كتاب في معبد الروح للأديب د.جميل الدويهي

| 13.05,15. 01:34 PM |




 
في معبد الروح



سيدني 2014
جميع الحقوق محفوظة للمؤلِّف







الأديب د.جميل الدويهي


 

 

صورتي في المعبد-1

 

كنت أجلس في معبد الروح، فيأتيني الفلاَّحون، والحطَّابون والمكارون والنساء العاملات من كلِّ القرى التي تقع وراء الهضاب العالية. في فمي صلاة وأغنية، وعلى رأسي بياض من جبال الأرواح، حيث يهطل الثلج بغزارة فيغطِّي كلَّ شيء، ويمحو السواد عن الجدران والأرصفة.

 

في هذه الناحية اقتتل الأجداد، وتصارعوا بالحراب والفؤوس والرماح، وكلُّ واحد يدَّعي أنّ الله من أتباعه ومن أنصار قبيلته. على الحجارة سالت الدماء، وفي الحقول ارتفعت رايات الموت، واختلط عويل النساء بصراخ الأطفال وصهيل الخيول. وحمل العجائز أبناءهم القتلى على ظهور الثيران لكي يدفنوهم بين الأبنية المتلاصقة، إذ لم يعد هناك متَّسع من المكان لأجساد تتساقط كأوراق الخريف.

 

وفي المساء، كنتُ أراقب الشمس وهي تخلع رداءها الورديَّ لتنام في الماء قليلاً، قليلاً فقط قبل أن يأتي صباح جديد. الشمس هي الهديَّة التي أعطاها الله للبشر ولم يحطِّموها. الشمس هي الأيقونة المقدَّسة التي صرف الله عليها كثيراً من الوقت قبل أن يعرضها على صدر السماء الزرقاء تحفة من ذهب ونار. وهي عندما تسير إلى الماء بخطى ثقيلة، تعرف أنّ البشر ينتظرونها في ساعة معيَّنة، لكي يقوموا إلى حياتهم من نوم بائس. وعلى الرغم من أنَّهم يركضون وراء الوهم والعبث، فهي تضيء لهم وتضحك من بساطتهم، وتقول في سرِّها: الناس طائفة من أسوإ الملائكة.

 

لقد نجا معبدي من الحروب، لأنَّني كنت أعطي المحاربين خبز الحياة، ولا أميِّز واحداً منهم عن الآخر. كانوا يجيئون إليَّ مستعجلين والدماء على أثوابهم، ورائحة الدخان تفوح منهم، وبعضهم كانوا يصخبون ويفاخرون بأنَّهم قتلوا امرأة أو هدموا بيتاً على رؤوس أصحابه، وكانوا يسألونني بشغف: هل عندك خبز لنا في هذا اليوم؟

 

كنت أجيبهم: هذا هو خبزي يُعطى للذين أخطأوا، لأنَّ الخطأ لن يكون نهاية، كما أنَّ الولادة ليست بداية... الحياة أيُّها الأبناء تناديكم إلى هيكلها لكي تأكلوا وتشربوا بسلام. والله الذي أعطاكم الشرَّ سلاحاً أعطاكم الخير أيضاً، وسرعان ما سوف تكتشفون الخير في أنفسكم فتكرهون أرواحكم الماضية، وتبحثون عن منازل جديدة، ومعابد لا تهدمها العواصف. نعم أيُّها الأبناء، لقد أخذتكم الحرب من نسائكم وأسرارِكم المقدَّسة، وظننتُم أنَّكم بالدماء ستطفئون عطشاً يجتاح أجسادكم، لكنَّكم لم تحصدوا من وحشيَّتكم إلاَّ مزيداً من العطش. وإنَّني أدعوكم إلى مأدبتي، مأدبة الخبز والماء، مأدبة السلام الجميل الذي يطير بكم على أجنحة علويَّة إلى سماء لا يتصوََّرها الفنَّانون والشعراء. الروح ليست في أجسادكم وهياكلكم، بل هي تمتدُّ إلى البعيد البعيد. هي الشيء الذي لا يُرى في أعماق الإنسان، وهي الشجرة الكبيرة التي تُعلَّق عليها أراجيح الفصول. فكم من الأشياء نراها على غـير ما هي عليه، بل نراها لأنَّنا اعتدنا على رؤيتها كما هي من غير أن نحدِّق في الحقيقة، والحقيقة أننّا نبصر من غير عيون ونسمع من غير آذان.

 

لقد غفرتُ ذنوب الكثيرين من البشر، وعليَّ أن أغفر المزيد منها في الأيَّام والأعوام الآتية، لأنَّ الذنوب لا تُقيَّد بزمن، ولا تنحصر في مكان. إنَّها حياة متواصلة، والله أوجد فينا نزوات لا تُقاوم عند الضعفاء، ولكنَّها تُقاوم بصعوبة عند الأقوياء، فيتقدَّسون بالإرادة التي ولدتهم وطهَّرتهم بنارِها. ويقولون عنِّي في القرى المجاورة إنَّني أحمل خطايا البشر، وذنوبي كثيرة، فكيف أسامح الطُّغاة والقتلة ونابشي القبور؟ ومَن كلَّفني بهذه المهمَّة التي نذرتُ حياتي من أجلها؟ الناس يجهلون أنَّ المرء يولَد والخطايا في قلبه، وأنَّ الخطايا لا تأتي في أثناء الحياة من تلقاء نفسها. إنَّها كالعطر المخبوء في الزهرة، فما إن يهبَّ النسيم حتَّى يخرج إلى فضاء النور. الخطيئة ولادة، لكنَّها ولادة متعثِّرة، ومن نواتها القاسية خرجت هذه الآلاف المؤلَّفة من الرؤوس، وهذه الأقدام العارية التي تخبط في تراب الزمن.

