د. مصطفى يوسف اللداوي: ابتسامة عمر العبد لا تطفئها المؤبدات الأربعة

| 18.02,18. 04:04 PM |



ابتسامة عمر العبد لا تطفئها المؤبدات الأربعة





بقلم د. مصطفى يوسف اللداوي

واثقاً جرئياً رابض الجأش قوياً كان تحت قوس محكمة الظلم الصهيونية، وأمام قضاة البغي الإسرائيليين، لم يخف أنه محاطٌ بسريةٍ من جنود الاحتلال، ومكبلٌ بالقيود والسلاسل والأغلال، وممنوعٌ عليه الكلام أو الاقتراب من أي فردٍ من عائلته، ورغم ذلك كله فقد كان باسم الثغر وضاء المحيا، يضحك بكبرياء ويقف بزهوٍ وعلياء، لا يبدي ندماً ولا يظهر خوفاً، ولا يستجدي قاضياً، ولا يطلب الصفح من الطغاة، ولا يعترف أمامهم بأنه مذنبٌ إذ قاتلهم، أو أنه أخطأ إذ قاومهم، وارتكب جريمةً إذ قتلهم، وقد وثقت عدسات المصورين وِقفته، وسجلت كبرياءه، وأظهرت ابتسامته، وكانت شاهدةً على استعلائه وشموخه، وعلوِ صوته وإصراره على عمليته، واعترافه مفاخراً بها، مزهواً بنتائجها.


إنه الشاب عمر العبد ابن بلدة كوبر غربي مدينة رام الله، منفذ عملية حلميش التي قتل فيها ثلاثة مستوطنين وأصاب رابعةً بجراحٍ خطيرة، وكان قد نجح في الحادي والعشرين من يوليو/تموز عام 2017 في الدخول إلى مستوطنة حلميش شمال غرب مدينة رام الله، فأثار بعمليته الرعب بين الإسرائيليين، وأربك الأجهزة الأمنية وكبار ضابط جيش الاحتلال، إذ أرعبهم كثيراً أن يقوم شابٌ بمفرده بمثل هذه العملية النوعية، فينفذها بحرفيةٍ عاليةٍ، ويتأكد من نجاحه في الوصول إلى أهدافه، قبل أن يتوارى عن الأنظار مبتعداً، ويختفي عن العيون التي تراقب وتلاحق، وتنسق وتتبادل المعلومات.


لعل الفلسطينيون يذكرونه جيداً، فهو أحد الذين هبوا من أجل القدس، وثاروا دفاعاً عن حرمة المسجد الأقصى، وأبدى غضبه من الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة على الفلسطينيين عموماً وعلى حرمة المسجد الأقصى على وجه الخصوص، لذا فقد عزم على الانتقام لشعبه والثأر غيرةً على القدس والأقصى، ودون قبل أن ينطلق على صفحته على الفيسبوك وصيته، ومضى بهمةٍ وعزمٍ وهو يعلم أنه قد يقتل أو يعتقل، وما كان يظن أنه سيتمكن من الخروج من المستوطنة المحصنة سالماً، ورغم ذلك ما تردد ولا تراجع عن عزمه الذي انطلق لأجله، علماً أنه ما كان يحمل بيديه غير السكين التي استخدمها في طعن المستوطنين الأربعة.


غضب ليبرمان وزير حرب العدو وجنرالات وضباط جيش الاحتلال وأعضاءٌ في الكنيست الإسرائيلي من ابتسامته، وَعَدُّوها سخريةً بهم واستهزاءً منهم، ولامبالاةً بمحكمتهم، وعدم اكتراثٍ بحكمهم، فاغتاظوا كثيراً منه وانتابهم من طمأنينته قلقٌ كبير، وخوفٌ من ثباته غير قليل، وهو البسَّام أمامهم، الشامخ بينهم، العالي الجبين رغم أغلالهم، العنيد رغم بطشهم، الواثق رغم قوتهم، القوي بمفرده رغم كثرة عددهم ووفرة سلاحهم، فطالب الناقمون عليه الغاضبون من ابتسامته، تنفيذ حكم الإعدام فيه، علَّ الإعدام يقتل بسمته ويطفئ بريق الأمل في عينيه، ويسكت صوته العالي، ويطمس حقه المتين وينهي حلمه المبين ووعده الأمين.


