الاديب كامل المر: " في معبد الروح" دعوة محبة في صحاري الضغينة

| 16.02,16. 10:53 PM |





" في معبد الروح"

دعوة محبة في صحاري الضغينة


 
  كامل المرالاديب 

 
صدر مؤخراً كتاب "في معبد الروح" للشاعر الدكتور جميل الدويهي ، ولم يسعفني الحظ ولا سمح الوقت للاطلاع عليه قبل اليوم . وما ان اتيحت لي الفرصة حتى قصدت "معبد الروح" مستطلعاً ما في رحابه ، ناشداً الراحة . فأنا كلما اتعبتني شجون الحياة انشد الراحة في رياض سفر ادبي فكري قديم ، في الزمان ، او جديد ، فوجدتني في واحة أدبية حُبكت عباراتها بتأنٍ ، وصيغت بِنَفَسٍ شعريٍ وافر الظلال ما يضفي على الصورة في العبارة الواناً لا يلامسها إلاَّ خيال شاعر .
اما ما احتوته العبارة من افكار فقد اعتمدت في كثير منها على الاضداد لاظهار محاسنها ومدى ترابط بعضها ببعض . فلا نور بغير ظلام ، والمعرفة خصمها الجهل ، والحقيقة عند قوم غيرها عند قوم آخر، وليس من حقيقة مطلقة سوى الله والوجود .
والله .. من هو الله ؟! وما السبيل للتعرف اليه ؟
"في هذه الناحية اقتتل الاجداد ، وتصارعوا بالحراب والفؤوس والرماح ، وكل واحد يدعي ان الله من اتباعه ومن انصار قبيلته . على الحجارة سالت الدماء ، وفي الحقول ارتفعت رايات الموت ، واختلط عويل النساء بصراخ الاطفال وصهيل الخيول ، وحمل العجائز ابناءهم القتلى على ظهور الثيران لكي يدفنوهم بين الابنية المتلاصقة ، اذ لم يعد هناك متسع من المكان لاجساد تتساقط كاوراق الخريف ."
وسيبقى الناس يقتتلون ويتصارعون على ماهية الله وجنس الملائكة ، وعلى الليل والنهار ودورة الشمس . و"الشمس هي الايقونة المقدسة التي صرف الله عليها كثيراً من الوقت قبل ان يعرضها على صدر السماء الزرقاء تحفة من ذهب ونار . وهي عندما تسير الى الماء بخطى ثقيلة ، تعرف ان البشر ينتظرونها في ساعة معينة ، لكي يقوموا الى حياتهم من نوم بائس ."
"وعلى الرغم من انهم يركضون وراء الوهم والعبث ، فهي تضيء لهم وتضحك من بساطتهم ، وتقول في سرها : الناس طائفة من اسوأ الملائكة ."
والبرغم من كون الناس طائفة من اسوأ الملائكة ، يقتتلون ويتصارعون فيما بينهم ، ويشهرون الحروب المدمرة فقد "نجا معبدي من الحروب ، لانني كنت اعطي المحاربين خبز الحياة . ولا اميز واحداً منهم عن الآخر . كانوا يجيئون اليَّ مستعجلين والدماء على اثوابهم ، ورائحة الدخان تفوح منهم ، وبعضهم كانوا يصخبون ويفاخرون انهم قتلوا امرأة او هدموا بيتاً على رؤوس اصحابه . وكانو يسألونني بشغف : هل عندك خبز لنا هذا اليوم ؟"
"كنت اجـيـبهم: هذا هو خبزي يعطى للذين أخطأوا ، لان الخطأ لـن يكون نهاية ، كما ان الولادة ليست بداية... الحياة ايها الابناء تناديكم الى هيكلها لكي تأكلوا وتشربوا بسلام ."
فـ"الخطيئة ولادة ، ولكنها ولادة متعثرة ، ومن نواتها القاسية خرجت هذه الالاف المؤلفة من الرؤوس، وهذه الاقدام العارية التي تخبط في تراب الزمن ."
"والله الذي اعطاكم الشر سلاحاً ، اعطاكم الخير ايضاً ، وسرعان ما سوف تكتشفون الخير في انفسكم فتكرهون ارواحكم الماضية ، وتبحثون عن منازل جديدة ، ومعابد لا تهدمها العواصف ." فتكتشفون فضيلة الغفران . "والذين لا يغفرون عجزت نفوسهم عن السير نحو الشمس ، والشمس تناديهم ، فاختاروا الظلمة الابدية ودياجير العبث ."
 وكاهن المعبد حين يطعم المحاربين خبزاً وماء فهو لا يداجيهم ولا يسترضيهم ، بل يفعل ذلك لان البراءة في قلبه . فالفضيلة صيرته كاهناً "في معبد الروح" ، ولن يبرح "المكان حتى يضيء كل مصباح ، ولا يبقى فجر تحت مكيال ."
الموضوعات التي يتناولها كاهن المعبد وهو يكرز على الناس عديدة ومتشعبة . ففي قصة الرجل الغريب الذي قصد المعبد وهو يبحث عن الله ولا يجده ، وقرأ غوته ونيتشه وفولتير وجبران وطاغور ولم يهتدِ الى شيء . "اما كلام الناس ، فهو عندي – اي الرجل الغريب – اشبه بفخار قديم في متحف ، ولقد صدق الذين قالوا ان طبيعة الله مجهولة ."