 

لست خائفاً من الغفران، لأنّ التسامح قنديل المعرفة، والذين لا يغفرون عجزت نفوسهم عن السير نحو الشمس، والشمس تناديهم، فاختاروا الظلمة الأبديَّة ودياجير العبث.

 

ليسامحني ربِّي على ما فعلت، فهو الذي أوجد البراءة في قلبي، والفضيلة التي صيَّرتني كاهناً في معبد الروح، ولن أبرح هذا المكان حتَّى يضيء كلُّ مصباح، ولا يبقى فجر تحت مكيال.

 

الرجل الغريب وطبيعة الله-2

 

ذات يوم، دخل إلى معبدي رجل غريب، فسألني عن طعام وشراب. وبعد أن أطعمتُه وسقيتُه، سألتُه عن اسمه وقريته وماذا يعمل؟ وبعد حديث بيننا أخبرني أنَّه يبحث عن الله، ولا يجده في أيِّ مكان. وقال لي: قرأت غوته ونيتشه وجبران وطاغور فلم أهتدِ إلى شيء، أمَّا كلام الناس، فهو عندي أشبه بفخَّار قديم في متحف، ولقد صدق الذين قالوا إنَّ طبيعة الله مجهولة.

 

قلت: صحـيـح، لكنَّ الله فيك وفـيَّ وفـي كلِّ واحـد منَّا، فلماذا تبحث عنه وهو في متناول يديك؟

 

حدَّق فيَّ كثيراً وقال: هل أنت تؤمن بأنَّ الإنسان هو الله؟

 

-إن قلت هذا فلست أضيف شيئاً، لأنَّ كثيرين قالوا ذلك من قبل، وجعلوا من غرور أنفسهم ورغبتهم في التعالي مرآة لخالقهم. الله ليس كائناً مجسَّماً كما أنا وأنت وهذه التلَّة العالية التي تسرح عليها القطعان، هو الكلُّ في الكلِّ والنور في النور، فأنت ترى بعضاً منه في الأشياء التي حولك، فكلُّ شيء قدر صغير من الله الذي لا يُحدُّ... لقد تاه بعض الفلاسفة الذين اختصروا الطريق، وأرادوا أن يكون الله محواً وزوالاً، فما أزالوه من الضمائر والقلوب، ولا محوه من الكتب. المسألة إذن أكبر من أن يتجرَّد الخالق كما هو المخلوق، ولذلك عليك أن تحدِّد النظر في المخلوق لكي تعرف الخالق معرفة غير كاملة، بيد أنَّها كافية لإقناعك بنبل وجودِك ومكانتك تحت الشمس.

 

-أريد أن أعرفه معرفة كاملة...

 

-هذا وهم يا بنيَّ، فأنتَ لا تعرف من المعرفة إلاَّ شيئاً يسيراً هـو أصغر من قطرة الماء في بحر، وإذا كان العقل يوهمك بقدرته على الاكتشاف، فإنَّه مغرور أيضاً وأوقعك أنت في الغرور. لكي تعرف الله عليك أن تتواضع، وأن تعترف بالحكمة التي لا يمكنك شرحها، فما أدراك بالبحر وما فيه من أسرار؟ وما أدراك بالفلك وما ينطوي عليه من أبعاد قد لا تنتهي؟ وما أدراك بلون عينيك إن لم تستخدم المرآة؟ والمرآة أقلُّ قدراً من العين نفسها، لكنَّ فيها فائدة. وقد تريك المرآة أشياء غير حقيقيَّة، فاحذر منها أيضاً...

 

-المرآة لا ذنب لها، بل أنا المذنب... لأنَّني أريد أن أرى ما لا يُرى، فأرى عكس ما أريد.

 

-أحسنتَ... لقد بدأت تفهم ما أقول، وليس مهمّاً مَن هو المسؤول عن الرؤية الكاذبة، إنَّما المهمُّ أن يرفض الإنسان بعض الأشياء التي يراها، فالنظر قد يُــوقع المرء في تهلكة...

 

-ألذلك تقول الشريعة: إقلع عينك إذا كانت تؤدِّي بك إلى الشرِّ؟

 

-الشريعة لا تقول الأشياء بحرفيَّتها، فحذار من الوقوع في فخِّ الفهم الخاطئ. إنَّ كثيراً من النصوص لا يمكن تفسيرها إلاَّ بالحكمة العميقة والـتأمُّل المضني... وهكذا طبيعة الله، فالله غير مرئيٍّ في شخصه، لكنَّه مرئيٌّ في جوهرِه، وعليك أن تعوِّد عينيك على الرؤية المجرَّدة من العناصر المادِّيَّة، وأن تسمع الأصوات التي يحدِثها الصمت، والكتابة التي يتركها الفراغ على الورق، والنور الذي يتولَّد من الظلام. إذا وصلتَ إلى هذه الدرجة من اليقظة، فأنت حتماً واصل إلى بعض الحقيقة التي تسعى إليها.

