د. جميل الدويهي: الأشعار الشعبيّة اللبنانيّة لمحة عامة

| 20.06,15. 03:26 AM |


الأشعار الشعبيّة اللبنانيّة

لمحة عامة بقلم د. جميل الدويهي


 

تُعتَبرُ الأشعارُ الشعبيّةُ اللبنانيّةُ نوعاً مهمّاً من أنواع التراثِ، وهي

لا تختلف عن الشعر الفصيحِ إلاّ من ناحيةِ اللغة، لكنّها أغنى منه

في قدرتِها على تخزين العاداتِ والتقاليدِ والموروثاتِ الكلاميّة.

فكثيراً ما نجد في القصائد الشعبيّة معلوماتٍ عن حياةِ الأقدمينَ،

وطرائقِ معيشتِهم، وطقوسِهم، وتصرّفاتِهم في الأعراس والمآتمِ،

وأساليبِ لغتِهم.

 

وسأَعرِضُ في هذه العُجالة ثلاثاً من النقاط المهمّة، التي يُمكنُ من

خلالِها النفوذُ إلى طبيعةِ القصائدِ الشعبيّة، وعلاقتِها مع الحضارةِ

والتاريخِ والإنسانِ:

 

النقطةُ الأولى: هل تختلِف أوزانُ الشعر الشعبيّ (عددها حوالي 20

وزناً) عن أوزان الشعر الفصيح؟ الجوابُ هو كلاّ، على الرغم من

الاجتهادات الكثيرة، والآراءِ المُتناقضة التي طُرِحت في هذا

الموضوع، فقصيدةُ المُعنّى مثلاً:

دقّيتْ دقّيت وإيديّي تجرّحوا          وقنديلكن سهران ليش ما بتفتحو؟

مدري أنا ما عدت أعرف بابكن       مدري نقل باب اللكن من مطرحو(الأخوان رحباني)

هي على وزن: مستفعلن مستفعلن مستفعلن (بحر الرجز في الفصيح)

وشعر القصيد:

قدّام أيّا بيت ما بتقشع                    شجرة بطولِه غصنها مفرّع

وما بتسمع صوات الرعد والنار      والخيل صوب الشمس عم تطلَع (جميل الدويهي)

على وزن مستفعلن مستفعلن فعْلن (بحر السريع في الشعر

الفصيح) وهناك من ينظمه على بحر الوافر (مفاعلتن مفاعلتن

فعولن) مثل:

رماني الدهر بالمتلك رماني        فوارس راكعه تسقي حْصاني (الأخوان رحباني).

وشعر الموشّح :

روحي وروحَك يا روحي            روحين بروح

انْ راحت روحك يا روحي           روحي بتروح (زين شعيب)

على وزن: فعلن فعلن فعلن فع      فعلن فعلن - بحرالخبب مع بعض التعديل.

ونحن نعتقد أنّ شاعر الفصحى لا يصعب عليه أن يكتب الشعر

الشعبي، فقد كتب بولس سلامة هذا الشعر، ومثلَه فعل جبران خليل

جبران، الذي يقول (من وزن المواليا) :

لاطلع عَ راس الجبل،     واشرف على الوادي

وبقول يا مرحبا،          نسّم هوا بلادي

يالله يطوف النهر         ويْغَرّق الودي

بعمُل زنودي جسر،       ويقطّعك ليّا .

 

النقطة الثانية: أصول الشعر الشعبيّ: يعتبر البعض أنّ أصول

الشعر الشعبيّ اللبنانيّ هي سريانيّة (بشير قازان في كتابه شعر

وزجل ص17 يقول:  "أمّا الشعر اللبنانيّ، فهو وليد الحضارة

السريانيّة"، ويعتبر آخرون أنّ للشعر الشعبيّ أصولاً عربيّة (أميل

يعقوب في مقدّمة كتاب روائع الزجل لأمين القاري يقول: "كان

الأندلسيّون سبقوا اللبنانيّين إلى الزجل"). أمّا نحن فلا نستبعد أن

يكون الشعرُ اللبنانيّ تأثّر، كغيره من الآداب، بالثقافتين السريانيّة

والعربيّة ، لكنّنا نرى أنّ هذا الشعر خاصٌّ بالبيئة اللبنانيّة، التي

تتميّز بطبيعتها الجميلة، وتاريخِها وتقاليدِها المميَّزة. بكلمة أخرى:

قد يكون الشعر اللبنانيّ تأثَّر بالتراتيل السريانيّة، وبالشعر العربيّ،

لكنّه انفرد بمضامينِه ومواضيعِه التي تُعبِّر فقط عن الإنسان

اللبنانيِّ، وتفكيرِه، وثقافتِه. وعلينا أن نفصِل بين وزن الشعر الذي

قد يكون مُستخدماً في عدّة ثقافات، وبين معنى الشعر الذي يكون

متّصلاً بتجرِبة الشاعرِ نفسِه وبالبيئة التي يعيش فيها، وفي رأيِنا أنّ

المعنى أهمُّ من المبنى في الشعر عامّة. ولو كان الشعر اللبناني ذا

أصول عربية، لكنا وجدنا أنواعه منتشرة في الدول العربية

الأخرى، ولم تبق منحصرة فقط في البيئة اللبنانية.

