ماذا لو كان‮ »‬حزب الله‮« ‬سنياً‮ ‬أو مارونياً‮..‬؟

| 12.12,09. 07:11 PM |

 

ماذا لو كان‮ »‬حزب الله‮« ‬سنياً‮ ‬أو مارونياً‮..‬؟

نهاد الغادري

دعونا نخرج من لعبة المذهبية في‮ ‬الموقف من‮ »‬حزب الله‮« ‬وسلاحه‮ . ‬لنفترض أن‮ »‬حزب الله‮« ‬هذا هو حزب سني‮ ‬أو مسيحي‮ ‬وأن هدفه‮ ‬،‮ ‬في‮ ‬ما‮ ‬يعلن‮ ‬،‮ ‬هو تحرير فلسطين أو الدفاع عن لبنان من دون أن نغفل علاقته بدولة إقليمية سنية إذا كان من أهل السنة‮ ‬،‮ ‬أو أوروبية مسيحية تقابل إيران في‮ ‬الحالة الشيعية الراهنة إذا كان مارونياً‮ ‬،‮ ‬فما الذي‮ ‬يُقال‮ ‬،‮ ‬أو‮ ‬يجب أن‮ ‬يُقال‮ ‬،‮ ‬إذا تبدلت هوية السلاح ومصدر تمويله؟‮ .. ‬هل‮ ‬يكون حقاً‮ ‬مشروعاً‮ ‬لجماعة سنية أو مارونية أن تقيم تنظيمها السري‮ ‬المسلح باسم حماية البلد‮ ‬،‮ ‬في‮ ‬ظل الدولة‮ ‬،‮ ‬وأن تضع لنفسها أهدافاً‮ ‬بينها حماية الوطن من عدوان خارجي‮ ‬ومن أي‮ ‬جهة جاء‮..‬؟
نطرح السؤال على نحو مختلف‮ . ‬ماذا لو أن باكستان وهي‮ ‬دولة إسلامية سنية تملك القنبلة النووية‮ - ‬تملكها ولا تحاول امتلاكها‮ - ‬أنشأت في‮ ‬لبنان حزباً‮ ‬مسلّحاً‮ ‬سنياً‮ ‬إسلامي‮ ‬الهوية وطرحت تحرير فلسطين بمنظور دورها الإقليمي‮ ‬ومشاعرها أو عنوانها الإسلامي‮..‬؟
نعيد طرح السؤال بصيغة أخرى وبُعْد آخر‮ : ‬ماذا لو أن الفاتيكان وهو دولة المسيحية الدينية الأعظم‮ ‬،‮ ‬ناصر سراً‮ ‬أو علناً‮ ‬تنظيماً‮ ‬مسيحياً‮ ‬مسلحاً‮ ‬في‮ ‬لبنان‮ ‬يقوده سمير جعجع‮ - ‬مثلاً‮ - ‬بهدف تحرير القدس مهد السيد المسيح وكنيسة القيامة وارتهن شعب لبنان بكل أطيافه وطوائفه لهذا الهدف‮..‬؟
إننا نتحدث عن تنظيم مسلح‮ - ‬أيّ‮ ‬تنظيم ولأيّ‮ ‬طائفة انتمى‮ - ‬لا‮ ‬يخضع لسلطة الدولة ويتجاوزها إن لم نقل ويقضم من أرضها هنا وهناك‮ ‬،‮ ‬وكثيراً‮ ‬ما‮ ‬يمنعها من أن توجد أو تمارس سلطاتها‮ ‬،‮ ‬ثم‮ ‬يقيم هذا الحزب المسلح اتصالاً‮ ‬له مع خارج‮ ‬يغذيه ويتغذى به‮ ‬،‮ ‬ولا نتحدث عن حزب سياسي‮ ‬مدني‮ ‬غير مسلح‮ ‬يضع لنفسه هذه الأهداف وإلا لكان ذلك حقاً‮ ‬مشروعاً‮ ‬له لا‮ ‬يملك الاعتراض عليه أحد‮.‬
يطرح الموضوع سؤالاً‮ ‬آخر‮: ‬كيف‮ ‬يمكن إقامة دولة‮ ‬يسودها القانون في‮ ‬ظل تنظيم أو تنظيمات مسلحة من أي‮ ‬لون ولأي‮ ‬طائفة انتمى التنظيم أو انتمت التنظيمات‮..‬؟