 

-فهمت الآن أيُّها الكاهن... عليَّ أن أغمض عينيَّ لكي أبصر الله في قلبي، بعيداً عن جميع المؤثِّرات الخارجيَّة التي تعطِّل الحواسَّ، وتبعث على الحيرة والقلق... فإذا فتحت عينيَّ لاحت لي مشاهد كاذبة قد تُعمي بصري وتدفع بي إلى الضلال...

 

-وسأعطيك كتاباً من عندي عنوانه: "الحقيقة الكاذبة"، فاقرأه بعناية، لكي تتأكَّد من أنَّ الحقيقة التي يراها أغلب الناس ما هي إلاَّ أكاذيب متتالية جاءت بها العصور، ووضعتها في آذانهم فاعتنقوها من غير تفكير، وما تراه أمام عينيك من مظاهر الحرب الضروس على طبيعة الله، وملكيَّته، وحقوق مصادرته والدفاع عنه بعض من تلك الأكاذيب التي توارثتها الأجيال واحتربت من أجلها، فامتلأت القبور بالأحياء، وظلَّ الأموات يجترُّون الباطل ما عاشوا، فسخرت القبور من حماقتهم وضحكت منهم الحياة. ما هو الله؟ الله هو الحُبُّ الذي فيك وفيَّ، لكنَّنا جعلنا الحقد يطغى على قلوبنا، فإذا بالحبِّ جثّة هامدة على مذبح النزوات البغيضة.

 

هزَّ الرجل الغريب برأسه، من غير أن يتكلَّم. كان يتأمَّلني من قمَّة رأسي حتَّى أخمص قدمي، وهو يفكِّر في أقوالي، ويتعجَّب منها. وبعد قليل شكرني، وحمل متاعه عائداً إلى قريته صائحاً: أعدك أيُّها الكاهن في معبد الروح بأنَّني سأعرف الله... سأعرفه عندما أغمض عينيَّ، وعندما أفتح قلبي على أنوار السماء.

 

الحقُّ والباطل-3

 

سمعتُ رجلين يتشاجران خارج المعبد، تحت شجرة عجوز، ثمَّ أخذا يتضاربان بالأيدي، وكلُّ واحد يقول للآخر: أنت مخطئ وأنا محقٌّ. خرجت إليهما بسرعة، وهدَّأت خواطرهما بالكلام الرقيق تارة وبالعتاب تارة أخرى. سألتهما عن السبب الذي دفع بهما إلى الخلاف، فأخبراني أنَّهما أخَوان، وأنَّ والدهما أورث كبيرهما ثوراً للحراثة وصغيرهما بقرة حلوباً. وقد تزاوج الثور والبقرة وأنجبا عجلاً، فاختلفا على ملكيَّة العجل. سألت الصغير: لماذا تعتقد أنَّك صاحب العجل؟ فردَّ بسرعة: لأنَّ بقرتي أنجبته، وهي التي تهتمُّ به وتطعمه من حليبها، أمَّا الثور فلا يفعل له شيئاً. وسألت الثاني فأجابني قائلاً إنَّ الثور هو المذكَّر، وللمذكَّر الحقُّ في ملكيَّة الأبناء أكثر من الأنثى.

 

ضحكتُ طويلاً، وأخبرتهما بأنَّ الشرائع التي وضعها البشر لا تحكم في هذه الأمور، فالشرائع من صنع الإنسان، والإنسان يخطئ، أمَّا الحكمة الإلهيَّة فلا تخطئ. قلت لهما أيضاً: أنظرا إلى الحروب والثورات التي تحدث في العالم، أليس كلُّ واحد يقول: أنا على صواب وغيري على خطإ. وانظروا إلى الصراعات بين أبناء البيت الواحد: بين الرجل وزوجته، بين الابنة وأخيها، بين العجوز وزوجة ابنها... ألا يدَّعي كلُّ واحد من هؤلاء أنَّه صاحب الحقِّ أمَّا الآخر فكلامه باطل؟ إنَّ ما يراه البعض حقّاً ربَّما يكون باطلاً والعكس صحيح.

 

سألني الرجلان الشقيقان: وماذا نفعل؟ أنحتكم إلى حكمة غير موجودة؟

 

-مَن قال لكما إنَّها غير موجودة؟ تصالحا بقلبين منفتحين على الحبِّ والغفران، وستجدان أنَّ القاضي العادل هو الذي سيحكم بالعدل، وستسمعان صوته عالياً. الحكمة موجودة في عناصر الكون: في العاصفة والسكون، في البحر الهائج والبحيرة الهادئة، في الصمت والضجيج، في الهواء والشمس والأودية العميقة. الحكمة لا تُعرَف بالغضب بل يجب أن تذهبا إليها بخطى وئيدة، وهي ليست ببعيدة عنكما.

 

قال الرجل الصغير: نحن لم نسمع بهذا الكلام في السابق، فهل وصفتَ لنا الحكمة لكي نعرفها أكثر؟

 

-الحكمة هـي الـمـرأة الـتـي أعطتكما الحياة، وهـي التي تسير معكما فـي الطريق وتحرسكما. وإذا كنتما تجهلانِها فلأنَّكما عاجزان عن اختراق الحُجب الرقيقة التي تفصلكما عن المعرفة. أنتما في حاجة إلى النور، والشمس ساطعة في السماء، وتحتاجان إلى البصر وعيناكما تبصِران.

 

-هل الحكمة من نتاج العقل أم القلب؟

 

-أحسنتما أيُّها البريئان، إنَّها من نتاجهما معاً، فليس القلب عاجزاً عن الفهم، ولكنَّه في حاجة إلى هداية العقل، والعقل لا يسير إلاَّ على خطى القلب.