 

النقطة الثالثة: أنواع الشعر الشعبيّ. يعتقد أغلبُ الباحثينَ أنّ هناك

فرقاً بين الزجلِ والشعر الشعبيّ، فالشروقي مثلاً لا يُعتَبَرُ من

الزجل، والروزانا أيضاً، لكنّنا نعتقد أنّ من الأفضل أن تُدرَجَ كلُّ

أنواع القصائد العامّيّة تحت مُسمّى واحد، هو: الشعرُ الشعبيُّ،

وعند ذلك، يمكننا جمعُ كلِّ تلك القصائد في حزمةٍ واحدة، بدون الحاجة إلى التمييز بينَها، ولماذا التمييز؟ طالما أنّ الأساسَ هو

التعبيرُ، وليس الشكل (يُمكنُ التعبيرُ في النثر). فما هي أنواعُ

الشعر الشعبيّ؟

-المعنّى (أسعد سعيد):

رح خبّرك ما زال ما عندِك خبر        شو بحبّ فيكي بالمفيد المختصر

-القصيد (من القصيدة)، ومنه (زغلول الدامور):

بكّير غديو ع الكرم بكّير          عصفورتين مغنّجين كتير
-

الشروقي، (أحد الشعراء، سافرت حبيبتُه إلى الشرق، فوقف يغنّي،

وقالوا: يغنّي شروقي، وبيت الشروقي هو أطول بيت في الشعر

العامّي على الإطلاق) ومنه لموسى زغيب:

يلّي عَ تمّك صلا من توبة الإنجيل      وبِخيال عينِك عذاب المطهَر ونارو

الفنّان كل شي نحَت للآلهة تماثيل      مقياس خصرِك عِصي عَ زميل أفكارو.

-العتابا: (من العِتاب) (زياد الرحباني):

طول الهجر يا ليلى تلفني                  ودار الحزن من حولي تَ لفني

تبقي عند ما بتفضي تلفني                 فتحنا خطّ تَ نحاكي

الحِباب (يجب أن تنتهي العتابا بقافية الباء بعد ألف: عتاب- شباب- باب- حساب...)

-الميجنا: (من المجون واللهو، ويقال إنها جاءت من وصف أحد

الشعراء لحبيبته السابقة بأنها ماجنة) ومنه لموسى زغيب:

إن كان بدَّك عتبة دياري تلِجْ                بدّك تكون صبور، ما بدّك تلجّ

يا ريتنا بصنّين، والدنيي تلِج                 وبفرد مشلح نختبي إنت وأنا... (يجب أن تنتهي الميجنا بقافية (نا) مثل: بيتنا- أنا- هَنا- أعصابنا...)

-القرّادي (من قرض الشعر، أي نظمَه وأنشدَه أو من القَرد أي

لجلجة اللسان) منه لزين شعيب:

ضربت الحوت بورقة توت        حرمتو القوت عْلى سنتين

البدّو يموت، حدودي يفوت،        عْلى التابوت بوصّيلو.

من القرّادي نوع يسمّونه المخمّس مردود، ومنه للأخوين رحباني:

يا حلوه اللي ريفِك رفّ،         بتمشي، وخلفك ماشي الصفّ

كفّ ودفّ وردّادين،                ردّادين وكفّ ودفّ

                   ودفّين وكفّ وردّاد...

خوخ ورمّان وصبّير،                ومسّيكن يا أهل الخير

جفت وطير وصيّادين،               صيّادين وجفت وطير

                   وطيرين وجفت وصيّاد...

-الموشّح: (من التوشيح والتلوين) من حنّا موسى:

مرّه أهلِك عزموني            فيكي تلاقيت

تاني مرّه من جنوني           ضيّعت البيت

وكلما بجرّب يا عيوني       إكتبلِك بيت

بتنزل دمعات جفوني          بتمحي المكتوب.

-الروزانا (اسم باخرة إيطاليّة غرقت في البحر قبالة بيروت Rosanna، فوقف أحد التجار الذين غرقت بضاعتهم، وقال:

عالروزانا عالروزانا    كل البلا فيها. أو الرازونة هي شباك

صغير في العراق، ويروى أن فتاة كانت تتبادل النظرات مع شاب

من خلل "الرازونة"، فجاءت أم الفتاة وسدت الرازونة قائلة:

هالرازونة هالرازونه كل البلا فيها، وأجابتها الفتاة: شو عملت

الرازونه حتّى تسدّيها? وإذا كانت التسمية الثانية صحيحة، فهذا

يدل على عمق الروابط الثقافية بين لبنان والعراق من خلال هجرة

القبائل، أو الثقافة السريانية)، ومن الروزانا من غناء فيروز:

عالروزانا عالروزانا       كلّ الحلا فيها

شو عملت الروزانا        ألله يجازيها

يا رايحين عا حلب        حبّي معاكم راح

يا محمّلين العنب،         تحت العنب تفّاح

كل من حبيبو معو       وأنا حبيبي راح

يا ربّي نسمة هوا          يجي الحلو فيها.

