المصالحات التي جرت انقذت لبنان من الفتنة

| 09.12,09. 09:16 PM |

 

المصالحات التي جرت انقذت لبنان من الفتنة


 

بقلم ناصر زيدان

 في مثل هذه الايام من العام الماضي، وبالرغم من اتفاق الدوحة الذي جرى برعاية عربية واقليمية في ايار 2008، كان لبنان يمرُّ بظروف صعبة ومعقدة، وكادت الفتنة تدخل الى كل منطقة ومدينة وقرية، بل والى كل حي.وكان الاستنفار السياسي والطائفي والمذهبي في اوجه، وكاد حادث سير يحصل لشخص في منطقة لا ينتمي اليها، ان يشعل حرباً مذهبية او غير مذهبية.

في مثل هذه الايام من العام الماضي، كان التوتر في اوجه بين بعل محسن وباب التبانة في طرابلس، وبين تعلبايا وتعنايل في البقاع، وبين الضاحية وجوارها في الجبل وبيروت. واقترب السيناريو العراقي الدامي من ان يعرض مشاهده في شوارع بيروت ، وباتت لعبة الدم قاب قوسين او ادنى، تنتظر انطلاق الصافرة... ولولا تدخل العقلاء، وفي المقدمة الرئيس سعد الحريري، وزيارته الميدانية الى طرابلس، راعياً للمصالحة بين ابنائها، كذلك لقائه التاريخي بتوقيته مع السيد حسن نصرالله امين عام حزب الله. لدخلت الفتنة الى حلبة الصراع بكلِ ثقلها وصَعُب بعد ذلك العودة الى الوراء، حيث داخل الحلبة يتطلع كل فريق الى تحقيق الفوز ، دون التطلع الى العواقب الاخرى.


جرى ذلك بعد ان اطلق الاستاذ وليد جنبلاط رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي،  المبادرة تلوى الاخرى، في سياسة فكفكة صواعق متفجرات الفتنة، عبر المصالحات واللقآت التي اجراها، وعمل لها ميدانياً في ضل اجواء غير مؤاتية، يسودها التعصب والكثير من الحقد. لاسيما لقاءاته مع الرئيس نبيه بري وكوادر حزب الله وفي طليعتهم السيد حسن نصرالله. في سياسة تستلهم من كمال جنبلاط فنُّ التسوية، التي كانت احدى اهم ركائز نهجه الوطني.


وفي ذكرى ميلاد المعلم كمال جنبلاط، هذا المارد الذي نظر الى لبنان كوعاء حضاري يجمع فسيفساء متنوعة. خاف على وحدته، فناضل معضم سنوات حياته من اجل بقاء هذه الوحدة في الاطار العربي، وعلى مسلك التطور الديمقراطي المنشود. وكانت التسوية اساساً في نهجه السياسي ، حيث احترام الآخر، والتلاقي معه في منتصف الطريق، فالتسوية فن التعايش مع الآخرين... والتسوية انصاف... والتسوية عدالة،( وان عدلتُ مع غيري عدلتُ مع نفسي)   .


وفق هذه المقاربة، تجاوز وليد جنبلاط المحطات القاسية، والالغام المزروعة على طريق المصالحة...  من محطة اغتيال الزيادين الى فتنة السكاكين واستشهاد لطفي زين وما اعقبها، الى غيرهما من  الاحداث. وذلك بالتصميم على استكمال عقد الصلح والتسوية، حفاظاً على لبنان ومستقبل ابنائه، وتحييده ما امكن عن صراعات المنطقة وتعقيداتها. رغم افتقاده لعطف معظم حلفائه، ومواكبتهم له في خطواته هذه.  وعقدُ التسوية مع الشريك اللآخر في الوطن، لم يَكن ابداً انقلاباً على مواقف سابقة، حققت الغرض منها، انما من اجل درء اخطار وجودية كانت تُحدق بكل اللبنانيين دون استثناء. ونجح في اشاعة الاسترخاء حتى قبل ان تجري انتخابات حزيران، التي اظهرت الى العلن مدى الاحتقان المذهبي الذي كان سائداً.


ولاحقاً، ورغم الصعوبات التي سبقت تشكيل الحكومة الجديدة برئاسة سعد الحريري.انقضى صيف، كان الاكثر هدوءً، منذ عدة سنوات، بفضل السياسة التصالحية هذه،  والتي ترافقت مع القمّتين اللتين عقدتا بين الملك عبدالله بن عبد العزيز والرئيس بشار الاسد، في كل من جدة ودمشق على التوالي.


اما المشهد الآخر من اللقاءات والمصالحات التي جرت قبيل تشكيل الحكومة وبعد تشكيلها، لاسيما الاجتماعين المنفصلين بين الاستاذ وليد جنبلاط وكل من النائب سليمان فرنجية، والعماد ميشال عون، برعاية الرئيس ميشال سليمان في قصر بعبدا، وتلاها مباشرةً لقاء العماد عون مع البطريرك صفير والمطارنة الموارنة في بكركي، كان لهذه اللقاءات وقعاً كبيراً ، وانعكست ارتياحاً واضحاً على الساحة السياسية. خاصة انها على عكس ما ضنَّه البعض، لم تكن موجهة ضد احد، ولا هي كما قيل في تفسير سطحي مُغرض، تسديدا مسبقاً لفاتورة  زيارة قد يقوم بها جنبلاط الى دمشق.


وسيكون لهذه اللقاءات متابعة، خاصة بعد ان تم تشكيل لجنة مشتركة، بين الحزب التقدمي الاشتراكي والتيار الوطني الحر، مهمتها وضع خطة مشتركة لاستكمال المصالحات في الجبل، وتدعيم مسيرة العودة، والعمل على تشجيع الاستثمارات،وزيادة نسبة المقيمين في القرى الجبلية، التي يهجرها اهلها بسبب ضيق سبل العيش، وعدم توفر مقومات الحياة من جوانبها كافة.

 



(Votes: 0)