د. مصطفى يوسف اللداوي: مواقفُ صمودٍ وصفحاتُ شرفٍ في يوميات إضراب الأسرى الحرية والكرامة "17"

| 09.05,17. 12:11 PM |



مواقفُ صمودٍ وصفحاتُ شرفٍ في يوميات إضراب الأسرى

الحرية والكرامة "17"



بقلم د. مصطفى يوسف اللداوي



·      اليوم الثالث والعشرون للإضراب ...

جميع الأسرى والمعتقلين المضربين عن الطعام في السجون الإسرائيلية يساهمون في معركة الشرف، ويخوضون ملحمة الكرامة، ويرسمون بأمعائهم الخاوية ونفوسهم العالية صفحاتٍ ناصعةٍ من المقاومة، ويخطون بصمودهم مواقف بطولية نعتز بها ونفخر، ونتيه بها ونزهو، فهم في عيوننا أبطال، وبين شعبهم رجال، نحبهم جميعاً ونجلهم، ونقدر فعلهم ونعظم تضحيتهم، وهم جميعاً لدينا سواء، فلا صغير بين الأسرى، ولا حقير فيهم، فكلهم كبارٌ عظامٌ، وسادةٌ وقادةٌ، وكلٌ منهم يمسك بأمعائه الخاوية قلماً يخط به المستقبل، وريشةً يرسم بها الغد، وستثبت الأيام أن جوعهم أقوى من سوط الجلاد، وأن صبرهم أمضى من سلاح السجان، وسيجبرون العدو على التنازل، وسيرغمونه على التراجع، وماضي إخوانهم يشهد وسِفْرُ من سبقهم يؤكد، ولعل السطور التالية تظهر بعض صمودهم، وتبين بعضاً من مواقفهم البطولية الرائعة.

تحاول المخابرات الإسرائيلية أن تستفرد بالأسرى المضربين عن الطعام لتساومهم، وتضغط عليهم وتغريهم وتمنيهم، وتعرض عليهم تناول الطعام وكسر الإضراب مقابل امتيازاتٍ يمنحونها له، وتسهيلاتٍ يعطونها إليه، ويحضرون لهم أثناء المفاوضات معهم طعاماً شهياً مما تفوح رائحته، وفواكه طيبة مما تحبها العيون وتشتهيها الأنفس، ولكن الأسرى رغم حالتهم الصحية المتردية يرفضون، ورغم معاناتهم اليومية يعاندون، وعلى الرغم جوعهم يكابرون، وبقوةٍ وعزةٍ وكبرياءٍ يصدون العدو ويركلون ما أحضرته المخابرات لهم من طعامٍ بأقدامهم، ويرفضون كل إغراءاتهم، بل يهددونهم بالثبات ويعدونهم بالانتصار في معركتهم عليهم.

وفي أحيان كثيرة تدخل إدارة السجون إلى غرف المعتقلين وزنازينهم طعاماً وشراباً، وتقوم برصدهم ومتابعة تصرفاتهم، وقد تسجل وتصور ردات فعلهم، وتبدي لهم أنها لا تراقبهم، وأن أحداً من حراسها لا يراهم، وكأنها تحرضهم وتشجعهم على تناول الطعام، فهي تعرف أن الأسير المضرب عن الطعام إن وقع في حبالهم وأكل، أو ظن أنه إن شرب أو أكل فلن يراه أحد، فإنه يضعف ويتراجع، لهذا تقوم إدارة السجن بتصوير كل شئٍ، وتنتهز فرصة ضعف الأسير وتفاجئه بالصورة، لتدفعه لكسر إضرابه أو فضحه، ولكن الأسرى يدركون هذه اللعبة ويعرفونها، وهي مجربة سابقاً ومعروفة للكل، مما يجعل من فرص نجاح العدو في تمريرها ضعيفة.

