دعوةٌ للعودة إلى كمال جنبلاط.. تتخطى الشعارات نحو النهج والممارسة

| 11.12,09. 02:06 AM |

 

دعوةٌ للعودة إلى كمال جنبلاط.. تتخطى الشعارات نحو النهج والممارسة

صالح حديفة

 تأتي ذكرى ميلاد كمال جنبلاط هذا العام مليئةً بضرورات العودة إلى المخزون الهائل من الفكر السياسي والاجتماعي والأدبي والروحي والأخلاقي، الذي خلّفه المعلم الشهيد تراثًا وإرثًا عظيمين وثقيلين في آن.فالعظمة في إرث وتراث كمال جنبلاط لا تحتاج شهادةً يومية، إذ كرّستها شهادة التاريخ عنوانًا حقيقيًا لطريق الصلاح والإصلاح ولتغيير الواقع القائم لبنانيًا وحتى عربيًا إلى عالم أفضل.

 

أمّا ثقل الإرث والتراث فيعود إلى كبر عَظَمتهما، وإلى عظيم المسؤولية الملقاة على أصحاب هذا الإرث وعلى حاملي هذا التراث، ليس إلا.


ليس في الأمر تعابير شعرية، قد تكون مستحبةً جدًا في مخاطبة المعلم بذكرى ميلاده لما تحمله من عواطف ومعاني الإجلال والتقدير، بل هو توصيف واقعي جدًا لما اختزنته عصارة الفكر الفلسفي لرجل استحق لقب المعلم، وكرّسه هو بشهادة الدم.


في ذكرى ميلاده هذا العام، تتزاحم معاني استشهاده قائدًا عربيًا حمل فلسطين قضيةً وأمانةً في عنقه الذي لطالما لفّه بالكوفية الفلسطينية. فمستقبل الأمور وفق المنحى الذي تسير به اليوم، لا يوحي مطلقًا بأي احتمال ولو ضئيل لنجاح المساعي التفاوضية بشأن قيام دولة فلسطين، بل وبكلّ أسف فإن هذا المسار التفاوضي لم يؤدِّ حتى الآن إلا لمزيد من التنازلات على مستوى الحقوق العربية، دون تحقيق أي تقدم يذكر في أي من المجالات، ما يحتّم طبعًا إعادة نظر بنيوية في التوجه العربي العام، وضرورة التحوّل نحو سياسة عربية جامعة توقف النزف الحاصل على مستوى حق الشعب الفلسطيني في قيام دولة فلسطينية قابلة للحياة، وتسمح بالحفاظ على ما تبقى من مقومات عيش هذا الشعب داخل الأراضي المحتلة وعودة شتاته، واسترجاع ما تبقى من أراضٍ عربية محتلة بالحدّ الأدنى.


لبنانيًا، تتأطر هذا العام الحاجة إلى مفاهيم كمال جنبلاط في ميادين السياسة والاقتصاد والمجتمع والأخلاق والآداب، بعد أن بات لبنان ـ ومثله العالم ـ يفتقر لأدنى حدود التعاطي الصحيح في شتّى المجالات.


وكي لا يتحول الحديث تأبينًا لواقع الحال وتغنٍّ بالمعلم الشهيد حصرًا دون تقديم أي جديد، تلفت أوساط سياسية عايشت كمال جنبلاط ـ وتعيش ألمًا اليوم لواقع الحال السياسي ـ إلى الضرورة الملّحة لإعادة تجديد روح كمال جنبلاط في الأوساط اللبنانية كافة، وعلى وجه التحديد في صفوف أجيال الشباب، لما لذلك من أهمية قصوى في إعادة انتاج فكري لهؤلاء الشباب بعد أن تقاذفتهم أمواج المرحلة السياسية المنصرمة العاتية في عباب الصراعات المذهبية، وأدخلتهم في أتون الأحقاد والعصبيات المقيتة، بما حفلت به من توتير غير مسبوق.


