المعلم كمال جنبلاط علامة تاريخية فارقة

| 25.11,09. 03:42 PM |

 

المعلم كمال جنبلاط علامة تاريخية فارقة

 

  بقلم رئيس الحركة اليسارية اللبنانية منير بركات

إن من يتسنى له المشاركة في إحياء ذكرى مولده المتلازمة مع ذكرى استشهاد القائد الملهم، كمن ينتعش بنافذة الحياة التي تحي الثقة بهذا الوطن ويجدد الأمل والرجاء بتجدده.ذلك أن حضور تجربة هذه العلامة التاريخية الفارقة في تاريخ لبنان يفيض عن حيّز الذكرى وشروطها الخاصة ليرتسم ضميراً وأفقاً في هذا التاريخ.تجربة فريدة النضج والغنى من أجل التغيير، التغيير بالمعرفة والحكمة والفكر والسياسة الخلاقة غير المنفصلة عن الأخلاق.ما زلنا جميعاً بالطبع في حنين إلى صاحب هذه التجربة لكن الحياة تتمثل هذا الحنين لأن تعيد صياغته وصياغة هذه التجربة بروحيتها الجوهر في شروط مختلفة.  

وفي شوق وليد متجدد إلى ذلك الغد الحرّ الذي طالما رنا إليه حلم كمال جنبلاط. هل الإستجابة في إحياء الذكرى بشغف، بإحساس، بتحفظ، بحزم مشتق أكثره من معدن الكرامة الغاضبة. هل لأنه إحياء في ذكرى في سيرة زعيم، مؤسس حزب وقائده، مفكر، سياسي من طراز مختلف، لا يطوى إشعاعه مع إنتهاء الذكرى؟ ذلك أنها إشراقة لا تعهد في الأصل إلا لدى قلة نادرة من صانعي الزمن الذين لا يحتسب عمرهم بعد السنين.


إن لتلك الشرارة الأولى التي أطلقتها نظرته المختلفة إلى وقائع لبنان العامة، قصة ربما كان من المستحسن الإلماح إليها من أجل تبين كل تلك الإشراقة المستمرة التي من دون ضوئها ينغلق فهم تاريخ وسره. إلا بالنسبة لمن يستخف أو يكفر أصلاً بهذا التاريخ وجغرافيته.


لم يكن الموت الخاطف برهاناً ضرورياً في الأصل لإدراك العناصر المتوارقة في هذه الشخصية والقمينة بالإرتقاء بها حتى تخوم الإسطورة.. غير أن كمال جنبلاط لم يمضِ في خياراته، وما خاطر بحياته، إلا وهو يفكر بعبارات الحياة لا بمفردات الموت وفجيعته. لقد كان يدرك أن تراجيديا الزمن لا مسرح لها غير حلبة الحاضر بالطبع. هذا الحاضر الذي يتنازعه إثنان في اللحظة ذاتها: الماضي بالركون إلى مسلماته وحتى تقديسها والمستقبل بالقلق عليه في ما هو يتكون جنيناً رخصاً كتباشير الحلم. فإذا كانت محاولة الجديد أمراً صعباً فالتخلص من القديم أمر أشد صعوبة، ومع ذلك، فإذا شئنا أن نتفائل بالذي سوف يأتي يتعين علينا أن نتذكر الذي جرى، ولا سيما في هذا الوقت الذي بات فيه تدمير الذاكرة المنهجي، على ما يبدو، المدخل الأنجع لتدمير الشعوب. ذلك أن القضاء على الذاكرة ينطوي في الوقت نفسه، على القضاء على الخيال وعلى الطوباوية وعلى الحلم. أي على أكثر العوامل حفزاً على التغيير. بقامة رشيقة سامقة لكأنها الجبل الشامخ، راسخةً لكأنها حجر الصوان، كان هذا الحلم يقي السماء من الإنحناء، في ما هو كحبة القمح يتغلغل في شرايين هذه الأرض ليصنع نسغها ونسيجها وأريجها وتلاوينها، ويمضي بخفة كثافته على أطراف كلماته واختباراته ومكابدته واثقاً من سنبلة المسيح.


عندما سعى كمال جنبلاط، ذات مرة، إلى تحديد ماهية العلم في نزعته الأخيرة- والمعرفة تحرر بذاتها، كما يشدد. لم يلقى كما قال أفضل تعبير عن ذلك من آية الحكمة الشريفة: "بالتوحيد تعرف الأشياء لا بالأشياء يعرف التوحيد".


أفلا يسعنا أن نرى، هنا تجسيداً لشمولية النظر والعمل من شأنها أن تعبد الطريق المفضي إلى التجاوز والتغيير.
هذه العلاقة مع الواقع بحيثياته المادية وغير المادية نسجها هذا المفكر من على علوٍ انكشف الكون له فيه من طبيعة واحدة. فتهافتت في يقينه كل تلك الإعتبارات والأفكار التي

طالما افتعلت خصاماً تناحرياً بين الفيزياء والميتافيزياء. وجعلت الواحدة منهما تناصب الأخرى عداءً مستعصياً.


