Farah News Online

  http://www.farah.net.au/


د. موفق السباعي: هل سورية بدها حرية .. أم بدها أخلاق؟!

| 31.08,18. 06:45 AM |



هل سورية بدها حرية .. أم بدها أخلاق؟!

د. موفق السباعي

منذ أن انطلقت الثورة في سورية قبل أكثر من سبع سنوات.. صدحت حناجر المتظاهرين.. تنادي بصوت مجلجل ( سورية بدها حرية )!...

وكان المغني الشعبي الحموي ( قاشوش ) الذي لحن هذه الأغنية.. ورددها وراءه في ساحة العاصي بحماة مئات الألوف..قد زلزلت عرش الطاغية زلزالا شديدا.. مما دفع بزبانيته.. وجنوده إلى قتله.. واقتلاع حنجرته.. انتقاما لما أصاب الطاغية من فزع.. وهلع ..

ولكن :

وبعد أن حصل بعض السوريين على شيء من الحرية.. سواء الذين خرجوا من سورية نازحين.. لاجئين.. مشردين.. أو الذين يعيشون في مناطق داخل سورية.. وخارج سلطة الطاغية .

هل أصبحوا بشراً سوياً ؟!

هلأصبحوا أحراراً حقاً؟!

هل هم يستمتعون بالحرية.. ويسعدون بها.. ويتعايشون مع بعضهم.. بأمان.. وسلام.. وطمأنينة؟!

هل يتعاملون مع بعضهم البعض.. باحترام.. وتقدير.. ومودة.. ومحبة.. ويتعاونون على السراء.. والضراء؟!

هل يستخدمون الحرية بشكل خلقي.. وحضاري.. وإيماني.. وينتفعون بمزاياها الكثيرة؟!

الحقيقة الصادمة.. والمرة المريرة..

أن معظهم خرج من أقفاص العبودية.. وبمجرد أن تنفس شيئاً من الهواء النقي.. بدأ يمارس نفس أسلوب الطغيان.. والجبروت.. والقهر.. الذي يكان يُمارس ضده..

وكأنه يريد أن ينتقم لعبوديته.. من إخوانه فيذيقهم الكأس نفسها .. التي شرب منها!!!

بل تقول بعض الأخبار:

أنهم يتعاملون مع بعضهم بغلظة.. وشدة.. وجلافة.. وعجرفة.. وخشونة.. أشد بكثير مما كان شبيحة النظام يتعاملون به!!!

الحقيقة المرة المريرة..

أن الذي يتحرر من قيود العبودية.. وليس لديه ضوابط أخلاقية.. ولا رادع إيمانيا.. ولا زاجر قرآنيا.. ولا يلتزم بالأمانة التي أؤتمن عليها.. وليست لديه مراقبة لله في حركاته.. وتصرفاته.. ولا محاسبة لنفسه على جرائره.. وأخطائه.. وليس لديه خوف من المنتقم الجبار.. الذي يعلم السر وأخفى..

يصبح كالثور الهائج.. أو الذئب المفترس..أو الوحش الضاري.. يخبط خبط عشواء.. هنا وهناك.. ولا يردعه عن تحقيق أهوائه.. وغرائزه شيء.. حتى ولو كان يتظاهر.. بأنه مسلم.. يذكر الله قياماً.. وقعوداً.. أو أنه من الثوريين النشيطين ..

الحرية جميلة.. ورائعة.. وفيها متعة.. وسعادة لا متناهية.. سواء للإنسان.. أو للحيوان.. أو حتى للنبات..

الحرية فيها بهجة.. ومسرة لكل كائن حي .

هل تصدقون أنه حتى أسنانكم في أفواهكم.. تشعر بالحرية حينما يتم خلع أحد الأسنان؟!

فما الذي يحصل؟!

تبدأ الأسنانالمجاورة تأخذ راحتها.. وتنتعش.. وتفرفش بعدما كانت محصورة في قوس سني متماسك..محصور في مكان ضيق.. فتتمايل الأسنان.. وتتغنج.. وتميل إلى هنا.. وإلى هناك..