الأوساط السياسية نفسها، تشدد في هذا المجال على أهمية الانطلاق ممّا رسمه كمال جنبلاط في البرنامج الإصلاحي للحركة الوطنية سابقًا، الذي ما زال حتى اللحظة يشكّل الأرضية المناسبة للانطلاق نحو واقع سياسي وطني سليم، ينقض سلبيات المراحل السابقة ويبني على ما وجد فيها من إيجابيات، على أن يتم تحديثه وفق الظروف المعاصرة، مع تأكيد أهمية الشروع في بناء المجتمع اللبناني الوطني البعيد عن حسابات الطوائف والملل والعائلات والنزاعات، بل المجتمع اللبناني القائم على مفهوم الانتماء إلى الدولة، وعلى الإيمان بمؤسساتها المبنية على اسس العدالة والقانون لا وفق ما يسودها اليوم من حالات هيستيريّة من الفساد والتجاذبات والزبائنية وما شاكل. وفيما يأخذ الجدل القائم حول إلغاء الطائفية السياسية حيّزًا مهمًا من الحراك السياسي المحلي، معطوفًا على جدل آخر قائم منذ مدة حول السلاح خارج إطار قوى الجيش اللبناني والأمن الداخلي، يغيب بكل أسف الهمّ المعيشي والاجتماعي عن اهتمامات القوى السياسية بمعظمها، رغم كونهم جميعًا يزايدون في الحديث عن ضرورة معالجة هموم المواطنين، دون أي تصرف جدّي منهم في هذا السياق.


وبناءً عليه، تدعو الأوساط السياسية المخضرمة إلى جعل المرحلة المقبلة محكومة بعنوانين أساسيّين: الحوار في المواضيع السياسية، والتعاون في معالجة أمور المواطن الحياتية. وهي بذلك تؤكد أن الأيام القادمة لا تحتمل مزيدًا من تضييع الوقت في أمور خلافية لن تحلّ بأي من الأساليب التي اعتمدت في السنوات الأربع الماضية، بل إنها تشدد على وجوب الانطلاق في أسلوب مختلف في مقاربة المواضيع الشائكة على تعددها وإبعاد النقاش فيها عن المزايدات الإعلامية والشعبوية، بعدما أدى هذا الأسلوب إلى ما أدى إليه من تطورات خطيرة كادت أن تطيح بالبلاد والعباد. هذا التشديد، يواكبه حرص على عدم تمييع معالجة هذه المواضيع الخلافية، وعلى عدم جعل الحوار حولها إن على طاولة الحوار الوطني أو ضمن المؤسسات الدستورية مجرد تقطيع للوقت، بل أن يكون هذا الحوار جادًا في أقصى حدوده للوصول إلى حلول أو تفاهمات حول هذه النقاط. أما هموم المواطنين وشوؤونهم وشجونهم، فيجب ان تأخذ الحصة الأكبر من العمل الإجرائي والتنفيذي بالتزامن مع مواكبة تشريعية بما يحتاجه تنفيذ هذه المشاريع الحياتية من قوانين وتشريعات لازمة، على أن يكون الهمّ الأول والأخير تأمين العيش الكريم واللائق للمواطن اللبناني، مع ما يعنيه ذلك في مجالات الطاقة والمياه والكهرباء والصحة والتعليم والسير وضمان الشيخوخة وغيرها من قضايا الناس اليومية الضرورية الأساس.


في ذكرى ميلاد كمال جنبلاط، يأمل هؤلاء السياسيون الذين عاصروه أن يكون مناسبةّ لميلاد جديد للبنان، يبعث الأمل بمستقبل واعد بعيد عمّا حفلت به المراحل السابقة من سلبيات ويختزن فيه كل إيجابيات تحققت، على ان يتوّج بهدوء إقليمي يسمح للبنانيين بقضاء فترة هادئة تعيد إليهم أمانًا وأمنًا ورخاءً فقدوهم بفعل التوتير الذي عاشوه في ما مضى من سنوات تحت ضغط الحروب والاغتيالات والإشكالات والأحداث، عسى ألا تعود. ويختم السياسيون عينهم بمطالبة صريحة وواضحة لاستثمار المرحلة الآتية في سبيل تعزيز الوضع الداخلي اللبناني سياسيًا واجتماعيًا واقتصادياً داخليًا وخارجيًا، وإذ يذكّرون بما زخر به تراث كمال جنبلاط من مبادئ العروبة المنفتحة، وتأكيد خصوصية لبنان واستقلاله ضمن العالم العربي، ومناصرة القضية الفلسطينية، والاهتمام بمطالب طبقات الشعب كافة، يسألون أن لا تقتصر "العودة المطلوبة" إلى هذا التراث على الشعارات والخطب والتصريحات، بل أن تكون عودة حقيقية يحكمها النهج والممارسة.



(Votes: 0)