لا يسعني إلا أن أنوه الوعي المبكر الريادي حقاً الذي تجلى به كمال جنبلاط بمحاضرته التي آثر أن يتحدث فيها في 18 تشرين الثاني 1946 عن الديمقراطية الجديدة، من يومها ومضت الومضة حقاً ولمّا تنطفئ منذ إذ ذاك. وبدأ اللبنانيون ينتبهون إلى خطاب مختلف في الفكر المعرفي والسياسي الموجه للممارسة سياسية نوعية مختلفة. إن هذه المحاضرة التي شكلت مدخلاً حقيقياً لوطنية لبنانية جديدة بعد ثلاث سنوات فقط من الإستقلال، تقوم في الآن معاً على الديمقراطية، وعلى حقيقة ثانية طالما تجادل اللبنانيون واختصموا في أمرها، ألا وهي حقيقة إنتماء لبنان إلى بيئته العربية. الجديد في وعي هذه الحقيقة أن لبنان، بانتمائه العربي الأصيل هذا، لا يملك إلا أن يكون حريصاً أشد الحرص على صيغته المجتمعية القائمة على التنوع الديني والإنفتاح على الآخر والقبول به واحترامه، وعلى التفاعل الخصيب والتحاور المغني للجميع في إطار وطنٍ سره أنه تأسس على هذا العيش المشترك بتطوره، واحداً بتنوعه. حرص كمال جنبلاط على هذه الخصوصية اللبنانية، راح يتجلى ويتطور، ويتكامل في شروط متبدلة دون أن يبدل جوهره الحق. بالرغم من "قدر لبنان أن يحيا في خطر". بعد أن تمكن عصر الردة أن يتقاطع مع المشروع الصهيوني الأصلي على أساس الأحادية الدينية، العنصرية التي تنبذ الآخر وتقمعه وتطارده اغتيالاً وتشريداً. لقد تجلى حرصه على الخصوصية اللبنانية. وكان هذا عندما اعتبر الميول التي ظهرت بين المسلمين بانضمام لبنان إلى دولة الوحدة التي أعلنت في 8 شباط سنة 1958 بين سورية ومصر، ميولاً ضارة وخطرة للغاية وهذا في عز المدّ القومي التحرري، وفي خطابه الشهير الذي ألقاه أمام الرئيس جمال عبد الناصر في دمشق مشدداً على خصوصية لبنان في وحدته واستقلاله، والذي يتعايش فيه ويتفاعل شتى الأديان. وأكد كمال جنبلاط في هذا الخطاب التاريخي الأبعاد أنه لا وجود لأي تناقض أو تعارض بين فكرة لبنان المستقل والفكرة العربية، مشيراً إلى الإسهام المرموق للتنويرين اللبنانيين في النهضة الثقافة والحضارة العربية، معرباً عن صراحة اعتقاده بأن  قوة الثورة المصرية إنما تكمن في كونها جمعت بين ما يلازم الإسلام من تسامح وشورى وما يرافق المسيحية من شعور بالعدالة والأخوة والمحبة قائلاً بالحرف:
"كلهم (أي مسيحيو لبنان) في التوجه الحقيقي والمساواة مسلمون. وكلنا (أي المسلمون) في الأخوة والمحبة مسيحيون".
وواضح أنه لم يتوجه في هذا الخطاب إلى عبد الناصر وحده بل إلى مواطنيه اللبنانيين كذلك.


كمال جنبلاط راعته، أحياناً كثيرة قلة احتفاء السياسيين بتربية ما اصطلح على تسميته بالجماهير: ولم يكلّ عن مخاطبة المؤمنين بالجماهير بوجوب أن يدققوا مفاهيمهم وقاموسهم، فيكفوا عن القول الشائع: "برفع مستوى الجماهير" لينتبهوا إلى المطالبة والعمل من أجل رفع "مستوى وعي الجماهير". وإلا سقطوا كسواهم في استجداء الغرائز لديها ودغدغة إنفعالاتها. فدور الكاتب الحق، كالمثقف الحق، كالسياسي الحق، أن يستثير وعياً أكثر من أن يعطي دروساً.


أما في توصيفه المكثف رسالة النائب قال كمال جنبلاط ما حرفيته: "فالنائب قبل أن يكون محامياً عن مصالح معينة، أكانت  قومية أم سياسية أم إقليمية وقبل أن يكون متزعماً لفكرة وممثلا ًلصوفية ولمبدأ ولحزب، هو باني ديمقراطية ومؤسس دولة.


أوليست هذه الحقيقة هي ما تحرص حركة وليد جنبلاط السياسية على مقاربتها من حيث الجوهر، في ظل الفوارق بين الظروف والأحوال؟ وبهذا يقدم فعلاً سياسياً خلاقاً يتوصل، بتدخله المتفاعل مع حقائق الواقع العنيدة، إلى خلق وقائع جديدة لصالح مسيرة التغيير والإلتزام بأمانة التواصل مع فكر المعلم الشهيد كمال جنبلاط.

 



(Votes: 0)