في‮ ‬الواقع اللبناني‮ ‬يمكن القول إن للسلاح هدفين حقيقيين ؛ هدفاً‮ ‬لبنانياً‮ ‬في‮ ‬الداخل وآخر إقليمياً‮ ‬في‮ ‬المنطقة‮ . ‬فأما الهدف اللبناني‮ ‬فتعديل الصيغة بحيث‮ ‬يغدو‮ »‬حزب الله‮« ‬،‮ ‬أي‮ ‬طهران‮ ‬،‮ ‬الشريك الأساسي‮ ‬والأول في‮ ‬الدولة اللبنانية ومجتمعاتها تمهيداً‮ ‬لإقامة نظام الولي‮ ‬الفقيه على الأرض اللبنانية أو جزء منها‮ ‬،‮ ‬ولم‮ ‬يُخْفِ‮ ‬هذا السيد حسن نصرالله حين أعلن أنه‮ ‬،‮ ‬وحزبه طبعاً‮ ‬،‮ ‬ينتمي‮ ‬عقائدياً‮ ‬لولاية الفقيه‮ . ‬وأما الهدف الإقليمي‮ ‬فورقة ضغط بيد طهران في‮ ‬لعبة المفاوضات والتسويات مع الغرب‮ . ‬ويجيء موضوع فلسطين مجرد عنوان‮.‬
نعيد طرح السؤال من جديد‮ : ‬هل‮ ‬يمكن إقامة دولة وطنية‮ ‬،‮ ‬أي‮ ‬دولة وفي‮ ‬أي‮ ‬بقعة من الأرض‮ ‬،‮ ‬بازدواجية السلاح الذي‮ ‬هو حق الدولة الوطني‮ ‬والحصري‮..‬؟
تؤكد تجارب التاريخ وعلم السياسة أن قوة السلاح هي‮ ‬التي‮ ‬تقيم الدولة وتصونها وتفرض أمنها وتحمي‮ ‬صيغتها أو تفرض صيغتها‮ . ‬يستوي‮ ‬في‮ ‬ذلك أن‮ ‬يكون السلاح في‮ ‬يد حزب ديني‮ ‬أو مدني‮ ‬،‮ ‬إلهي‮ ‬أو بشري‮ ‬،‮ ‬لأن حَمَلََتَه في‮ ‬نهاية الأمر ليسوا من نسيج آخر‮ . ‬إنهم كغيرهم أصحاب مصالح‮ . ‬وقد طالما أغرى السلاحُ‮ ‬صاحبَه باستخدامه لأنه‮ ‬يمنح شعوراً‮ ‬بالقوة والتفوق على الآخر‮ . ‬ولم تقم الدول ومجتمعاتها والأنظمة التي‮ ‬حكمتها عبر التاريخ بغير الحروب أي‮ ‬باستخدام السلاح‮ . ‬هذا‮ ‬يعني‮ ‬أن الموقف من سلاح‮ »‬حزب الله‮« ‬ينسحب على أي‮ ‬تنظيم مسلح آخر‮ ‬،‮ ‬دينياً‮ ‬كان أم مدنياً‮.‬
طبعاً‮ ‬يجب التفريق بين أهداف الحزب وصيغة الدولة التي‮ ‬يحلم بها وهي‮ ‬ما‮ ‬يمكن مناقشته فتأييده أو رفضه‮ ‬،‮ ‬وبين مبدأ حمل السلاح لا سيما وأن صيغة الحزب مغلقة على مذهبيتها وبالتالي‮ ‬فإن السلاح‮ ‬يصبح قوة مذهبية لا قوة وطنية‮.‬
الشيء ذاته‮ ‬يُقال في‮ ‬أي‮ ‬تنظيم مذهبي‮ ‬آخر مسلح‮ . ‬يُقال في‮ ‬تنظيم القاعدة كما‮ ‬يقُال في‮ ‬التنظيمات الأخرى المماثلة وكلها أقرب في‮ ‬حقيقتها لعصابات مسلحة تحاول فرض جهلها وتصورها وصياغتها لحياة الناس ومستقبلهم‮.‬