لكن قضاة محكمة الاحتلال العسكرية لم يكتفوا بإصدار حكمٍ بالسجن على عمر مدة أربعة مؤبداتٍ، بل ألزموه بدفع غرامةٍ ماليةٍ باهظة تتجاوز قيمتها نصف مليون دولار أمريكي، وذلك تعويضاً لعائلات المستوطنين الثلاثة الذين قتلوا، وللرابعة التي أصيبت بجراحٍ خطيرة، وأوصوا بألا يتم الإفراج عنه ضمن أي صفقةٍ كانت، ولا أن يشمله أيُ عفوٍ قادم، ورغم هذه الأحكام القاسية، وهذا الحقد البيِّن الجلي، إلا أن البسمة لم تغادر محيا عمر، وكأنه يستهزئ من سجانيه ويقول لهم قسماً بالله سأخرج من سجنكم، وسأحطم قيودكم، وسـأنزع الأغلال رغم أنوفكم، وسأنعم وبلادي بالنصر والحرية، وسترون قريباً بأم أعينكم ما أعدكم به يقيناً.


لعله ليس الوحيد من بين المقاومين الفلسطينيين الأسرى في سجون الاحتلال البغيض، الذين سبق محاكمتهم، ومثلوا مثله أمام قوس الظالمين، ووقفوا في المحكمة واثقين مطمئنين، واستمعوا ساخرين لحكم القضاة العسكريين، فما اهتز جنانهم، ولا رفَّ جفنهم، ولا ارتعدت فرائصهم، ولا قبلوا بأي مساومةٍ بينهم وبين عدوهم، بل تشهد السجون والمعتقلات الإسرائيلية غيره الكثير من الأبطال الذين أغاظوا القضاة بابتسامتهم، وأغضبوهم باطمئنانهم، وأخرجوهم عن طورهم ليقينهم بالحرية القادمة والفرج القريب.


وقد اعتاد قضاة المحاكم العسكرية الإسرائيلية الطلب من النيابة العامة العسكرية عرض صفقةٍ على المعتقلين، والدخول إلى المحكمة معترفين بذنبهم، ومقرين بخطأهم، ليصدر القضاة العسكريون حكمهم المخفف عليهم، علماً أن الحكم المخفف لا يعني أبداً العفو أو إصدار أحكامٍ بسيطةٍ، إذ أن أغلب أحكام الصفقات تتجاوز المؤبد الواحد وعشرات السنوات أيضاً، ولهذا اعتاد الأسرى رفض الصفقات، وعدم الخوض في مساراتها المهينة ودهاليزها الكاذبة المخادعة.


وسجل المعتقلون الفلسطينيون الذين كان آخرهم عمر العبد في المحاكم العسكرية الإسرائيلية أنصع الصفات، وأكثرها عزةً وكرامةً، وأبهاها وطنيةً وقوميةً، وأروعها بطولةً وتحدي، وهو الأمر الذي كان يغيظ الإسرائيليين دوماً، علماً أن بعض القضاة العسكريين الذين كانوا يغتاظون من بسمة الأسير وثبات جنانه وهو بين جنودهم المدججين بالسلاح مصفداً بالقيود والأغلال، يضيفون إلى حكمهم الصادر عليه ستة أشهر عقوبة الابتسامة، أو عقوبةً على ردوده العزيزة، وعباراته المستفزة، وتهديداته الخطيرة، ونظراته الواثقة وآماله الأكيدة بالنصر والعودة والتحرير وزوال الاحتلال ورحيل الإسرائيليين.   


