صفقة فتاكة

| 28.11,09. 10:49 PM |

 

صفقة فتاكة

 
آري شفيت

 
اعادة غلعاد الى الديار ستكلف على ما يبدو حياة البشر. لا نعرف كم سيكون عددهم، لا نعرف وجوههم، لا نشخص اسماءهم. ولكننا يمكننا ان نقدر بأنهم يسيرون بيننا. كنتيجة لصفقة شليط من شأنهم ان يفقدوا حياتهم. عندما تصادق حكومة اسرائيل على الصفقة بكل ثمن، يحتمل ان يكون هذا هو الثمن: العشرات وربما المئات من الاسرائيليين القتلى.
ضحايا صفقة شليط قد يقتلون بطرق عديدة. من شأنهم ان يفقدوا حياتهم في العمليات. اخرون قد يفقدوا حياتهم في الحملة العسكرية التي ستأتي في اعقاب العمليات. وسيكون هناك من سيُقتلون، هكذا هو التخوف، في هجوم للصواريخ. اخرون ربما سيسقطون في محاولة وقف هجمات الصواريخ. اذا ما تآكلت قوة الردع الاسرائيلية بفضل الصفقة، وأضعفت مكانة محمود عباس واغرقت المناطق بمقاتلي الارهاب المجربين، فانها ستحدث الفوضى. والفوضى ستؤدي الى العنف والعنف سيسقط ضحايا. غلعاد شليط سيفدى بثمن دموي.
سيكون هناك ايضا كما يمكن الافتراض مخطوفون ايضا، وذلك لان صفقة شليط ستحفز خاطفين مستقبليين. ولكن حالات الخطف المستقبلية لن تكون بالضرورة في حدود غزة. قد تقع في الضفة الغربية، في الجليل، في النقب. وربما في تركيا، في تايلندا او في النبال. شكل انقاذ شليط من الاسر من شأنه ان يؤدي الى انه في سنة سنتين سنجدنا نقف امام صور تمزق القلب لاسرائيليين في الاسر. غير انه في المرة التالية، قد لا يكون هذا اسرائيلياً واحداً بل بضعة اسرائيليين. بسبب صدمة تحرير مئات المخربين لن يكون بوسعنا ان ننقذهم. لن يكون بوسعنا دفع الثمن فداءهم. ومصيرهم سيحسم.
هل معنى الامر انه يجب الرفض التام لصفقة الاستسلام؟ ليس بالضرورة. ستكون للصفقة آثار عسيرة على منظومة العلاقات الاسرائيلية مع جيرانها. اغلب الظن، باتت الصفقة محتمة بسبب منظومة العلاقات الاسرائيلية مع نفسها.
لا شك: في كل ما يتعلق بغلعاد شليط فقدت اسرائيل صوابها وعقلها. كل خطأ ممكن ارتكب. كل ضعف عاطفي تعاظم. حكومة فاشلة، وسائل اعلام متسرعة وجمهور مشوش جعلوا قضية شليط لا تطاق. غلعاد اصبح فكرة متسلطة، بؤرة للشفقة الوطنية.
يحتمل ان بالذات من اجل الاشفاء لا مفر من وضع حد على ما كان والاستسلام. من اجل العودة الى ذاتها على اسرائيل ان تعيد غلعاد الى ديار في متسبيه هلل.
ولكنّ هناك شيئاً واحداً محظور عمله: الطمس. الحسم في موضوع شليط ليس تكتيكا بل استراتيجيا. وهو من شأنه ان يغير سلبا دينامية النزاع الاسرائيلي الفلسطيني في لحظة حساسة على نحو خاص. من شأنه ان يؤدي الى سفك دماء شديد. وعليه فان الحكومة التي تتبنى الصفقة، مثلها مثل الحكومة التي تقرر شن الحرب.
حتى لو كان القرار حيويا، على الحكومة ان تكون واعية لآثاره. عليها ان تتحمل المسؤولية عن كل ما سيحدث في اعقابه. على الحكومة ان تثبت لنفسها بأنه حتى لو كلف تحرير شليط حياة العديد من الاسرائيليين فان من الصحيح دفع الثمن الفظيع.
بنيامين نتنياهو فقد أخاه الكبير في عملية دراماتيكية كانت ترمي الى الاثبات الى العالم بأن اسرائيل لا تستسلم للارهاب. وعلى طول طريقه السياسي روج نتنياهو ضد الاستسلام للارهاب. ولكن القرار القيادي الهام الذي سيتخذه كرئيس وزراء سيكون الاستسلام للارهاب. يجب احترام نتنياهو على استعداده للخروج عن ارثه كي ينهي مرة واحدة والى الابد هذه القضية الاليمة. ولكن يجب ان نطالبه بأن يرد صفقة الاستسلام اذا لم يكن مقتنعا بأن هذه هي صفقة الاستسلام الاخيرة.
تماما مثلما في الحرب، فان صفقة شليط قد يكون لها ثمن يتمثل بالحياة. استطلاعات الرأي العام وشعبية اللحظة لا يبرران ثمنا كهذا. وحتى الصورة المثيرة للعواطف لغلعاد في ذراعي أمه لا تبرر الثمن. المبرر الوحيد هو المعرفة بأن هذا هو، انتهى، ليس اكثر من ذلك. نتنياهو سيثبت بأنه زعيم جدير فقط اذا ما وعد بأنه فور عودة غلعاد ستعود اسرائيل الى ذاتها وتصميمها. ستعود الى روح عشية عنتيبة.
 



(Votes: 0)