 

-لكنَّ والدنا أخبرنا أنَّ القلب هو محرِّك العاطفة والمشاعر والإيمان والغضب... وأنَّ العقل هو محرِّك المعرفة والعلم.

 

-صحيح لكنَّ الآلة لا تشتغل من غير الآلة الأخرى. والدليل ظاهر لا لبس فيه، فإذا جرَّدنا إنساناً مريضاً من قلبه، ووضعنا له قلباً من الحديد لكي يبقى على قيد الحياة، فهل سيفقد هذا الرجل عاطفته على أبنائه وأحفاده؟ وهل ستموت عنده المشاعر أو تتحوَّل؟ وهل سيخسر الإيمان بالله؟ وهل سيتجرَّد من الغضب والانفعال؟ فالحكمة البشريَّة تأتي من عصارة القلب والعقل معاً، وأنتما قادران على جعلهما آلة واحدة تسير بكما إلى الفضيلة والسلام...

 

فكَّر الرجل الكبير مليّاً وقــال بأسف: لـو لجأ الـنـاس إلى الحكمة، لكانوا نجوا من المجازر المروِّعة وأنهار الدماء التي سالت على مرِّ العصور. لو احتكم الناس إلى القلب والعقل معاً لكانوا خلَّصوا أولادهم من ميراث الموت والدمار.

 

ونظر الأخ الكبير إليَّ، ثمَّ إلى أخيه وقال له: سامحني يا أخي على ما فعلت. لقد كنت أظنُّ أنَّ الأحكام التي وضعها الإنسان هي التي تعطيني الحقَّ وتنزعه عنك.

 

وقال الآخر بأسى: وأنا أيضاً كنت أعتقد أنَّ هذه الأحكام هي التي جعلتك تنطق بالباطل وتجتنب الحقَّ...

 

سألتهما وأنا أشعر بسعادة: أهَداكما الله إلى الحكمة التي تحكم بالعدل؟

 

قال الكبير: نعم أيُّها الكاهن الجليل. إنَّ الحكمة تقضي بأن يأخذ أخي الصغير العجل، فهو أصغر منِّي، ولا يملك كثيراً من المال، أمَّا أنا فعندي أملاك كثيرة، وأرضي مزروعة بالثمار الطيِّبة... ثمَّ نظر إلى أخيه برفق وخاطبه قائلاً: نعم يا أخي، إنَّ العجل لك وليس لي.

 

قال الصغير وقـد بانت على وجهه علامات السعادة: شكراً لك يـا أخي على حكمتك الرصينة، لكنَّني أرى أنَّ العجل لك، فأنت تحتاج إليه في أرضِك، وليست عندي أراضٍ كثيرة، ويمكنني أن أنتظر حتَّى تنجب البقرة عجلاً آخر، فآخذه لنفسي.

 

ما هو الزمان؟-4

 

الزمان هو البدء الذي لا بدء له ولا نهاية، فالمستعجل والمتمهِّل كلاهما يصل إلى مبتغاه. أنظروا إلى الأمواج العاتية، فإنَّها تتحطَّم قبل أن تصل إلى الشاطئ، وتفرش زبدها على الصخور البعيدة والقريبة، وكذلك الأمواج الرقيقة المتمهِّلة، فإنَّها تنساب في رقَّة حتَّى تغمر الرمال وتعانق المصير عناق المحبَّة والشوق. بيدَ أنَّ الذين يسيرون بسرعة إلى المنتهى قد لا يفرحون بالحياة، إذ يداهمهم الموت ويخطفهم قبل أوانهم، بينما يفرح المتباطئون بما حولهم، وعندما يموتون تكون أعينهم وقلوبهم قد شبعت من الوجود.

 

إنَّ الزمان أيُّها الناس هو المركب الذي يبحر فينا، فلا نحن نخشى من السفر، ولا المركب يتعب من الدوران. ونحن المسافرين، بعضنا يريد أن يصل إلى مواعيده، وبعضنا لا يهمُّه في أيِّ موعد سيصل. والذين ينظرون إلى ساعاتهم لا يعرفون أنَّ كلَّ دقيقة تمضي هي ذهب خالص يُرمى في تلَّة من القمامة، وأنَّ الريح لا تسأل عن أوقات محدَّدة ولا عن أرض تستقرُّ عليها... فلا تنتظروا من الزمن أن يسير معكم إلى الأمام، بل الأجدى أن تسيروا معه راضين، ولا تنظروا وراءكـم، لأنَّكم منذ ولادتكم تسيرون إلى الوراء.

 

وإذا سألوكم: متى ولدتم؟ فقولوا: لقد ولدنا في كلِّ الأزمنة، ونعيش فيها، وزمن ولادتنا لا ينفصل عن زمان موتنا... فهل يمكن أن يولد إنسان من غير أن يموت إنسان آخر في اللحظة ذاتها؟ وهل يمكن أن يفرح رجل بينما لا يحزن رجال آخرون؟ وهل يعيش إنسان من غير موت ينتظره في زمان ما؟

 

وإذا سألوكم: متى تموتون؟ فقولوا لهم: نموت في الزمان، في الشتاء الذي يحطِّم الأشجار ويعرِّي التلال. وفي كلِّ موت يصادفنا ولادة.