إنه عمر الشاب الذي أتم قبل أيامٍ عامه التاسع عشر، فما أقعده صغر سنه وحداثة عمره، وما صده قلة خبرته وضعف إمكانياته ورداءه سلاحه، بل مضى واثقاً ونفذ قاصداً فالتحق بعمليته الرائدة بركب الأيقونات الفلسطينية الخالدة، والرموز الوطنية الباقية، فحفر بعمليته الجريئة اسمه بين المقاومين، وخلد ذكره مع الأسرى الأبطال والشهداء الكرام، فحق للشعب الفلسطيني أن يحفظ اسمه وأن يذكر فعله، وأن يفاخر بمقاومته ويزهو بعمليته، وليعلم العدو أن أمثاله من شعبنا الكثير، وأشباهه بيننا وفي أجيالنا أكثر، وأن أحداً من أبناء هذا الشعب لن ينس وطنه ولن يفرط في قضيته، ولن يتردد في الدفاع عنها والذود عن حياضها الشريفة وبقاعها المقدسة وأرضها الظاهرة وأقصاها المبارك.


بيروت في 18/2/2018


--

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته....

أرجو ممن يرغب في الرد أو التعليق على المقال المرسل، أن يراسلني على العنوان ...

[email protected]

أو على صفحتي الخاصة على الفيس بوك وهي ...

https://www.facebook.com/moustafa.elleddawi


شاكراً لكل من احب التعليق أو التعقيب، تاييداً او نقداً، استحساناً أو اعتراضاً ، آملاً أن تكون التعليقات ضمن الموضوع ...





(Votes: 0)

Other News

عبدالرحمن مهابادي، نويسنده و تحليگر سياسي: جهان براي ”سقوط ديكتاتور در ايران” آماده مي‌شود! عبدالرحمن مهابادي: العالم يتجهز لسقوط الدكتاتور في إيران د. مصطفى يوسف اللداوي: عزام الأحمد يستخف بغزة ويكذب على أهلها بقلم: عبد المجيد محمد وکیل دادگستری: حقوق بشر سوگوار شد المحامي عبد المجيد محمد: حقوق الإنسان أصبحت حزينة د. مصطفى يوسف اللداوي: آمالٌ شعبية على قمة القاهرة الغزاوية المحامي عبد المجيد محمد: لا اريد ان اكون اكثر من طالب ديني للعلم المحامي عبد المجيد محمد: من طلبه اي بيش نخواهم بود أمان السيد: موت السوريّ المحامي عبد المجيد محمد: الثورة التي سرقت من أجل «لا شيء»! المحامي عبد المجيد محمد: انقلابي كه بخاطر «هيچ» به سرقت رفت! عبدالرحمن مهابادي، نويسنده و تحليلگر سياسي: موقعيت مقاومت ایران در قیام مردم عبدالرحمن مهابادي: موقع المقاومة الإيرانية في انتفاضة الشعب الإجرام الروسي في سورية والصمت الدولي سيد أمين: اهدار اللغة العربية.. جزء متقدم من الحرب على الإسلام محمد سيف الدولة: انتحار ابراهيم عيسى المحامي عبد المجيد محمد: أعدموا متظاهري ومحتجي الشوارع عبد المجید محمد وكيل دادگستري : معترضان خياباني را اعدام كنيد! المحامي شادي خليل أبو عيسى: شعلة مارون حسن صبرا: أسرار وخلفيات يوم 29 كانون الثاني 2018: حرب عونية لإزاحة بري عبد المجید محمد وكيل دادگستري: چرا اینهمه اعدام؟ المحامي عبد المجيد محمد: لماذا تم إعدام كل هؤلاء؟ د. مصطفى يوسف اللداوي: أحمد نصر جرار الصورة الفلسطينية الأكثر انتشاراً عبدالرحمن مهابادي: ماذا يجب العمل في موضوع دعم الشعب الإيراني؟ عبدالرحمن مهابادي، نويسنده و تحليلگر سياسي محمد سيف الدولة: هل دنس سلاح الطيران الصهيونى سيناء؟ د. إبراهيم حمّامي: الحراك الجماهيري ليس يأساً ولا استسلاماً محمد سيف الدولة: انتخابات بالإكراه المحامی عبد المجید محمد: گندیدگی و فساد در رأس ولایت فقیه المحامي عبد المجید محمد: التعفن والفساد على رأس ولاية الفقيه