أما المرضى وذوو الحاجات الخاصة فإنهم يرفضون الاعتراف بمرضهم، ويغضبون ممن يطالب باستثنائهم، ويصرون على مشاركة إخوانهم، بل يطالبون أن يكونوا في المقدمة، ليكونوا للآخرين قدوة، فيعجلون دوماً برد وجبات الطعام قبل غيرهم، وهو ما يغيظ العدو ويزعجه، إذ أنه يعتمد عليهم في كسر إضراب الأسرى، ويأمل أن يكونوا هم نقطة الضعف عندهم، فيتنازلون لأجلهم، ويتراجعون رحمةً بهم، ولكن الأسرى المرضى يرفضون أن يكونوا محل عطفٍ أو موضع شفقةٍ، ويصرون أنهم يستطيعون خوض الإضراب بعزائمهم، ومواصلة المعركة بإرادتهم، وبفعلهم الرائع هذا يشجعون الأسرى الأصحاء، ويدفعون البقية المتأخرة، وينشرون الحمية والرغبة بالمشاركة بين جموع الأسرى ومختلف فئاتهم وانتماءاتهم.

يتلقى بعض الأسرى المضربين عن الطعام نبأ استشهاد أحدٍ من أهلهم، أو وفاةِ والدِ أسيرٍ أو والدته، أو فقدِ بعضٍ من عائلته والأقربين، فلا يهز الموت جنانهم، ولا يفت في عضدهم، ولا يضعف إرادتهم، بل إن من الأسرى من بلغه نبأ وفاة أمه أثناء الإضراب عن الطعام تضامناً معه والأسرى، فما أخرجتهم المصيبة عن أطوارهم، ولا غيرت من طباعهم، ولا أضعفت عزائمهم، ولا أوهنت نفوسهم، ولا تسرب اليأس إلى قلوبهم، بل بقوا على مواقفهم صامدين وفي إضرابهم ماضين، وما أوهت المصائب ولو كانت موتاً جللاً قوتهم، ولا سمع إخوانهم منهم حديثاً عن فجيعتهم، أو ندماً عن مسيرتهم.

ولعل أسوأ ما يواجهه الأسرى المضربون عن الطعام عندما تنقلهم إدارة السجون إلى غرف العملاء والمتعاونين، أو إلى غرف السجناء المدنيين، التي تضم مجرمين ومدمنين وقتلة ومنحرفين، ممن لا يلتزمون بقانون، ولا يعترفون بقيمٍ وأعرافٍ، ولا يعرفون قدر الأسرى ومقامهم، ولا نبل قضاياهم وشرف نضالهم، إلا أن الأسرى الذين يعترفون بخبث هذا الإجراء وسوء نوايا إدارة السجون من هذا السلوك، إلا أنهم يصمدون في وجه هذه العصابات المنظمة، والوجوه الغريبة القبيحة، ولا يصطدمون معهم لكنهم لا يخافون منهم، ولا ينزلون عند رأيهم ولا يستجيبون إلى تهديداتهم، ويصرون على الحفاظ على إضرابهم والثبات على مواقفهم، ولهذا فإن مصلحة السجون غالباً ما تعجل في إخراجهم من هذه الغرف، وتبعدهم عن المجرمين خوفاً من أي تصعيدٍ غير محسوب، أو اعتداءٍ على الأسرى يكون خارج السيطرة أو أكبر من الممكن والمحتمل.

رغم أن الإضراب عن الطعام، والامتناع عن أقوى شهوةٍ في الإنسان والحيوان على السواء، التي تنشأ معه وتنمو بشراهةٍ منذ الولادة، هو قمة الصمود وأعظم الثبات، ومحط الفخر والثناء، وموطن الاعتزاز والإكبار، إذ لا يقوى عليه إلا قلة معدودة من الناس، ومجموعة صغيرة من البشر، من ذوي العزائم الشديدة والهمم العالية وأصحاب المعالي العظام، الذين يعيشون للمعاني النبيلة والقيم الشريفة والمبادئ السامية، والذين يضحون بالصغائر أمام الغايات الكبيرة، ويقدمون أنفسهم في سبيل أمتهم، وينسون حياتهم ليحيا شعبهم، ويحرصون على الانتصار بإرادتهم على عدوهم، ويرفضون الانحناء له أو التسليم به، فهذا صنفٌ من الناس نادرٌ، قَلَّ أن يجود الزمان بمثلهم، لكن الأيام تبدي فعلهم وتبرز سبقهم، وبذا يستحقون أن نفخر بهم.