 

والناس يستقبلون الزمان بثياب أنيقة، ويذهبون إلى الأعياد والجواهر في أعناقهم، لكنَّ تلك لا تُغني، فكم من البشر يرتدون الملابس الباهظة، ويقتنون الذهب والفضَّة، ويرفعون قناطر بيوتهم لتلامس الغيوم، وأرواحهم فيها الشرُّ والأحقاد! وكم من الناس يتقاتلون على المقاعد الأماميَّة في الهياكل، وقلوبهم خيَّمت عليها العتمة! لقد رأيت رجال دين يغضُّون الطرف عن أناس ضعفاء ليُظهروا اهتمامهم بالأغنياء الذين يغمرونهم بالهدايا، ويروِّضون عقولهم لكي يصيروا معهم في دائرة واحدة يمتنع على البائسين دخولها. وما هؤلاء جميعاً إلاَّ البائسون الحقيقيُّون الذين يجهلون أنَّ الإنسان قيمة وليس سلعة تباع وتُشترى. فما أقبحني عندما أكون في ضيافة أناس أثرياء في ليلة العيد، وأخجل من زيارة امرأة فقيرة ليس عندها سوى كرسيٍّ حقير تجلسني عليه!

 

إنَّ الثروة لا تغيِّر شيئاً في طبيعة الإنسان لكنَّ طبيعة الإنسان تشتهي، لأنَّه يخاف أن يموت وجيوبه فارغة، وكأنَّ الزمان يخضع فقط لأهوائه ورغباته. وصدقاً أقول إنَّ الزمان بريء ويطلب البراءة، وصامت يطلب الصمت والتأمُّل.

 

وقد اختار الناس منذ قديم العصور أن يكونوا عبيداً للأزمنة، بدلاً من أن يكونوا أسيادها. وأيديهم تمتدُّ إلى الدفاتر الصفراء ليقتنصوا منها أوقات الحزن والفرح، بينما عناصر الوجود كلُّها لا تفعل ذلك. وكم يكون جميلاً لو أنَّ أعيادنا تأتي إلينا من غير أن ندري، فلا نعدُّ طعاماً ولا شراباً ولا لباساً. وعندما يطرق العيد على أبوابنا ويرانا مرتدين أثواباً حقيرة، وليس في بيوتنا إلاَّ قناديل صغيرة تضيء في الزوايا، فسيفرح معنا أكثر ممَّا يفرح بالموائد العامرة، والهدايا اللامعة... الأعياد لا تركب السيَّارات الفخمة، ولا تذهب إلى دُور السينما، ولا تميِّز الفرق بين العقيق والحصى. وإنَّ الثياب التي نحرص على انتقائها قشور تغطِّي أجسادنا، ولا تغطِّي أرواحنا. ونحن في داخل أثوابنا نشبه الحقيقة التي تختبئ تحت أوراق الخريف، وما أروع الحقيقة العارية التي تشرق عليها الشمس، ويغسلها المطر بدموعه.

 

قيمة الحُبِّ-5

 

في يوم العيد، تجمهر الناس في المعبد، وكانت الحرب قد وضعت أوزارها، فارتجلت عظة عن طبيعة الحُبِّ، قلت فيها: إنَّ الحُبَّ هو النار التي تشتعل في حطب قلوبكم، فتحوِّله إلى لهب أبديٍّ. الحبُّ في الأصل كان تقدِمة من الله إلى الإنسان، وقد يحبُّ الإنسان الله في كثير من الأحيان، وقد لا يحبُّه، وقد يتظاهر بأنَّه يحبُّه أيضاً، والله يعرف مَن يحبُّه ممَّن لا يحبُّ، فينظر إليه بعين الحنان والشفقة. أمَّا حبُّ الناس لبعضهم فشيء نادر، وكلُّ من يدَّعي أنَّه يحبُّ الله وحده يكون حبُّه باطلاً، فالحبُّ يكون لله والمخلوقات وللكون أيضاً. الحبُّ يعطيكم الحرِّيَّة، وبالحرِّيَّة ينسجم الخالق معكم ويصير الحبُّ في مرتبة العبادة.

 

بعضكم يحبُّ امرأة واحدة، فحبُّه صادق وحميم، وبعضكم يحبُّ كثيراً من النساء، فحبُّه ليس باطلاً لأنَّ الذي يحبُّ أفضل من الذي يكره. ولكن لا ترجموا امرأة إذا أحبَّت رجالاً كثيرين فإنَّها أيضاً لا تكره، وإنَّكم لا تفرِّقون بين ذكر وأنثى كما أنَّ الله لا يفرِّق.

 

وإذا سألني أحدكم عن حبِّه لنفسه أقول: الحبُّ للذات هو شعور طبيعيٌّ، ولذلك يخاف الإنسان من العذاب والألم والموت. ولكن يجب ألاَّ ينحصر الحبُّ في الذات وحدها، وأنتم تحصرون حبَّكم في أنفسكم وفي أقرب الناس إليكم. وحُبُّكم ليس مجرَّداً عن المصلحة، فالأب يحبُّ أبناءه لأنَّهم من لحمه ودمه، والرجل يحبُّ المرأة لأنَّها نصفه الآخر، والفلاَّح يحبُّ حقله لأنَّه يعطيه الغذاء، والصيَّاد يحبُّ البحر لأنَّه يقدِّم له الخير الوفير. وعلى الرغم من هذه المصلحة، فإنَّ الحُبَّ يرفعكم من مصاف الناس إلى مصــاف الملائكة. وكــم يكون جميلاً لــو تحبُّون مــن غــير فائدة، فـإذَّاك تطير أرواحكم إلى السماء كألحان الربيع، وتولَدون في معموديَّة الحبِّ!