فكرزعليه الكاهن "بان الله فيك وفيَّ وفي كل واحد منا ." "الله ليس كائناً مجسماً كما انا وانت وهذه التلة العالية التي تسرح عليها القطعان ، هو الكل في الكل والنور في النور ، فانت ترى بعضاً منه في الاشياء التي حـولك فكـلُّ شيء قـدر صغير مـن الله الـذي لا يحدّ ."
"الله غير مرئي في شخصه ، لكنه مرئي في جوهره وعليك ان تعوّد عينيك على الرؤية المجردة من العناصر المادية ، وان تسمع الاصوات التي يحدثها الصمت ، والكتابة التي يتركها الفراغ على الورق ، والنور الذي يتولد من الظلام ."
"ساعطيك كتاباً من عندي عنوانه : "الحقيقة الكاذبة" ، فاقرأه بعناية ، لكي تتأكد من ان الحقيقة التي يراها اغلب الناس ما هي إلاّ اكاذيب متتالية جاءت بها العصور ، ووضعتها في آذانهم فاعتنقوها من غير تفكير ، وما تراه امام عينيك من مظاهر الحرب الضروس على طبيعة الله ، وملكيته ، وحقوق مصادرته ، والدفاع عنه بعض من تلك الاكاذيب التي توارثتها الاجيال واحتربت من اجلها ، فامتلأت القبور بالأحياء ، وظلَّ الاموات يجترون الباطل ما عاشوا ، فسخرت القبور من حماقاتهم وضحكت منهم الحياة . ما هو الله ؟ الله هو الحب الذي فيك وفيَّ ولكننا جعلنا الحقد يطغى على قلوبنا ، فاذا الحب جثة هامدة على مذبح النزوات البغيضة ."
فحمل الرجل الغريب متاعه عائداً الى قريته صائحاً: "اعدك ايها الكاهن في معبد الروح انني ساعرف الله... ساعرفه عندما اغمض عيني ، وعندما افتح قلبي على انوار السماء ."
فكم من سكان الارض في ايامنا هذه يفتحون قلوبهم على انوار السماء ؟!
كثيرة هي الموضوعات التي عالجها الكتاب بلسان كاهن المعبد الذي ساق بعضها على شكل قصة صغيرة اذا جاز التعبير، او رواية ، او على شكل حديث مع زائر للمعبد ، كـ "الحق والباطل ، وقيمة الحب ، والبحر والعناصر ، والتعب والشقاء ، وطبيعة الشيطان ، والشعراء ، والنور والظلام ، والنزوات ، والموت ، وهموم عبد المنعم ، والمرأة ورجلها ، والهجرة ، والضغينة ، والمتلونون ، والصدق ، ويوم الثأر ، والرجل وابناؤه ، والمال ، والحرية ، والفرح ، والاعداد ، والدين والكفر ، وروح الخير ، والحقيقة ، وساكن الغابة ، والقاتلون بالسيف ، واوطانكم ، والافكار ، واللباس والطعام ، ومعبد لجيع الشعوب ، والمساحة ، والمرأة الغريبة ."
اما "ما هو الزمان" وهوالرابع في ترتيب الموضوعات التي عددناها فيقول ان "الزمان هو البدء الذي لا بدء له ولا نهاية" وتلك مسألة فلسفية شغلت عقول المفكرين على مرِّ العصور ويجب معالجتها من منظورها الفلسفي المرتبط بفكرة الوجود ، ولا يتسع المجال لذلك الان .
ويختم الدويهي كتابه "في معبد الروح" بالعظة الاخيرة وموضوعها "الوصية" وجاء فيها :
"سألني اهل الناحية : ما هي وصيتك الاخيرة لنا ؟ فاجبتهم : ليست عندي كلمة يا اخوتي اقولها الان إلاّ ان تدعوا السلام يعيش ويكبر في بيوتكم وشوارعكم ."
"نعم يا اخوتي واحبتي ، لقد ارهقتنا الحرب وجوعتنا ، غير اننا لم نيأس ، بل جاهدنا ليكون لنا فرح وسلام،  وهذا الجهاد كان مرهقاً وصعباً . وصدقاً اقول لكم : ان الذين حملوا السلاح وذهبوا الى الساحات ليقتلوا ويُقتلوا ، هم أكثر الناس ندامة ويأساً ، وان الزمان شاهد على ما فعلت ايديهم ، والزمان لا يعود الـى الوراء، ولا يمحو ما كتبه الحقد بحبر الدم والدموع ..."
"في معبد الروح" واحة سلام نفسي في صحاري الضغينة . فلنقرأه بتأنٍ لنكتشف ما احـتـوت صفحـاتــه الـ 99 من افكار ، ولنستمتع بعبارته الادبية التي تلامس حد الشعر سبكاً وتضاهيه صورة وظلالاً ومضموناً . وان اسعفنا الحظ والوقت سنعود الى الكتاب بقراءة نقدية .
جميل سلم قلمك والى مزيد من العطاء الهادف .



