جنبلاط يحمل الجلجلة ويقدّم التضحيات بين الخنادق المتقابلة

| 13.01,10. 10:25 PM |

 

جنبلاط يحمل الجلجلة ويقدّم التضحيات بين الخنادق المتقابلة


  
 


::سلمان العنداري::

يتحرّك النائب وليد جنبلاط على اكثر من جبهة وعلى اكثر من مستوى لاطفاء نيران 7 ايار المشتعلة في البيت اللبناني بشكل عام، والدرزي بشكل خاص، ليؤكد بشكل قاطع الخروج من زوايب الماضي واثقاله بالتعاون مع كل القوى السياسية، عبر توسيع قاعدة المصالحات لترسيخ مبدأ العيش المشترك باعتباره الخيار الوحيد والقدر المحتوم بين اللبنانيين اجمعين.

بدا جنبلاط متعباً من كاهل المرحلة الماضية وتبعاتها، يضاف اليها النتائج الكارثية لاحداث 7 ايار 2008 التي اجبرته على حمل "الجلجلة الجديدة" متوجهاً الى "تقطيب الجراح" الملتهبة بالدماء والاحقاد والاستفزازات، حتى ولو كان ذلك على حساب شعبيته وصورته ورمزيته في كثير من الاحيان، لان المصلحة الوطنية برأيه "تحتم سلوك هذا المسار والسير في هذا الخيار".

يدفع جنبلاط اليوم فواتير "العملية الجراحية" التي قام بها "حزب الله" في بيروت والجبل، متحمّلاً كل الانتقادات والعواصف التي تعرّض "لرياحها" منذ رفضه التمديد، وانضمامه للقاء البرستول، مروراً بقيادته للحركة الشعبية بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري، ومطالبته بالحرية والسيادة والاستقلال، واحتدامه المباشر مع النظام السوري (المتّهم)، واصراره على وضع حد لفوضى سلاح "حزب الله".
كما يدفع في الوقت عينه، ثمن مواقفه الجديدة المبتعدة عن اجواء الحركة الاستقلالية "لضرورات المرحلة ومخلّفات الامر الواقع- المسلّح". فهل يغالي "سيد المواقف" بتضحياته وتحمّله وحيداً المسؤوليات الكبرى على طريق تلك الجلجلة مرّة اخرى؟. وهل صحيح انه يبالغ في حركته السياسية تجاه الطرف الاخر؟. والى اي حد "هضمت" القواعد الشعبية خطواته الاخيرة وسط تحفّظ من هنا، وقبول على مضض من هناك؟.

14 آذار...حريصة ومتوجسة على جنبلاط

مما لا شك فيه ان قوى الحركة الاستقلالية حريصة كل الحرص على سلامة وليد جنبلاط من الانعطافة القوية التي يقوم بها. فمن خطاب الثاني من آب الماضي، مروراً بمحطات اخرى كان ابرزها لقاء صوفر والجاهلية ومصالحة الشويفات ومصارحته مع العماد ميشال عون. اذ تتوجّس هذه القوى من تزايد المخاوف من "تدهور القطار السريع الذي يعبر به الاخير المراحل الصعبة، ومن امكانية استغلال نية "وليد بيك" الحسنة في ردم الحفر التي خلفتها صراعات ايار 2008 من قبل "صقور 8 آذار" وأخذها الى غير موضعها الحقيقي لتعميق المسافة بينه وبين منطق الدولة الذي قاد مسيرتها منذ نهايات العام 2004 حتى بدايات العام 2009".

تقول الكثير من الاوساط ان وليد جنبلاط يخسر في السياسة خصوصاً وانه يجري مصالحات "غير متوازنة" في وقت غير مناسب، وان حركته السياسية اتسمت بكثير من التسرّع واستباق الاحداث وقراءة الاوضاع والتطورات الاقليمية والدولية بطريقة خاطئة. وفي هذا الاطار يقول مصدر مسؤول في الامانة العامة لقوى 14 آذار، ان اي خسارة لفريق سيادي او لبناني هي خسارة لكل اللبنانين وليس لفريق واحد فقط، ونحن هنا لسنا في وارد تقييم ما يقوم به وليد جنبلاط، الا انه يجدر القول ان في منطق الاتحاد قوة، وهو بالتالي المنطق السليم في التعاطي السياسي، فوليد جنبلاط كان بامكانه ان يكون محصناً اكثر في تعاطيه مع سوريا ومع الفرقاء اللبنانيين لو انه بقي جزءاً اساسياً من 14 آذار، الا انه اراد ان يتمايز تنظيمياً، وان يحتفظ بالسقف السياسي الوطني المبدئي، وهو من قال انه يحتفظ بادبياته السياسية، ونحن اليوم في وارد اختبار هذه المرحلة، فاذا ربح وليد جنبلاط، سيكون لبنان الرابح، اما اذا ما خسر، سيكون لبنان كله هو الخاسر.