وبما أنها ليست عاقلة.. وليس لديها ضوابط خلقية.. ولا دينية.. ولا فكرية.. فإنها تصبح في حالة فوضوية.. عشوائية.. تؤذي الأسنان المجاورة.. كما تؤذي جميع الأنسجة.. والأعضاء المحيطة بها ..

وهذا نموذج مصغر لما يشعر به معظم الناس في أسنانهم.. حيث أن معظمهم قد خلع سنا.. أو أكثر..

وبالتالي أعطى الحرية لبقية الأسنان.. أن تتحرك ذات اليمين.. وذات الشمال.. غير عابئة بما حولها.. وبما يجاورها من أخوات..     

وهذا الذي.. يحصل الآن بالضبط عند السوريين المتحررين.. إلا ثلة قليلة من المؤمنين.. الصادقين.. العاقلين.. الواعين..

إذن سورية بجاجة إلى أخلاق تنظم هذه الحرية.. وتضبطها في قالب.. يحمي الجميع.. ويؤمن مصلحة الجميع..

بدون أخلاق.. وبدون إيمان.. وبدون أمانة يشعر بها الإنسان السوري.. ويحس بها.. ويتعامل مع الآخرين على أساسها.. تصبح الحياة جحيما لا يُطاق.. وغابة موحشة.. مرعبة.. مخيفة.. ينعدم فيها الأمن.. والأمان.. والسلام.. والحرية..

وصدق أمير الشعراء شوقي:

إنما الأمم الأخلاق ما بقيت ................... فإن هموا ذهبت أخلاقهم ذهبوا

ونظرة سريعة على ما يتبادله السوريون على صفحات التواصل الإجتماعي.. وما يُنشر في الأخبار.. وما يتناقله الناس فيما بينهم.. نجد مآسي.. وفواجع.. من قصص تشيب لهولها الولدان..

وسأنقل قصة واحدة من عشرات القصص المتداولة على الفيسبوك..

للإشارة إلى مدى تدني الأخلاق.. وفقدان حس الأمانة.. تجاه من أحسن إليه.. ومن أقرب المقلربين إليه...

🔅 ( عائلة قريبة لي نزحوا أثناء القصف على مدينة دوما وسكن في المنزل الفاخر شقيقة صاحب المنزل .. فإنها ستكون اكثر الناس حرصاً على البيت ..

لم ينسَ صاحب المنزل شقيقته من المصروف الشهري لها ولعائلتها ..

وعندما استطاع الرجوع للمدينة ليطمئن على المنزل وجد الأثاث الفاخر كله قد استخدموه بالتدفئة ..

غضب الأخ لأنه كان يرسل لها شهريا مصروفها كاملاً .. تركت الأثاث المصنوع من الخشب العادي واستخدمت الكنب المصنوع من الصدف الرهاج في التدفئة كسرته وأحرقته

عندما سألها : لماذا لم تستخدمي باقي الاثاث وتركتي هذا فكل كرسي منه كلفته ألف دولار ..وكنت أرسل لك المصروف شهرياً ؟

أجابته احتجناه للتدفئة )   ..!!!

( نقلا من صفحة إيمان خليل ) ...

قد يقول قائل: أنت كثيرا ما تقوم بعملية جلد الذات في مقالاتك..

أقول: إذا لم نتخلص من عيبونا.. ونتحرر من مساوئنا.. ونتنظف من أخطائنا.. فلن ننتصر على عدونا..   


كما قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب:

نحن أمة لا ننتصر بالعدة والعتاد.. ولكن ننتصر بقلة ذنوبنا.. وكثرة ذنوب الأعداء..

فلو تساوت الذنوب.. انتصروا علينا بالعدة والعتاد... 


الخميس 19 ذو الحجة 1439

30 آب 2018

د. موفق السباعي

مفكر ومحلل سياسي


Farah News