العَبْدُ وسيِّده!

| 22.11,09. 04:35 PM |

العَبْدُ وسيِّده
 

علي الظفيري 

من الواضح أن النظام الرسمي العربي في أسوأ أحواله هذه الأيام، وكل المعادلات اللازمة يتم التلاعب بها بشكل غير مقبول وغير منطقي، يثور السياسي العربي في الوقت الذي لا حاجة فيه للثورة، ويلزم الصمت في أوقات الحديث والغضب الحقيقية، وإن كان هذا الأمر مفهوما من ناحية اللؤم والضعف السياسي الذي يمارسه النظام العربي، فهو في غاية الخطورة إذ يتحول يوماً بعد يوم إلى مؤسسة متماسكة تعمل بشكل ممنهج وهادف نحو مقاصد لا يمكن لعاقل أن يغفل عنها.
في الأمس وفي خطابه أمام مجلسيْ الشعب والشورى، قال الرئيس المصري إن كرامة المصريين من كرامة مصر، وأن مصر لا تتهاون مع من يسيء إلى كرامة أبنائها، وهذا قول يستحق منا التحية والإكبار، فقط لو كان التهديد في غير هذا الموضع، ولو أن تأكيد الرئيس المصري على مسؤولية الدولة برعاية المصريين في الخارج شمل الداخل أيضاً!، ولو أن رفض المساس بالمواطن المصري كان مبدءا ثابتا وليس توظيفا سياسيا عابرا، لَكُنا صفقنا نحن أيضا لهذا الخطاب الملتهب، لكنّ تدقيقاً في حجم المصطلحات المستخدمة في الخطاب وفي الإجراء المصري المتمثل باستدعاء السفير الجزائري في القاهرة وتسليمه احتجاجا رسميا يعبر عن استياء مصر البالغ إزاء تصرفات بعض المواطنين الجزائريين على المشجعين المصريين، يجعلنا نلتف حول أنفسنا ونتساءل: هل هذا مرتبط بمباراةٍ لكرة القدم -مهما كانت أهميتها– أم هو أمر آخر وجد ضالته في «الكورة»!!؟
بالنسبة لي المسألة محسومة، فالمؤسسة الرسمية التي لم يستثرها المقطّم والقطارات المحطمة وسكان المقابر، لا يمكن أن تقنعني بانزعاجها على نفرٍ من المشجعين تشاجروا مع نفر آخرين، والإعلامي الأرعن الذي دعا لقتل الجزائريين على الهواء لم يفعل ذلك عبثا، إنما التقط الرسالة جيدا وهو يرى أبناء الرئيس على رأس جيش من الفنانين والصحافيين يذهبون إلى الخرطوم في «طائرات خاصة» لخوض معركة الأمة المصرية!، الأمر الذي قابلته رعونة جزائرية غير مسبوقة، فقد قيل إن الجزائر بعثت بمجموعات كبيرة من البلطجية لتأديب الجمهور المصري في الخرطوم!! هذا تجسيد لحلم اختلاط الدم العربي في معركة واحدة!
أُدرك جيداً أن اتهام النظام الرسمي في أي مكان وموضوع أمرٌ مريح لنا، لكن المسألة لا تكتمل بهذا الشكل، فالشعب هو المتهم الرئيسي كونه أداة طيّعة بيد المستغِلين والموجهين له، الشعب الذي طالما ردد أن النظام وليس الناس مصدر البلاء!، المصريون والجزائريون العاديون هم أصل البلاء في هذه القضية، ولولا سذاجتهم لما وصلت الأمور لما وصلت إليه، وتخيلوا أن كاتباً مثل فهمي هويدي يطالب بالتحقيق في ما جرى للمصريين، فماذا نتوقع إذاً من مواطن سُرقت كل أحلامه في الحياة وبات ينظر لمباراة كروية على أنها قضيته الأولى وثورته الكبرى، هذه جريمة منظمة يرعاها النظام ويوفر أدواتها المثقف والإعلامي وينجرّ خلفها الناس، الناس الذين يشتمون أنظمتهم ليل نهار، ويصطفون خلفها في معارك الورق هذه!
واحد من التفسيرات الضرورية لفهم ما جرى متعلق بفكرة العبودية، أظن أن الإنسان العربي في معظم الحالات مستعبَدٌ ولا يملك قراره أبداً، حتى مشاعره لا يتمكن من التعبير عنها بالشكل الذي يليق بالإنسان الحر، يشعر بحالة غريبة من التوحد مع سيده الظالم في كثير من الأحيان، حتى إن وقع الظلم عليه يجد لذلك ما يبرره، وتكون لديه قدرة فائقة واستثنائية على تجاوزه وتناسيه، وأظن أن كثيرا من علماء الاجتماع لديهم القدرة العلمية على تفسير حالة الخضوع هذه والمرتبطة ارتباطا وثيقا بالاستبداد، ونأتي نحن معشر الصحافة والإعلام لنكرس هذا الواقع السيئ في التعاطي مع ظاهره وقشوره، ونبتعد عن مضامينه وأسبابه الحقيقية.
فيما يتعلق بمصر وبعيدا عن التفاصيل، أستطيع أن أؤكد أن النظام هناك استطاع التقدم كثيرا في قضية تجاوز المعارضة المعنوية والنفسية لفكرة توريث السلطة لجمال مبارك، وللأجواء المرتبطة بالمباراة الأخيرة مع الجزائر فضل كبير في هذا التقدم.
 
 



(Votes: 0)