مذاهب الاستقلال

| 26.11,09. 02:01 AM |

 

مذاهب الاستقلال

 

بقلم عزت صاف

كانت قد مضت خمس عشرة سنة على نيل الاستقلال عندما تسلم الجنرال فؤاد شهاب رئاسة الجمهورية. وقد اختصر مشروعه الاصلاحي لمدة ست سنوات بجملة واحدة : لقد حصلنا على استقلال الدولة وبقي علينا ان نبني دولة الاستقلال . كان عهد شهاب الاكثر استقراراً بعد سنوات اضطراب وحروب داخلية متفرقة ومتقطعة. ثم صار العهد الاكثر استقراراً بعد سنوات اضطراب وحروب داخلية متفرقة ومتقطعة.

ثم صار العهد الاكثر انماء والاقوى حضوراً لمؤسسات الدولة، والاكثر انفتاحاً على نخب متعلمة وذات اختصاص في الادارة والقانون والعلوم. وفي ذلك العهد كسرت اسماء متواضعة من جميع المذاهب حواجز الزعامات الطائفية التقليدية ووصلت الى المناصب الوزارية والوظائف المحرمة علىغير  " اصحابها" .

لكن فؤاد شهاب العسكري الآتي من الثكنات ومعه " الامر لي " اصطدم فوراً بالنظام السياسي نفسه الذي انتخبه رئيساً على مبدأ الديمقراطية، وتحت راية هذه الديمقراطية لا يزال النظام اللبناني مختبئأً، بل متستراً بهذه الراية التي يمسح بها الارض.
جاهد فؤاد شهاب ست سنوات لبناء استقلال الدولة لكنه كلما انجز مدمالحاً اكتشف ان هناك من بدأ يزعزعه، حتى اكتشف في نهاية عهده ان الخطأ ليس في البناء. انما الخطأ في اساس النظام و الاساس هش، رخو، رملي، قائم على وثائق قبلية طائفية ومذهبية تبايع زعامات موروثة حصرياً.


لم يندم فؤاد شهاب على عهده، لكن لعله ندم على وقوعه في الخطأ الذي تأخر ست سنوات حتى اعترف به وأعلنه: ان هذا النظام لا يسمح ببناء دولة الاستقلال، وكان يعلن يأسه.
كان هذا قبل نصف قرن بالتمام، بعده جاء " الاستقلال الثاني" ثم " الاستقلال الثالث". ولم تات الدولة ، فهل تصح على لبنان النظرية الغوغائية القائلة : حيث لا تكون دولة يكون استقلال؟!


لقد اخترقت تقنيات العصر الحديث كل حدود الدول. ولم يعد لللاستقلال معنى بالمطلق، فما من دولة كبرى او صغرى الا وخاضعة لشكل من اشكال التدخل من بعد او من قرب، الاستعمار لم يعد احتلالاً عسكرياً طاغياً، التكنولوجيا استعمار، والاقتصاد استعمار، والعلوم استعمار، والاقمار الاصطناعية استعمار، والاقوى بهذه الاسلحة مستعمر متمدن. قبل ايام ظهر باراك اوباما منحنياً امام امبراطور اليابان في قصره في طوكيو، ثم ظهر في " بكين" مثل سائح في حي شعبي بين بنات الصين. ولا بد انه عندما انحنى امام امبراطور اليابان كان يعلم ان الامبراطور يعلم ان القائد الاميركي الجنرال "ماك آرثر" دخل القصر الامبراطوري الياباني بعد نهاية الحرب العالمية الثانية من دون استئذان، اذ هو دخل محتلاً ولم يصافح الامبراطور، بل ترك على مكتبه ورقة دولار اميركي وخرج ، فقد اراد ان يبلغه ان هذا الدولار هو القوة التي سوف تحكم العالم.
بعد 69 سنة ها هو الدولار الاميركي ينحني امام " الين" الياباني. لكن اوباما الذي انحنى امام الامبراطور الياباني وقدم له الاحترام لم يقدم له الاعتذار عما أصاب هيروشيما وناكازاكي من القنبلة الذرية الاميركية الاولى . ولم يعتذر من الرئيس الصيني عما اصاب بلاده من السياسة الاميركية في زمن الاستخفاف بالعملاق الصيني ومحاولة عزله.
وها هو " الايوان" الصيني ينظر الى الدولار الاميركي من فوق.
لا نتشبه بالصين ولا باليابان ولا حتى بجزيرة قبرص.
لا نريد اكثر من دولة صغيرة مستقلة آمنة، والباقي على اللبنانيين .
فأين الاستقلال الذي نحتفل به؟ بل اين الدولة واين النظام، واي نظام هذا الذي ندعيه؟
نحن شعب متعدد الانظمة والمذاهب، فكأن لكل مذهب نظامه، وكأن كل مذهب يسعى الى استقلاله، بينما الدولة تقدم العروض لقبول مشروعها، وتبقى قاصرة عن فرض النظام والقانون العام.
هذا واقع الحال، لكن ما من حال تدوم.
وامام طوفان التفاؤل الذي يفيض في هذه الايام من دواوين الرئاسات والسرايات والاحزاب ، ليس من اللياقة الاعتراض.

 



(Votes: 0)