الأديبة أمان السيد: للمرأة نكهتها

| 08.03,18. 10:07 PM |


للمرأة نكهتها


الأديبة أمان السيد


أية امرأة تلك التي يحتفون بها اليوم في عيد تصادف، أو عساه رتّب له ليأتي مع تباشير الربيع في البلدان المشرقية على الأخص ليحكي من الحكايات ما يدمع؟!


وأية امرأة مشرقية تلك التي تنسّب إلى الفرح عالميا، وهي ما تزال ترزحُ تحت قيود الذكورية التي تعمل فيها نهبًا وسلبًا وحرقًا وتخريبًا، ولعلّي حين أقول المشرقية أقف على العربية مسلمة، وغير مسلمة، أولئك اللواتي يبدو أن ذكورهُنّ قد تقارعوا كؤوس الفكرة ذاتها، وتعرفوا القوامة بالسّطوة مع حلو المعسول، ودبق شراب لا يخفى منه المفعول إذا ما كُويَ بالسكر، وبالرحيق المذاب!


هو أشبه بمن ينهجون نهج السّاديّة في الحب، ويستمرؤون السّوط الذي يتزيى بِزيّ سندسيّ رَبقٍ يُسدل على المرأة بكافة منحدراتها ومنابتها، فيزيغ منها البصر إلى أن تسقط في المصيدة الحريرية التي فرشت أرضها بشوك، وإبر تبدأ من العناق، وتنتهي بكسر العنق إذلالا، وتحميل الكاهل ما لا يطيق، بينما الذكر يتفرج، ويثري الشراب بخمره متنصلا من أبسط أعباء القوامة التي تَوقّف منه التفكير والنظر بين كلمتيها الأولى، والرابعة التي تأتي على ذكر " النساء"، فأطلق تخيله عبر صورة محدودبة يمتطي فيها ذاك الكاهل، ثم يمشي يدعّه دعًّا، وكأني بذاك الكاهل قد تحول حقًّا إلى ظهر ناقة، أو ظهر حمار، إن قصدنا التجاوز في هذا ما يحمله التوصيف من التقدير للكائنين المذكورين اللذين التزما بما كلّفا به.


أما عن بقية الآية الكريمة، فيبدو أن صاحبنا الذكر المُتأسلم قد أغفلها قصدًا بحيث لم يعد يعنيه من الجملة إلا كونها خبرية تختزله كمحور في مبتدئها وخبرها، أما اسم الموصول الذي يأتي في السياق ليصل ما سيأتي بما استهلّت به، والذي يشرح ويوضح المرمى السامي الذي ربط القوامة بمسبباتها وأسبابها، فهو لا يعنيه في شيء، بل على العكس تماما، فإنه يُجيّره لصالحه، ويسوقه في مركبه أيضا، إذ يستطرد في السَّوق إلى ناحيته ومبتغاه " بما فضّل الله بعضهم على بعض"، فيجد في التفضيل تمييزا ذكوريًّا جديدًا مُتكئًا على " ميم " الذكورة غير متنبّهٍ مطلقًا أنّ " بعض" قد جاءت غير مخصصة بنون النسوة، ولعلها تحمل حكمة بليغة مستترة لعاقلٍ يجدّ في البحث عنها، أما تسلسل الآية الكريمة " بما أنفقوا " ففيها يكمن لبُّ الصاعقة، والزلزال، وجوهرهما الذي يفجّر جدلا لا تشبع من غَرفهِ الأحاديث!


فأين ذاك الذكر الذي ينفق كما كان ينفق رجل زمان، وكما كان ينفق شيخ القبيلة وسيد الأسرة، والعصر الكائنون نحن فيه يتأجج بين هذا وذاك، بين ثقل في الإنفاق وضغوط، وكوارث في الحياة تجعل من المرأة، لا نصف المجتمع، بل أغلبه، المرأة التي أفرطوا


بتحميلها بالشعارات الصاخبة من استقلال، وتحرّر، ونجومية، وريادة، ألقاب لا تحصى دفعوها بها دفعًا إلى سبل الشقاء والإشقاء، ما بين كدح في العمل لا يمنعها داخل البيت عن خارجه، وما بين كدح لنفسها حتى تتخلص من قبضة زوج متهور مستغل، أو لا مبال لتحفظ كرامتها وكبرياءها، ذاك الأمر الذي استوى تحت رايته من يلجأون إلى الشريعة بعناوينها العريضة، ومن يتجنبونها، ولا فرق كما أسلفنا بين واحد منهم وآخر ينتمي إلى معتقد مختلف، فالأهم هو معتقد الذكورية، لا معتقد التدين، ولا معتقد التثّقف، ولا معتقد الانفتاح.


شتان ما بين امرأة وذكر، امرأة تَلدُها أقدارٌ تسلبها سلامها، فتصيّرُها لاهثة كمبضع جراح في كيان متعفن، لم تسلم من الحروب التي أَركبتها الأمواجُ وحشيتها، وألقت بها في أقاصٍ من الأرض لا تمتُّ إليها بصلة، فحولتها إلى بركان خمد تحت جلد ما لبث أن انفلت في متسع سمح له بالانفلات، والجريان، فكان بانتظاره ذكر بالتشنيع والتقبيح، والبتر، والإقصاء.