بيروت في 9/5/2017
[email protected]



(Votes: 0)

Other News

علي نريماني- كاتب ومحلل إيراني: إيران - صراع العقارب في مسخرة الإنتخابات في نظام ولاية الفقيه د. مصطفى يوسف اللداوي: الزوندة لقتل الأسرى والمعتقلين وإفشال إضرابهم الحرية والكرامة "15" زهير السباعي:وثيقة أستانة تؤسس لتقسيم سورية عبدالرحمن مهابادي، كاتب ومحلل سياسي: الصراع بين الذئاب في أول مناظرة إنتخابية رجاء بكريّة: صومٌ وطنيّ،، عن شعائر الفرح.. د. مصطفى يوسف اللداوي: أوهلي كيدار منفى الأسرى ومستودع الثوار الحرية والكرامة "13" طارق كاريزي: لعبة الانتخابات الايرانية عبدالرحمن مهابادي، كاتب ومحلل سياسي: لماذا مقاطعة مسرحية الانتخابات في ايران؟ روبرت توريسيللي: الولايات المتحدة ينبغي أن تكون على استعداد لتصحيح كل أخطاء الماضي على إيران؟ صافي الياسري: ملالي ايران اعدى اعداء الكلمة الحره عمرو عبدالرحمن: الأهرامات المصرية العالمية سر الاطلانتس – بشهادة روسية د. إبراهيم حمّامي: لا جديد في وثيقة حماس السياسية د. مصطفى يوسف اللداوي: إضراب الأسرى والمعتقلين مشاهدٌ وصور الحرية والكرامة "10" د. جوزيف مجدلاني: الزمن وأبعاده المجهولة ( في منظار الايزوتيريك) د. مصطفى يوسف اللداوي: انتفاضة الأسرى عنوان الوحدة وسبيل الوفاق الحرية والكرامة "9" هدي النعيمي: الرئيس ترامب: تحولات في المقاربة الحركية حيال العراق موفق السباعي: ألا يستحق السودان أن يكون حراً.. وغنياً بثرواته الطبيعية الهائلة؟! زهير السباعي: قطار أستانة ينطلق من جديد د. مصطفى يوسف اللداوي: محاولاتٌ إسرائيلية لوأد انتفاضة الأسرى وإفشال إضرابهم (4/4) الحرية والكرامة "8" علي نريماني – كاتب ومحلل إيراني: الإنتخابات الإيرانية- خوف وعجزالولي الفقيه د. مصطفى يوسف اللداوي: محاولاتٌ إسرائيلية لوأد انتفاضة الأسرى وإفشال إضرابهم (3/4) د. مصطفى يوسف اللداوي: محاولاتٌ إسرائيلية لوأد انتفاضة الأسرى وإفشال إضرابهم (2/4) الحرية والكرامة "6" علي نريماني – كاتب ومحلل ايراني: إيران- مهزلة مرشحي انتخابات الولي الفقيه - 6 من بين 1636!! د. مصطفى يوسف اللداوي محاولاتٌ إسرائيلية لوأد انتفاضة الأسرى وإفشال إضرابهم (1/4) موفق السباعي: مهزلة الإحتفال بالإسراء والمعراج.. المجهول التاريخ! عبدالرحمن مهابادي كاتب ومحلل سياسي: منعطف في الأزمة السورية د. مصطفى يوسف اللداوي: إضراب الأسرى والمعتقلين يجلجل في يومهم الثامن الحرية والكرامة "4" علي نريماني – كاتب ومحلل إيراني: إيران - خوف الولي الفقيه من إندلاع الإنتفاضة الشعبية في إنتخابات الرئاسة زياد شهاب الدين: عطاء النفس للنفس، إرتقاء في الحياة زهير السباعي: نجاح قطر ورسوب طِلْ الملوحي