 

ومـن أسوإ الحبِّ أيُّها الأبنـاء الحبُّ الذي يعبِّر عنه رجال الديـن لمَن يملكون الثروة والغِنى، وهذا الحبُّ يغيظ الفقراء الذين لا يملكون شيئاً ليعطوه، فأين من هؤلاء فلس الأرملة الذي أعطته الحكمة الإلهيَّة مثلاً يُحتذى؟ وماذا لو أنَّ الله خلق جميع الناس فقراء، ولا أغنياء بينهم؟ فهل كانت الديانات ستبطل؟ وهل كانت المعابد ستتهدَّم وتصبح هباء منثوراً؟ كلاَّ يا إخوتي، إنَّ الغنيَّ لا يضيف إلى ثروة الله فلساً واحداً، والمعابد التي تقوم على المال هي معابد فارغة من الصلاة ومن رائحة البخُّور. وأضيف إلى هذا أيُّها الأبناء أنَّ رجل الدين الذي يُهمل فقيراً لفقره، أو أرملة لحاجتها، أو يغضُّ طرفه عن آلام المتألِّمين ليمضي إلى حفلة عرس إنَّما هو رجل يقتل الحُبَّ فيه، ويخلق البغضاء في نفوس البائسين.

 

ومـن أسوإ الحبِّ أن يتظاهـر رجـل بحبِّ امرأة لكي تعطيه جسدها، فإذا حصل على مراده ألقى بها على قارعة الطريق، غير عابئ بمشاعرها. إنَّه الوحش المفترس الذي يتنكَّر في ثياب إنسان.

 

ومن أسوإ أنواع الحبِّ أن يحبَّ المرء الربَّ إلهه عندما يكون في حاجة إلى شيء منه، أمَّا إذا كان مكتفياً بما لديه، فلا يرفع صلاة من قلبه إلى السماء.

 

ومن أسوإ أنواع الحبِّ أن يتفانى العامل أمــــام سيِّده، وكأنَّه يستعطي، بينما هــــو حاصل على أجره من غير أن يبالغ في العطاء. فعلى العامل أن يقوم بواجبه كما هو مطلوب منه وليس أكثر، وعلى ربِّ العمل أن يعطيه أجره على العمل الذي قام به من غير أن يطلب منه أكثر. فالعامل الذي يضحِّي إذ لا تجوز التضحية إنَّما هو شحَّاذ يستعطي، أمَّا السيِّد الذي يطلب المزيد فهو بخيل يخاف أن يخرج القرش من يده إلاَّ إذا كان الآخرون قد سحقوا أنفسهم من أجل الحصول على ذلك القرش.

 

ومن أسوإ أنواع الحُبِّ أيضاً أن يتظاهر أصحاب المصالح بأنَّهم يحبُّون الناس، حتَّى إذا تحقَّقت مصالحهم، أداروا ظهورهم وأقفلوا أبوابهم على كلِّ طالب عطاء. إنَّ هؤلاء الوصوليِّين يشبهون البعوضة التي تمتصُّ الدماء وتترك وراءها ألماً وقروحاً.

 

أمَّــا أجمل أنـواع الحبِّ أيُّها الناس، فهو الحبُّ الـذي يُعطي ولا يأخذ، فالحُبُّ ليس مبادلة في سوق تجارة، ولا ضرباً من ضروب المقايضة... فإذا استطعتم أن تحبُّوا هذا الحُبَّ لا يكون للبغض مكان في قلوبكم، ولا للشرِّ طريق إليكم.

 

البحر والعناصر-6

 

اشتكى بعض الناس من أنَّ العاصفة التي هبَّت بالأمس على القرى كانت عاتية ورهيبة، فاقتلعت الأشجار، وخرَّبت الحقول، وغمرت المياه المنازل، حتَّى أنَّ أمواج البحر ارتفعت بغضب ودمَّرت زوارق الصيَّادين. قال الناس: مَن يُعوِّض علينا والبلاد قد خرجت للتوِّ من حرب ضروس؟ ومَن له السلطة على العناصر لكي يمنعها من أن تعيث فساداً في هذه الناحية مرَّة أخرى؟

 

قلت لهم: أنتم غاضبون من الطبيعة، وحين تعطيكم بكرم وسخاء لا تشكرون. إذا كان للواحد منكم حقل غنيٌّ بالثمار والحبوب ورأى إنساناً آخر يقطف من ذلك الحقل، فإنَّه يتشاجر معه وقد يطلق عليه النار فيقتله، ولكنْ كيف يتشاجر مع الطبيعة لو خذلته ولم تعطِه ثمرة واحدة؟ إنَّ البحر وهبكم خيراته، ولولا فضله عليكم لمات أناس كثيرون. أنسيتم أيَّام المجاعة حين لجأتم إلى إله البحر، فركعتم على أعتابه، وطلبتم منه بإلحاح أن ينقذ أولادكم الصغار وزوجاتكم من الموت، فاستجاب لكم بسعادة ومحبَّة، ولمَّا ذهبتم إليه لإلقاء شِباككم، فتح لكم يديه، وفاض عليكم بالجود. في تلك السنة كانت أشجاركم يابسة، وحقولكم تموت في الجفاف، فحنَّت عليكم السماء، وأمطرت ماء كثيراً، في الشتاء أمطرت وفي الصيف، فانتعشت كرومكم، وعاد الخصب إلى حياتكم، فشبعتم ولم تشكروا.