طبعاً‮ ‬نتحدث في‮ ‬التعميم‮ ‬،‮ ‬لأن الفروقات تظل قائمة ما بين تنظيم وآخر‮ ‬،‮ ‬وهي‮ ‬فروقات تشمل الهدف الذي‮ ‬هو فرض صيغة الحياة وثقافتها على الآخر‮ ‬،‮ ‬كما تشمل العنوان الذي‮ ‬هو تحرير فلسطين أو مواجهة الخطر الخارجي‮ ‬إسرائىلياً‮ ‬كان أم‮ ‬غيره‮ . ‬هنا نتوقف قليلاً‮ . ‬في‮ ‬الدولة الوطنية‮ ‬يقوم الجيش الذي‮ ‬هو تعبير عن الإرادة الوطنية وصيغتها بهذه المهمة‮ . ‬لا‮ ‬يمكن أن‮ ‬يتولى هذه المهمة فريق آخر لأنه‮ ‬يعني‮ ‬اختصار الوطن ومصلحة مواطنيه جميعاً‮ ‬في‮ ‬حزب مغلق التنظيم والفكر ذي‮ ‬طبيعة مذهبية‮ . ‬أي‮ ‬إن مستقبل الناس على الأرض‮ ‬يفرضه فريق‮ - ‬أي‮ ‬فريق‮ - ‬على الآخر بالسلاح لا بالإقناع‮ . ‬يمكن دائماً‮ ‬توظيف قضية فلسطين في‮ ‬لعبة السلطة وهو ما حدث على امتداد تاريخ المنطقة بدءاً‮ ‬من انقلاب حسني‮ ‬الزعيم فما أعقبه في‮ ‬سورية وانتهاء بـ»حزب الله‮« ‬في‮ ‬لبنان مروراً‮ ‬بالعديد من بلدان العرب‮ . ‬
حتى صدام حسين رفع شعار تحرير فلسطين ثم ذهب إلى الكويت لتحريرها‮ . ‬وها هو ذا أحمدي‮ ‬نجاد‮ ‬يرفع الشعار ذاته ثم‮ ‬يقاتل بدم اللبنانيين أو الفلسطينيين أو اليمنيين‮ ‬،‮ ‬ولم‮ ‬يسجل التاريخ أن فارسياً‮ ‬واحداً‮ ‬من أنصار الولي‮ ‬الفقيه‮ - ‬دام ظله‮ - ‬قُتل في‮ ‬حرب من حروب تحرير فلسطين أو دعم شعبها‮ - ‬وما أكثر حروبها وانتصاراتها وأوهامها‮ - . ‬إنها لعبة القفز إلى السلطة والاحتفاظ بها بقوة السلاح لا بإرادة الناس‮ ‬،‮ ‬وبقدر ما تحتاج السلطة للوصول أو البقاء إلى السلاح تحتاج إلى مشروع قضية وعنوان‮ ‬،‮ ‬وقد طالما وظف المغامرون من كل المذاهب والاتجاهات قضية فلسطين للقفز منها إلى السلطة والاحتفاظ بها‮.‬
السلاح وحده هنا وسيلة الإقناع‮ . ‬إنه‮ ‬يغري‮ ‬حامله باستخدامه‮ . ‬يمنحه شعوراً‮ ‬بالقوة والتفوق على الآخر‮ . ‬بتعبير أوضح‮ : ‬السلاح في‮ ‬غير‮ ‬يد الدولة‮ ‬يلغي‮ ‬الديموقراطية ليقيم دولة الرأي‮ ‬الواحد والقهر‮ .. ‬من دون أن ننسى أن السلاح الشرعي‮ ‬كثيراً‮ ‬ما ألغى الديموقراطية أيضاً‮ ‬في‮ ‬البلدان المتخلفة كما حدث في‮ ‬أنظمة الانقلابات العسكرية التي‮ ‬يحرر بها الانقلابيون فلسطين كل‮ ‬يوم ويزيدون شعوبهم فقراً‮ ‬وقهراً‮ ‬كل ساعة.؟
أمة تبتكر هزائمها وتستزيد كل‮ ‬يوم من أسباب تخلفها‮ . ‬وهي‮ ‬في‮ ‬عجزها عن صنع مستقبلها بأدوات العلم وحقائق العصر وأحلام المستقبل تستحضر من تاريخها بعض حقائقه وكثيراً‮ ‬من أكاذيبه وأوهامه ومعه‮ - ‬معها أصنامه‮ - ‬أصنامها وطغاتها الجدد‮.‬
أخيراً‮ : ‬السلاح في‮ ‬غير‮ ‬يد الدولة هو المرفوض وليس حامله الشيعي‮ ‬أو السني‮ ‬أو المسيحي‮ ‬أو الدرزي‮ ‬أو أي‮ ‬مذهب أو دين آخر‮.

 



(Votes: 0)