بعض من صور رأيناها جديدة في المنافي التي بعثرت السوريين، وعائلاتهم، فكان مثالها ذكران، أبٌ وابنه يتباهيان على الملأ بقتل شريكة الحياة، وأمّ تلك النطفة التي حملتْها علقةً، فمضغةً، فجنينًا، فذكرًا يتدرّجُ للخليقة، يشهد لهما الّدم والعيون التي نفقتْ منها الرحمة، وشتان ما بين امرأة وذكر يُلقّمها تمرّده، ونزقه بوقاحة المجادل لغير الحق، فتطوي بين جنبيها ألم الصمت بترفّع العاقل كي تمرّر عيشًا يراهُ غيرهما غير سائر، لكنها تجهد تؤطره مرة بإطار ذهبي، وأخرى بفضيّ حتى إن خوت الراحتان جاءت بمسلّة الحكمة، وراحت تخيط له إطارا من وَهْمَ شمسٍ تبتهل لها أن تشرق، تمضي تحدّق فيها بيد تقبض على روح لا تهدأ.


لا يدركون أنّ للمرأة عيدًا حقيقيًّا هي التي تحدّد نكهته، وَوَسْمَهُ، وهي التي تحيكُ خيوطه، وهي التي تقبضُ عليها متى أرادتْ، وتفلتها متى أرادت، وأنها كما تتحسّسُ ربيعها قبل أن يفاجئها، تتحسّسُ المطر حين يحبو، وتتحسّسُ الغضب قبل أن يسقط، والموت قبل أن يدلف، فتتقي بدرع من حديد ما تعجز عنه كفُّ أعتى ذكر جبّار!




(Votes: 0)

Other News

محمد سيف الدولة: التطبيع بين الثورة والثورة المضادة د. مصطفى يوسف اللداوي: القدسُ لا يشطبُها قرارٌ ولا ينقلُ ملكيتَها تاجرٌ فادي قدري أبو بكر: ما وراء الاهتمام الروسي المتزايد بلبنان عباس علي مراد: أستراليا.. الطبقة السياسية تضيع البوصلة هدی‌ مرشدي: عصفورين بحجر واحد في الشرق الأوسط.. هنا سورية .... رواد جمال سكاف: يحيى سكاف ،، ضمير الأحرار ،، ٤٠ عاماً ينشد لحن المقاومة د. مصطفى يوسف اللداوي: تصريحات الجبير مستنكرةٌ ومواقفه مستقبحةٌ زهير السباعي: محرقة الغوطة والصمت الدولي حيالها ؟ محمد سيف الدولة: فرحة (اسرائيل) وغضب المصريين د. مصطفى يوسف اللداوي: الأعياد اليهودية مآسي وآلامٌ فلسطينية عبدالرحمن مهابادي آيا صداي درهم شكستن استخوانهاي: ديكتاتور را ميشنويد؟! ..نگاهي به مواضع اخير خامنهاي در رابطه با قيام مردم ايران عبدالرحمن مهابادي هل تسمعون أصوات طقطقة عظام الدكتاتور ؟ .. نظرة الى مواقف خامنئي الاخيرة فيما يتعلق بانتفاضة الشعب الإيراني النفط الإيراني في يد قوات الحرس بالإضافة لقمع الانتفاضة د. مصطفى يوسف اللداوي: تحية للعلم الفلسطيني المقاوم زهير السباعي: هل انتصرت روسيا في سورية ؟ د. مصطفى يوسف اللداوي: يا عقلاء فتح أخرسوا عزام الأحمد عبدالرحمن مهابادي، نويسنده و تحليلگر سياسي: نقش زنان ايراني در قيام مردم براي آزادي عبدالرحمن مهابادي: دور المرأة الإيرانية في انتفاضة الشعب الإيراني من أجل الحرية د. مصطفى يوسف اللداوي: إسرائيل تبكي ضياع السلام وتشكو فقدان الشريك محمد سيف الدولة: مصر تضفى البهجة على قلوب (الاسرائليين) عباس علي مراد: أستراليا.. فضيحة جويس وتداعياتها السياسية والوطنية زهير السباعي: موسكو واشنطن والصراع على الكعكة السورية د. مصطفى يوسف اللداوي: ابتسامة عمر العبد لا تطفئها المؤبدات الأربعة عبدالرحمن مهابادي، نويسنده و تحليگر سياسي: جهان براي ”سقوط ديكتاتور در ايران” آماده مي‌شود! عبدالرحمن مهابادي: العالم يتجهز لسقوط الدكتاتور في إيران د. مصطفى يوسف اللداوي: عزام الأحمد يستخف بغزة ويكذب على أهلها بقلم: عبد المجيد محمد وکیل دادگستری: حقوق بشر سوگوار شد المحامي عبد المجيد محمد: حقوق الإنسان أصبحت حزينة د. مصطفى يوسف اللداوي: آمالٌ شعبية على قمة القاهرة الغزاوية المحامي عبد المجيد محمد: لا اريد ان اكون اكثر من طالب ديني للعلم