 

أمِنَ البحر أنتم غاضبون، والبحر هو الأب الذي يرفق بكم، ويحمل قواربكم إلى البعيد، لكي تكتشفوا أعماق المحبَّة؟ أم من الطبيعة وعناصرها تُظهرون الضيق والنفور؟ عاقبكم الله أيُّها المتنكِّرون لفضل السماء عليكم. أنتم تأخذون بفرح ولا تتعبون من الأخذ، ولو كانت موائدكم عامرة، وأكياسكم مليئة بالحبوب، وجيويكم منتفخة من الذهب والفضَّة، وإذا حان وقت العطاء، ولو كان العطاء قليلاً، تشحب وجوهكم، وترتعش شفاهكم، وتيبس ألسنتكم، وتكيلون الشتائم لمن يطلب منكم. وقد بلغ بكم الشقاء حدّاً جعلكم ترمون بالطعام إلى الكلاب والقطط وتمنعون اللقمة عن ابن الإنسان إذا جاء إلى بيوتكم زائراً.

 

نظـر الناس واحدهـم إلى الآخـر وقالوا بغضب: أنت تقسو علينا أيُّها الكاهن، وتفضحنا، وتُظهر عيوبنا بوقاحة... هلاَّ خفَّفت من حدَّة عتابك، ونصحتنا بالكلام المفيد؟

 

قلت لهم: إذهبوا بسلام يـا إخوتي إلى البحر، فاطلبوا منه المسامحة، لأنَّ كلَّ قطرة ماء تشربونها هو الذي منحها إليكم... إذهبوا إلى البحر وتأمَّلوا فيه طويلاً، لكي تعرفوا أنَّ العظيم هو الذي يعطي من غير حساب، بينما تعطي الساقية الشحيحة وهي خائفة على نفسها من الزوال. كلُّ قطرة في البحر لها قصَّة مع الزمان والإنسان، فاسألوها لتخبركم عن أسرار الماضي، وأحلام المستقبل. سيروا على الماء وأنتم تغمضون أعينكم، ولا تخافوا لأنَّكم لن تغرقوا، ولو كانت الأمواج عاتية، فالبحر سيحملكم على أحضانه إلى موانئ السلام والاطمئنان. خذوا من البحر الفضيلة والخير والرجاء وأنتم تحتاجون إليها، بعد أن نبشت الحروب أرواحكم وأكلتها النار... علِّموا أولادكم أن يكونوا مثل البحر، وإذا لم يكونوا مثله، فما هم إلاَّ ظلال مندثرة على مفارق الطريق. واذهبوا أيُّها الناس إلى عناصر الطبيعة وقدِّسوها، فصدقاً أقول إنَّ تلك العناصر هي الأمُّ الحبيبة الرقيقة التي تبلسم جراحكم وتهدهدكم في الليالي الظلماء. وكلَّما قطفتم زهرة من حقل، أو شربتم قطرة ماء من نبع رقراق، وكلَّما شعرتم بالتعب أو بالراحة، غَنُّوا وافرحوا لأنَّ روح الله تدخل فيكم، فتتجدَّدون وتُبدعون. كلَّما جمعتم الحبوب عن بيادركم، سبِّحوا الربَّ بأصوات عالية، واعزفوا على المزمار، وتطيَّبوا، واذهبوا إلى منازل الفقراء، فاعطوهم من بيادركم لكي يتمَّ الحصاد، فتأكلوا وتشبعوا وتعيشوا بسعادة. وإذا رعدت السماء، وهبَّت العاصفة، فافتحوا نوافذكم لكي تدخل إليكم الريح، فترتاح على موائدكم هنيهة قبل أن تمضي في طريقها، ولا تظنُّوا أنَّ العاصفة ستبقى عندكم زمناً طويلاً، فالعاصفة لا تتوقَّف كما تتوقَّف حياتكم بالموت، ولا تمرض، ولا تحزن كما يصيبكم. إنَّها تدور حول نفسها كما يدور الراقصون ثمَّ تتابع سيرها إلى البعيد البعيد. نعم أيُّها الناس، يجب أن تحبُّوا الحرَّ والزمهرير، الزهور والأشواك، المطر والجفاف. أحبُّوا كلَّ شيء رسمته يد الله. وإذا فعلتم ذلك، فإنَّ مواسمكم ستفيض خيراً، وأكياسكم لن تفرغَ مهما قست الأيَّام والدهور.

 

التعب والشقاء-7

 

افرحوا بالتعب أيُّها المتعبون والأشقياء، ولا تقولوا لأحد إنَّكم متعبون، بل قولوا: إنَّنا مغتبطون بما نفعله، فالتعب معموديَّة الجسد والروح. وكم هو جميل أن يعود الإنسان إلى منزله في المساء، فيلتقي بزوجته وأبنائه حول مائدة غنيَّة بما جادت به يد السماء! وكم هو جميل أن يأكل المرء من جنى يديه، فإنَّ له الحقَّ بأن يقيم عرساً بعد كلِّ موسم قطاف، حيث يتحوَّل العناء إلى وليمة، وأكياس مكدَّسة! البعض منكم يتعبون لأنَّهم يضعون أجسادهم في المرتبة العليا، والبعض يكرهون التعب لأنَّهم يعيشون من غير أمل، ولا ينظرون إلى المستقبل بعيون ثاقبة لكي يروا ما تعدُّه الحياة من السعادة، والبعض لا يتعبون من تعبهم لأنَّهم يعرفون أنَّ غلالهم ستكون وفيرة عندما يجيء الصيف، فهؤلاء هم المؤمنون.

