د. مصطفى يوسف اللداوي: الهولوكوست إيذانٌ بالظلم وجوازٌ بالقتل

| 10.05,18. 09:03 AM |


الهولوكوست إيذانٌ بالظلم وجوازٌ بالقتل

بقلم د. مصطفى يوسف اللداوي


يريد الإسرائيليون من العالم أجمع، دولاً وحكوماتٍ، وأفراداً وجماعاتٍ، وأحزاباً وتنظيماتٍ، وقادةً ومسؤولين، وكتاباً وفنانين، وإعلاميين وقانونيين، وغيرهم من كل الفئات البشرية على مدى العالم كله والتاريخ بأكمله، أن يعترفوا بجريمة الأفران النازية والمحرقة اليهودية "الهولوكوست"، وأن يقروا بها زماناً ومكاناً، وألا يشككوا فيها أو يستخفوا بجرمها، وألا ينكروا وقوعها أو يكذبوا وقائعها، أو ينفوا حقائقها ويشككوا في أعداد ضحاياها، أو يستهينوا بمعاناة من قضوا فيها أو من نجوا منها، وإلا يفعلوا ذلك فإنهم سيتهمون بمعاداة السامية، وظلم أتباع الديانة اليهودية، والمشاركة في الجريمة الدولية، وبذا يستحقون الطرد واللعن، والسب والشتم، والحساب والعقاب، إلا أن يظهروا ندمهم، ويعلنوا توبتهم، ويتراجعوا عن خطأهم.


يطالب الإسرائيليون شعوب العالم كلها أن تقف احتراماً وإجلالاً لضحايا المحرقة، وأن تبدي أسفها على ما لحق بالجاليات اليهودية في أوروبا الشرقية، وما أصابهم من أذى وحل بهم من بلاء، وكأنهم يبرؤون أنفسهم من الأخطاء التي وقعوا فيها، والفتن التي أشعلوها، والمفاسد التي خاضوا فيها، ويحملون شعوب العالم كلها مسؤولية ما تعرضوا له، والمحنة التي نزلت بهم، وكأنهم شركاء مع النازيين في هذه الجريمة، يتحملون وإياهم المسؤولية، لذا فإن عليهم التكفير عن جريمتهم، والأسف على فعلتهم، وإبداء الندم على ما ارتكبوا في حقهم، وتعويضهم عما خسروا وفقدوا، وتقديم العون لهم تكفيراً، ومساعدتهم اعترافاً بالمسؤولية وتعويضاً عن المصيبة.


نحن لا نقبل بالظلم أبداً ولا ندعو له، ولا نشجع عليه ولا نسكت عنه، ولا ننكر محنة اليهود في أوروبا إبان الحرب العالمية الثانية، ولا ندافع عمن ارتكبها، ولا نشمت في ضحاياها، ولا نقول عنها أنها كذبة وفرية، وأنها مبالغة وتهويل، فهي بالنسبة لنا جريمة أياً كان حجمها، وأياً كانوا ضحاياها، فهم في حينها لم يكونوا أعداءً لنا، ولم يستوطنوا أرضنا، ولم يطردوا شعبنا، ولم يعتدوا على أهلنا، لذا فإننا لا ننكر محنتهم، ولا نقبل بظلمهم، ولا نمنعهم من الشكوى وإظهار الحزن والألم، ولا نطالبهم بالغفران والنسيان، والمسامحة والمصالحة، ولا نقول لهم سحقاً لكم ولا أسى على قتلاكم، وتستحقون ما حل بكم ونزل فيكم.


لكننا في الوقت نفسه لا نقبل أن تكون هذه المحرقة سيفاً مسلطاً على كل الرقاب، وعصا ثقيلة يلوحون بها في وجه كل من يرتفع صوته معادياً لسياستهم، أو معترضاً على ممارساتهم، أو رافضاً لسلوكياتهم، وداعياً إياهم للكف عن الظلم، والتراجع عن ممارسة الجريمة وحماية مرتكبيها، فقد استغلوا تعاطف الكثير من دول العالم معهم في إسكات أصواتٍ دوليةٍ معارضة لهم، وساهموا في محاكمتهم أو تسببوا في تجريدهم من حقوقهم وممتلكاتهم، وحرموهم من التمتع بحقوقهم والقيام بواجباتهم، وأجبروا الكثير منهم على حرق كتبهم والبراءة مما كتب فيها، والتراجع عن الكثير مما ورد فيها، إرضاءً لهم وخوفاً منهم.


لكن الكيان الصهيوني الذي يدعي المظلومية، ويشكو من مرارة المحنة، يمارس الظلم ذاته على الشعب الفلسطيني خاصةً ، وعلى شعوب الأمة العربية عامةً، فيعتدي عليهم ويستولي على أرضهم، ويصادر حقوقهم ويقتل أبناءهم، ويشرد أهلهم ويسلبهم ممتلكاتهم، ويزج بالآلاف منهم في سجونه ومعتقلاته، يسومهم فيها سوء العذاب، ويجرعهم في غياهبها الموت ألواناً، ويذيقهم الأسى فيها أصنافاً، ويعذب معهم أهلهم وأسرهم، ويضطهد أبناءهم وعائلاتهم، ويفرض عليهم عقوباتٍ تضنيهم واجراءاتٍ تزيد في معاناتهم، ويورثهم آلاماً تحملها أجيالهم وتعانى منها ذرياتهم، ويرفض أي صوتٍ ينتصر لهم أو يثور من أجلهم، أو يعلو للدفاع عنهم، رغم عدالة قضيتهم وجلاء حقهم.