تقول شخصية مسيحية بارزة في منطقة بعبدا انه لا يمكن تحديد معيار واضح اذا ما كان وليد جنبلاط مرتاحاً في اجراء المصالحات ام لا، "ففي السياسة هناك ما يعرف بالضرورة، وبالتموضعات الاستراتيجية والتكتية، اذ يسود الاعتقاد ان جنبلاط يقوم بهذه الخطوات والمصالحات واللقاءات ضمن الاطار الاستراتيجي لانقاذ لبنان وتأمين استقراره الاجتماعي والامني "للخروج من الخنادق المتقابلة" وسط تضحية غير مسبوقة بالنفس والدور، على امل ان يكون لدى الطرف الاخر النية نفسها، خصوصاً وانه خرج (فريق الاقلية) من الاستحقاق الانتخابي خائباً من امكانية انتصار التحالف الايراني السوري، فانتقل الى الخطة التالية مستمداً قوته من عملية ايار المؤسفة".

لا شروط سورية على جنبلاط

وليد جنبلاط يبتكر على ما يبدو مجموعة من الخطوات "غير المدروسة" لإرضاء النظام السوري، اذ يلاحظ نوع من " فوضى غير مقصودة" من خلال حركته السياسية "المتسرعة". ووفق المعلومات المتداولة، لا وجود لأي مطالب او شروط سورية واضحة او مكتوبة او منقولة لجنبلاط عبر مبعوثي قصر الشعب، "فما يقوم به من مصالحات هي عملية مبتكرة قائمة على قراءته الخاصة لطريق الشام وكيفية تعبيدها تمهيداً لفتح خطوطها، يضاف اليها الاستعداد المسبق لجلد الذات، عبر تنفيذ خارطة طريق "غامضة" تتخبّط على وقع التغيرات التي يقرأها على "طريقته الخاصة".

كان من الممكن "للزعيم الوطني" زيارة الشام من دون تقديم هذا الكمّ الهائل من التنازلات، فسعد الحريري زار دمشق ولم يخرج من 14 آذار، ولهذا كان من الممكن ان يزروها دون الحاجة الى الطلاق مع الحركة الاستقلالية (على رغم ان تلك العلاقة لم تنقطع يوماً معها)، فكان من الممكن ان يكون محصّناً اكثر، وان يكون مدافعاً اكثر عن حقوق طائفته وحقوق لبنان بشكل اساسي.

يختم النائب جنبلاط مؤتمره الصحفي المشترك مع العماد عون في الرابية بالقول: "موضوع سوريا يناقش في الوقت المناسب، ولا مانع من زيارتها، ولكن في الوقت والمكان المناسب (...) لي حيثيتي، لانه هناك ماض ثقيل في بعض التعابير من هنا وهناك". اذن، الكرة في الملعب السوري اليوم، فليس اللبنانيون من امسك بالقرار السياسي السوري، اذ ان المشكلة كانت تكمن بسعيهم الدائم للتحرر من الوصاية المفروضة عليهم، وان ما يجري في هذه الايام سواء ما يقوم به وليد جنبلاط على طريقته، او ما تقوم به الدولة اللبنانية من خلال رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة، مدعومين من الفرقاء السياسية كافةً، هو محاولة لتثبيت السيادة اللبنانية والاستقلال اللبناني، لذا فدمشق هي من عليها ان تثبت قدرتها على التعاطي مع هذه الايجابية اللبنانية بما تتطلبه من ايجابية مقابلة.

نار تحت الرماد...في زمن المصالحات

تتمنى اوساط درزية "مسؤولة" ان لا تكون اللقاءات الاخيرة التي يجريها النائب جنبلاط مجرد لقاءات شكلية لا تضع حداً للسلاح وفلتانه، ولا تسمح بتكرار التجارب السوداء التي عاشها الجبل في ايار 2008، وتقول ان الجمر سيبقى تحت الرماد اذا استمر تأجيل بت هذه المسألة على طاولة الحوار الوطني، ولكنها على اي حال تبعث بالمزيد من الارتياح وتضفي الكثير من الايجابية على مسار العلاقات مع القوى الخصمة – السابقة التي وصلت حدة الصراعات معها الى مستوى النزاع الدموي في السابق، الا انها في الوقت نفسه لم تعالج الاسباب الاساسية التي ادت الى نشوب هكذا تقاتل في المرحلة الماضية.