ونحن لا نستبعد أن يكون القليل من أوزان الزجل قد جاء من

العراق، ومنه الموال البغدادي (شاعر مجهول، غناء إيليا بيضا):

يا معشر الناس ما بالدهر صاحب وفي

كلّيت حتّى انبرى منّي لساني وفي

قال ابن شدّاد عنتر قول راجح وفي:

وصل الحبل بالحبل يا بني عبس زمام

وين الْيحفظو للصاحب وفا وزمام؟

تبقى النصيحه بجمَل عند العرب وزمام

واليوم كيد النصيحة للعداوه وفي.

-الدلعونا: (من الدلع):

على دلعونا على دلعونا             راحو الحبايب ما ودّعونا

على دلعونا ليش دلّعتيني؟         عرفتيني مجوّز، ليش أخدتيني

إن عرفو أهلي، لا يشيلو ديني     وإن عرفو الجيره ليجرّصونا.

-الموليّا:  يقال إن الأصل "الموّال" أو حسب المصادر العربيّة من

الموالي، فعندما فتك هارون الرشيد بالبرامكة، ناحت الجواري

قائلات: يا مولاي يا مولاي، ونحن نستبعد تماماً هذا الكلام لأنّ

الموليّا ليست موجودة في البلاد العربيّة إلاّ في لبنان وبعض الدول

القريبة منه، ومن الموليّا:

هيهات يا بو الزلف        عيني يا موليّا

جسر الحديد انقطع      من نظرتِك ليّا...

ونكتفي بهذه الأمثلة من الشعر الشعبيّ اللبناني، فهناك بعد الحداء،

والندب، والهوّارة، والحوربَه، والغزيّل، والسكابا وكلُّها من التراث

الشعبيّ الذي ينبغي الحفاظُ عليه، ونحن لا نجد كثيراً من هذه

الانواع في البلاد العربية، وقد تسرّب بعضها في أوائل القرن

الماضي عن طريق شعراء إلى فلسطين وسوريا، حيث كانوا

يذهبون لحضور المناسبات كالأعراس والمآتم سيراً على الأقدام،

ويرتجلون القصائد. والحفاظ على هذه الأنواع من مسؤوليّة

الشعراء،  الذين عليهم أن يتباهوا بشعرهم الشعبي الذي لا يقلُّ غنى

عن الشعر الفصيح، بل فيه من الواقعيّة، والطرافة، والتعبير عن

الأحاسيس، وطرق التخاطُب، والتقاليد والعادات ما يعجزُ الشعرُ

الفصيحُ عن الأخذ به.



(Votes: 0)

Other News

من د. جميل الدويهي إلى د. بهية أبو حمد: دكتورة الصيت الحلو الشاعر جورج منصور : عقل الغطس بالنوم صار لازم يفيق جدِّي القديم شعر الدكتور جميل الدويهي الشاعر جورج منصور: ضو السراج عباس علي مراد: هل أكثر من هذا هوان؟ الشاعر جورج منصور: ضو السراج الشاعر جورج منصور: يا بيت سطحو تراب الدكتور جميل الدويهي: يوم ضربني والدي على رأسي طوني حنَّا (النسر) :كتابي الشاعر الدكتور جميل الدويهي: رقص الطغاة الشاعر طوني حنَّا (النسر): حــــبّـــــيـــــتـــــا الشاعر طوني حنَّا (النسر) :حبّينا Poet Tony Hanna: A Woman المحامي شادي خليل أبو عيسى: ارتجَّ الصخر الشاعر طوني حنَّا (النسر) : راح العمر Poet Tony Hanna: I Went Away الشاعر طوني حنَّا (النسر): اللي شافِــــــك Poet Tony Hanna: Sailing الشاعر طوني حنَّا (النسر) : كبرتي د.جميل الدويهي: فيصل جلول يطارد سعيد عقل إلى مثواه .. ودينا جابر اكتشفت أنّ الشاعر الكبير "بلا عقل" انطوان القزي: من نينوى إلى أربيل طوني حنَّا (النسر) :حـــبّـــــك الشاعر الدكتور جميل الدويهي:إلى الشاعر الكبير سعيد عقل في يوم رقاده الشاعر طوني حنا (النسر): ضــــــــــــــــــاع الـــــمـِــــــــــــرســــــــــال Tony Hanna: Darkness الشاعرطوني حنَّا (النسر) : بْــــــعِـــــــدْنـــــــا Tony Hanna: What Can I Do? الشاعر طوني حنَّا (النسر): طـــــــلِّــــي قـــبـــــالـــــــي Tony Hanna: Drifted عاشق فلسطين، سميح القاسم للشاعر الدكتور جميل الدويهي