ألا يشبه ما تفعله سلطات الاحتلال الإسرائيلي وحكومات كيانه المتعاقبة في حق الشعب الفلسطيني، ما فعلته النازية بحقهم، وما ارتكبته دول المحور في مجتمعاتهم، فهم يحاصرون شعبنا ويضيقون عليه سبل الحياة، ويحرموننا من أبسط سبل العيش الكريم والحياة الإنسانية البسيطة، إنهم يحرقون بيوتنا، ويسكبون المواد الحارقة في أفواه أبنائنا، ويشعلون النار في أجسادهم الغضة، ويلقون قنابلهم الحارقة على البيوت الآمنة لتقتل الأطفال والآباء والأمهات، وتمنع أحداً من مساعدتهم، في الوقت الذي تمنع فيه محاكمة المستوطنين المجرمين، وتحول دون إدانتهم أو معاقبتهم، وترفض محاسبتهم أو المساس بهم.


يبدو أن الكيان الصهيوني يريد أن ينتقم من العرب عموماً ومن الفلسطينيين خصوصاً لجريمة الهولوكوست، وكأنهم من حرضوا عليها أو قاموا بها، ويريدون من دول العالم أن تقف معهم وتؤيدهم في حربها عليهم،


وانتقامها منهم، وترى في أفعالها المشينة ضدهم عدلاً وانصافاً، وقضاءً وقصاصاً، إذ يحق لشعبهم "المظلوم" أن يثأر وينتقم، وأن يهنأ في الأرض ويستقر، وألا يتزعزع أمنه أو يمس بسوءٍ كيانه، الذي لا يقبل من دول أوروبا خاصةً أن تعترض عليه أو أن تدين سلوكه، وعلى هذه الدول أن تسلم للكيان الصهيوني بما يقوم به، اعترافاً منها بالخطأ، وإقراراً منها بالمسؤولية، ورغباً منها في التكفير والتعويض وإبداء الندم، ويطلبون من العرب والفلسطينيين أن يتفهموا مظلوميتهم، وألا ينكروا محرقتهم، وألا يهزأوا من معاناتهم، ويعلنون أن هذه هي شروط البراءة والقبول بهم شركاءً، والجلوس معهم للتفاوض، والاعتراف بهم قادةً.


بيروت في 9/5/8201

[email protected]





(Votes: 0)

Other News

عبدالرحمن مهابادي: مهندسي انتخابات عراق توسط رژيم ايران نگاهي به انتخابات جديد عراق قسمت 2-2 عبدالرحمن مهابادي: هندسة الانتخابات العراقية من قبل النظام الإيراني القاء الضوء علي الانتخابات العراقية الجديدة 2-2 محمد سيف الدولة: كيف تجرأ الصهاينة على المصريين؟ عبدالرحمنمهابادي: مروري بر اشغال عراق توسط رژيم ايران .. نگاهي به انتخابات جديد عراق قسمت 1-2 عبدالرحمن مهابادي: نظرة إلى احتلال العراق من قبل النظام الإيراني.. القاء الضوء علي الانتخابات العراقية الجديدة 1-2 د. مصطفى يوسف اللداوي: جريمةٌ عربيةٌ في القدس عبد المجيد محمد وكيل دادگستري: اقدام سركوبگرانه اينترنتي با حكم قضاييه المحامي عبد المجيد محمد حكم قضائي لقمع حرية الإنترنت زهير السباعي: هل تُحرق عاصمة الأمويين ويقطع رؤوس ساكنيها ؟ محمد سيف الدولة: حُماة الأمة الحقيقيون عبدالرحمن مهابادي: سجن "تليغرام" في إيران! هدى مرشدي: النساء العاملات مظلومات ولكن مصممات على التغيير هدي مرشدي: زنان كارگر، مظلوم اما مصمم براي تغيير مصطفى منيغ: إبليس عليها جالس هدى مرشدي: بمناسبة يوم العمال العالمي عبد المجيد محمد وكيل دادگستري: جنبش كارگري ايران و روز جهاني كارگر هدى مرشدي: على مدى جيل واحد ... د. إبراهيم حمّامي: حول اجتماع رام الله تحت مسمى المجلس الوطني عباس علي مراد: الانتخابات اللبنانية الرؤية الاخلاقية زهير السباعي: لماذا قرر اردوغان إجراء إنتخابات مبكرة ؟ مصطفى منيغ: زمان الميزان يطال الدكان د. إبراهيم حمّامي: عشرون شرطاً حتى تكون م ت ف وهياكلها ممثلاً للشعب الفلسطيني المحامي عبد المجيد محمد: الحركة العمالية الإيرانية واليوم العالمي للعمال محمد سيف الدولة: هل السلام فى وجدان المصريين؟ عبدالرحمن مهابادي: العمال الإيرانيون كارهون ومشمئزون من الدكتاتورية الحاكمة عبدالرحمن مهابادي، نويسنده و تحليلگر سياسي: كارگران ايراني از ديكتاتوري حاكم منزجر هستند! به مناسبت گرامیداشت روز جهانی کارگر عبد المجيد محمد وكيل دادگستري: آنكس كه تاريخ حقوق بشر را با خون خود نوشت! المحامي عبد المجيد محمد: الرجل ألذي كتب تاريخ حقوق الإنسان بدمه محمد سيف الدولة: لمن الولاء؟ للوطن ام للرئيس؟ د. مصطفى يوسف اللداوي: أهداف مسيرة العودة الكبرى بين الواقعية والعدمية مسيرة العودة الكبرى (8)