(Votes: 0)

Other News

آدم يغني شارة صدر الباز وليليا الاطرش تكشف دورها "الشاعران محمد علوش وحنان بديع أحيا أمسية "ليل وحكي مهرجان السينما الأوروبية في مسرح إسطنبولي بمدينة صور قانون صاحبة العطر" مجموعة قصصية جديدة للكاتب فرحات جنيدي‏ الشاعر وهيب عجمي في ثانويّة السّفير – الغازيّة متحدّثًا في جلسة شعريّة Lycée Promisفنون كتابة الشعر والإلقاء في محاضرة الشاعر محمد علوش في ل (بقلم: يوسف ناصر: ديوان شاعر البروة الشّعبيّ أسعد عطاالله (العثور على ديوانه، سيرته، ومضمون الديوان وقيمته الشاعرة انتصار الدنان وقعت ديوانها في ساحة رياض الصلح مروان عبد العال في مشروعه الرّوائي بين اصطيادِ الحُلُم، وصناعة النّبوءة هاو بلا منازع! (الجزء 3) والأخير تسعة مبدعون يفوزون بمسابقة قصور الجنان الشعرية في حارة حريك الشاعران علوش وبنوت يشعلان "سراج الحكي" تحت "مزاج الغيم" في معرض الكتاب العربي الدولي ل59‏ رؤية نقديّة: رجاء بكريّة مروان عبد العال في مشروعه الرّوائي بين اصطيادِ الحُلُم، وصناعة النّبوءة هاو بلا منازع! -الجزء 2 الشاعر سعيد الشيخ أحيا أمسية شعرية لمناسبة ذكرى انطلاقة الجبهة الشعبية ملتقى جيكورالثقافي يستذكر الشاعر محمود عبد الوهاب إنطلاق مهرجان صور السينمائي الدولي بمشاركة مخرجين عرب وأجانب "ندوة أدبية حول رواية "60 مليون زهرة الكاتبة زينب الطحان توقع " الهجرة وازمة الهوية اللبنانية في رواية بدايات لأمين معلوف"‏ !مروان عبد العال في مشروعه الرّوائي .. بين اصطيادِ الحُلُم، وصناعة النّبوءة، هاوٍ بلا منازع "بمعرض الكويت للكتاب فوزي صادق يوقع "العاطلون عن التفكير ملحدون أمسية شعرية موسيقية مميزة في نادي جويا توقيع كتاب "محاورات على دروب المعرفة" للكاتب كمال سري الدين كلمة الشاعر حاتم جوعية إلى مهرجان الأدب المهجري الراقي زهير السباعي: تركيا تدفع ثمن تأييدها للثورة السورية في رواية "امرأة الرسالة" لرجاء بكرية: رسائل المرأة الإنسانة في الحب والنفس والصراع والوجود أيضا ( د. نبيه القاسم:"الباهرة" مجموعة قصص رجاء بكرية المتجدّدة(2 د. نبيه القاسم: تجربة تُثيرُ التّساؤلات،"الباهرة"، مجموعة قصص رجاء بكرية المتجدّدة !فوزي صادق / كاتب وروائي: قبل أن يقع الفأس على الرأس أجراس الرحيل والياسمين عن الكبير سعيد عقل "مهرجان شعري بعنوان : "من كل شاعر قصيدة‏ أمسية شعرية للشاعرة إيمان شويخ في جويا‏