافات العربية و استعادة التوازن و تعزيز التعاون  والتضامن العربي، والتي كان من نتائجها الإيجابية  المصالحة بين سوريا والمملكة العربية السعودية، وهذا التقارب العربي أعطى  لبنان حماية وأمن واستقرار وولادة الحكومة بصيغتها وتركيبتها الحالية ومن ثم حصول زيارة دولة الرئيس سعد الحريري إلى دمشق التي أتت في سياق فتح مرحلة جديدة في العلاقات بين لبنان وسوريا عنوانها الإنفتاح والتعاون والإحترام المتبادل وتجاوز كافة خلافات المرحلة السابقة ، وحالياً هذه المبادرة الشجاعة والحكيمة للملك عبدالله يتم استكمالها على صعيد ترميم وتحسين العلاقات المصرية – السورية التي من شأنها أن تنعكس إيجاباً على المصالحةالفلسطينية - الفلسطينيةالتي يبقى لها الأولوية  في المرحلة المقبلة.

وفي هذا السياق العام و علىوقعالتهديداتالمتكررةالتي يطلقهاقادةالعدوضدلبنان، والمترافقة مع  تصعيدالخروقاتالجويةالحربيةوالتجسسية الاسرائيليةالتي تستبيح بخروقاتها السيادةاللبنانية وتنتهك مندرجات القرار الدولي رقم 1701 ، أتت المصالحة في مدينة الشويفات يوم الأحد الماضي بأبعادها الوطنية لتتجاوز شكليات المصالحة العابرة  لتؤكد في المضمون على تحصين الساحة  الداخلية ولتوجيه رسالة واضحة بأن اسرائيل هي العدو الوحيد ومواجهة تهديداتها يكون بتجاوز الخلافات والإرتقاء بالمسؤولية الوطنية في مقاربة ومعالجة القضايا الوطنية بما يخدم ترسيخ الوحدة الوطنية و الإلتزام بالعروبة التي تبقى فلسطين قضيتها المركزية.وبالتالي إن هذه المصالحة أتت في سياق  تثبيتخيار الوحدة الوطنية والوفاق والتواصل التاريخي والجغرافي والنضالي المشترك بين الجبل والضاحية وبيروت  الذي كان ومازال عنوانه العريض التأكيد على  العيش  الوطني المشترك ووحدة لبنان وعروبته في مواجهة المشروع الصهيوني، وهذا الأمر تجلى في هذه المنطقة في محطات عديدة إبان التصدي للإجتياح الإسرائيلي للبنان في حزيران 1982 ورفض الخضوع لقصف بوارج القواتالمتعددةالجنسيةالتي كانت تقصف الجبل والضاحية لكسر الهوية العربية للبنان آنذاك والتي انتهت باسقاط اتفاق السابع عشر من ايار 1983  وإنتاج "انتفاضة" 6 شباط 1984 التي كان عنوانها الأساسي التأكيد على عروبة مدينة بيروت ودورها في مقاومة ودحر الإحتلال.
 
وهذه المصالحة بمعالمها وابعادها الوطنية أتت تتويجاً لجهود جبارة بذلتها القيادات السياسية الاساسية المعنية بمصالحة الشويفات لتمتين وترسيخ المصالحات السياسية التي سبقتها وجعلها تتسععلى مستوى القواعد، ولاتمام واستكمال المصالحات الحزبية والمناطقية بين الجبل والضاحية في إطار إنهاء ذيول  المرحلة السابقة  وطي صفحة 7 أيار بمفاعيلها وملابساتها المؤلمة بصورة نهائية وفتح أفاق مرحلة جديدة عنوانها التلاقي والتوافق والثقة  والحوار والتعاون و احترام الخصوصية والرأي الاخر وحق الاختلاف ، ولإعادة اللحمة والتواصل السكاني والمعيشي والإقتصادي والاجتماعي بين مكونات  نسيج هذه  المنطقة إلى سابق عهدها بعيداً عن غوغائية التحريض واطلاق العنان للغرائز والشحن المذهبي والطائفي الذي كاد في مرحلة سوداء أن يشعل فتنة واسعة ويغرق الوطن في دوامة الحرب الأهلية.


واخيراً يبقى أن نقول بأن ما طالعناه من تحليلات وتاويلات مشبوهة  مصدرها أصحاب المشاريع المتضررة من المناخ السياسي العام للمصالحات في البلاد والتي حاولت عبثاً التقليل من أهمية ومحورية المشهد السياسي التصالحي في مدينة الشويفات، إلا أن الوقائع والنتائج والاصداء السياسية والوطنية والشعبية  لهذه المصالحة أقوى من كل تزوير للحقائق والوقائع التي تؤكد قناعة أهل وقيادات منطقة  الجبل والضاحية بصوابية هذه المصالحة التي تصب في مصلحة كل الوطن وأمنه واستقراره وحماية سلمه الأهلي. وبالتالي إن  أهمية ومحورية المشهد السياسي التصالحي الجامع الذي قاده رئيس الحزب التقدمي الإشتراكي وليد جنبلاط منذ اكثر من عام باتجاه كل الأطراف يكمن في انه  أدى إلى دخول  لبنان مرحلة جديدة من الاستقرارالسياسي والامني كما أسس  لواقع سياسي يختلف بخياراته وتحالفاته عن مشهدية المرحلة السابقة، وهذا المشهد السياسي الجديد  يبقى عنوانه  الأساسي تثبيت مناخات الإستقرار والتوافق كحاجة وطنية للإنطلاق نحو ورشة تشريعية وحكومية يستطيع البلد من خلالهما تحسين الأوضاع الإقتصادية والإجتماعية والمعيشية للناس التي لم تعد تحتمل المزيد المناكفاتوالخلافات العبثية  التي انهكت الوطن والمواطن على حدٍ سواء.

 



(Votes: 0)

Other News

نهاية العالم ... ؟ هل تكون في 21 12 2012؟ اعتذار اسرائيلي مهين لتركيا جنبلاط يحمل الجلجلة ويقدّم التضحيات بين الخنادق المتقابلة قراءة الاحداث تتطلب جرأة في اتخاذ الموقف وتحديد الخطوات القادمة ائتلاف الكذب  جدار الخوف ينهار بين الشويفات - الضاحية الجنوبية من مشارف الانزلاق إلى الحرب الأهلية الى مسار المصالحات في لبنان: كيف ولماذا؟ من مشارف الانزلاق إلى الحرب الأهلية الى مسار المصالحات في لبنان: كيف ولماذا؟ رسالة إلى الرئيس الأسد‮ : ‬وماذا بعد.؟ أمنية واحدة لا تكفي حراك عربي لتدجين المقاومة فتوى فلسطينية معيبة بتأييد الجدار ماذا يريد المستوطن؟ أمريكا واليمن: صحوة متأخرة لحساب اميركا على حساب لبنان نكتة مصرية! وقفة مراجعة‮ ..‬؟ تطوير الحياة السياسة في لبنان يتطلب خطوات جريئة الاتحاد الفيدرالي أستكون حربا؟ ما بعد الزيارة احفاد بلفور زيارة الحريري إلى سوريا ...ماذا وراء العراقيل؟  أعان الله مسيحيي الاستقلال   لبنان على طريق الكويت ... يا ليت ليفني وابتزاز بريطانيا اعترافات بلير تبرئ صدام ماذا لو كان‮ »‬حزب الله‮« ‬سنياً‮ ‬أو مارونياً‮..‬؟ دعوةٌ للعودة إلى كمال جنبلاط.. تتخطى الشعارات نحو النهج والممارسة المصالحات التي جرت انقذت لبنان من الفتنة