وفي الاطار نفسه، وتعليقاً على مصالحة الشويفات "الشاحبة"، يسأل قيادي سابق في منظمة الشباب التقدمي ( الفرع الشبابي للحزب التقدمي الاشتراكي) معاتباً ما قيل في قاعة رابطة سيدات الشويفات، بالقول: "من غير الطبيعي ان لا يتم محاسبة احد على ما حصل، وكأن الاحداث الماضية جاءت نتيجة لغضب الطبيعة والعواصف والاعاصير، وكأنما الذين قتلوا اصيبوا بحادث سير في سيارة لا يقودها احد، وبالتالي من الصعب ان نتناسى دماء الذين استشهدوا دفاعاً عن مناطقهم وقراهم، ومن المعيب التغاضي عن جراح الامهات والاباء الذين وضعوا جنى عمرهم في فلذة اكبادهم، فاذا بهم اضاحي تقدم على المذبح، وارقام جثث لقرابين او حتى قطعان. ومن المعيب بحق جميع الذين هاجموا ودافعوا وقتلوا واستشهدوا ( كل من منظاره) ان يقال ان ما حصل هو خطأ او التباس، فهل يؤدي خطأ الى قتل الابرياء وسفك الدماء؟، وهل يمكن ان يموت العشرات عند كل التباس؟، والى متى ستبقى دماء الناس واحلامهم ومستقبلهم وماضيهم وحاضرهم رهناً باخطاء "الصالحين" والتباساتهم؟، فهل يلتبس عليهم اليوم العدو من الصديق؟".

جنبلاط يبقى الرمز – الزعيم

مجموعة كبيرة من اللبنانيين رأت فيه رمزاً واملاً كبيراً، حتى في ظل اعادة التموضع التي يقوم بها لتكريس تفاهماً قويا ًومتيناً مع الناس، وان كان بشكل وبمضمون وبمنطق وعقلية مختلفة، ولكن على جنبلاط ان يأخذ بعين الاعتبار ملاحظات الكثير من الناس بمحبة وخالص التقدير لشخصه وقيمته، لان كرامة وليد جنبلاط من كرامة الاستقلاليين، ولا يمكن القبول بأي اهانة او تراجعاً او جرحاً له وللناس المؤمنين به على حدّ سواء.

على رغم ذلك التسرّع، وعدم التقبّل الواسع للحركة "الجنبلاطية – الوطنية الحالية"، سيبقى وليد جنبلاط يشكّل رمزاً وطنياً، سواء بقي في 14 آذار ام غادرها، وسواء انتقل الى الوسط ام الى الجهة المقابلة، فهو على الاكيد، وبعيداً عن كل الحسابات التي اتخذها، اراد ان يحمي لبنان من الشر القادم، ومن 7 ايار جديد. فهل اخطأ جنبلاط في حساباته، ام ان علينا الانتظار والترقّب قليلاً الى حين انكشاف المزيد من معالم المرحلة المقبلة وجلاء الصورة الاقليمية والداخلية؟.
 
المصدر : خاص موقع 14 آذار

 



(Votes: 0)

Other News

قراءة الاحداث تتطلب جرأة في اتخاذ الموقف وتحديد الخطوات القادمة ائتلاف الكذب  جدار الخوف ينهار بين الشويفات - الضاحية الجنوبية من مشارف الانزلاق إلى الحرب الأهلية الى مسار المصالحات في لبنان: كيف ولماذا؟ من مشارف الانزلاق إلى الحرب الأهلية الى مسار المصالحات في لبنان: كيف ولماذا؟ رسالة إلى الرئيس الأسد‮ : ‬وماذا بعد.؟ أمنية واحدة لا تكفي حراك عربي لتدجين المقاومة فتوى فلسطينية معيبة بتأييد الجدار ماذا يريد المستوطن؟ أمريكا واليمن: صحوة متأخرة لحساب اميركا على حساب لبنان نكتة مصرية! وقفة مراجعة‮ ..‬؟ تطوير الحياة السياسة في لبنان يتطلب خطوات جريئة الاتحاد الفيدرالي أستكون حربا؟ ما بعد الزيارة احفاد بلفور زيارة الحريري إلى سوريا ...ماذا وراء العراقيل؟  أعان الله مسيحيي الاستقلال   لبنان على طريق الكويت ... يا ليت ليفني وابتزاز بريطانيا اعترافات بلير تبرئ صدام ماذا لو كان‮ »‬حزب الله‮« ‬سنياً‮ ‬أو مارونياً‮..‬؟ دعوةٌ للعودة إلى كمال جنبلاط.. تتخطى الشعارات نحو النهج والممارسة المصالحات التي جرت انقذت لبنان من الفتنة ازمة اقتصادية ام بوادر انفجار شامل؟ مع كمال جنبلاط .. وإلى أفقٍ جديد..! ذهنية عون التفردية لا يمكن أن تنتج حالة حزبية ديمقراطية