 

إنَّ الذين يتعبون ولا يفيدون أحداً يستحقُّون الشفقة، والذين يتعبون قليلاً ويفيدون كثيراً هم العباقرة ويجب أن يُكافأوا، والذين يتعبون كثيراً ويفيدون قليلاً هم مقدَّسون في تعبهم لأنَّهم لا ييئسون من الحياة، والذين يتعبون قليلاً ويفيدون قليلاً هم أبناء العدل والمساواة، ومثلهم مَن يتعبون كثيراً ويعطون كثيراً. والأسوأ بين الناس مَن لا يتعبون في عمل، بل يقعدون في بيوتهم خاملين، فهؤلاء هم الخميرة البائسة التي لا تصلح.

 

وأنتم تقولون: إنَّنا نشقى في حقولنا وفي رعاية الماشية، وقد غزا الفقر بيوتنا وعضَّتنا الحاجة، أمَّا الآخرون فلا يتعبون إلاَّ قليلاً، وهم يعيشون في منازل فخمة، ويركبون الخيول المطهَّمة، فإلى هؤلاء لا تنظروا، ولا تقولوا: إنَّ الله أنعم عليهم بأكثر ممَّا أنعم علينا، فالله عادل بين أبنائه، وقد منحكم العقل والقلب جميعاً، وهو يراكم ويعرف ممَّا تشتكون، ولكنَّكم لا تعرفون أنَّه موجود عندكم، لأنَّكم قليلو الإيمان. أنظروا إلى التاجر الذي يكدِّس أمواله في المصارف، ويتباهى بما لديه من الجواهر، ألا ترون أنَّه يجلس في الصفوف الأماميَّة، ويتظاهر بعمل الخير؟ لقد حرمه الله من نعمة التواضع ومنحها إليكم، فأنتم ترتدون الثياب البالية، وتعطون قليلاً من الخبز لمحتاج، ولا تخبرون أحداً بما تفعلون، وهذه هي الفضيلة التي ما بعدها فضيلة. وقد يمنح الله إنساناً غيركم عقلاً ضعيفاً، وجسماً هزيلاً يتعرَّض للمرض، أمَّا أنتم فعقولكم نيِّرة، وأجسامكم قويَّة، صهرتها الشمس والعواصف ونقَّاها الهواء. وقد يحرم الله رجلاً غنيّاً من راحة الفكر والاطمئنان، أو من السعادة، وأنتم فرِحون في بيوتكم فرحاً عظيماً. وقد تبردون في الشتاء، ويدخل الماء إلى أقبيتكم، فيتلف ما فيها من حبوب وثمار، لكنَّ الغنيَّ يبرد في الصيف، وتدخل المصائب إلى بيته فيعاني ويتألَّم.

 

علِّموا أبناءكم أنَّ التعب واجب مقدَّس، ولا تعوِّدوهم على القعود. وإذا قال لكم أحد إنَّ كثيراً من الناس لا يتعبون وقد أصبحوا أغنياء، فكذِّبوه لأنَّ الغنى ليس بالمال فقط. أمَّا إذا قال لكم أحد: لا تجعلوا أولادكم يتعبون، بل عوِّدوهم على العبادة، وعلِّموهم الكتاب لأنَّ فيه العلم كلَّه، فهذا هو الكافر الذي لا يؤمن بأنَّ الحياة تسير إلى الأمام، وأنَّ انتصار الإنسان لا يكون إلاَّ بالطموح والعلم. نعم يا إخوتي، أقول لكم ذلك صدقاً، وأنا كاهن متعبِّد، فإنَّ الله الذي ابتدع الكون من فكره لا يريدكم أن تتجرَّدوا من الإبداع، فافتحوا كتاب العلم واقرأوه لأبنائكم قبل أن يناموا بدلاً من أن تخبروهم قصص الجنِّ والساحرات. قولوا لهم: إنَّ الإنسان مزيج من العقل والروح، والعقل والروح معاً يرتفعان إلى فوق، ولا يتوقَّفان عند حدود مرسومة... لقد أخطأ المفكِّرون والفلاسفة الذين أرادوا أن يجعلوا من الإنسان روحاً صافية، فأعادوه إلى عصور الظلام وأزمنة الكهوف... وليس من دين صحيح يمنعكم من غزو الفضاء واكتشاف المجهول لتعرفوا كثيراً من الحقائق التي لا تعرفونها.

 

أجل يا إخوتي، إتعبوا واطلبوا من الآخرين أن يتعبوا، وكلَّما رأيتم رجلاً قاعداً على رصيف، فانهروه وقولوا له: إنَّ الكروم تنتظر، والبحر ينادي. خذوه معكم إلى حقولكم ومتاجركم ومصانعكم لكي يتعلَّم الشقاء فيصبح إنساناً جديداً. وكلَّما صادفتم فلاَّحاً يتألَّم من تعب النهار، فخفِّفوا عنه، وقولوا له: إنَّ التعب يهون إذا كان الإيمان كبيراً، فإذا آمن بأنَّ الأرض ستكافئه، تزول عنه الهموم. وكلَّما سمعتم امرأة تبكي من شقائها، فذكِّروها بأنَّ الشقاء فردوس لنا. وهكذا يعرف الجميع أنَّ التعب سنَّة الحياة، فقد وُلد معنا ومعنا سيموت، وبه ستخلد أرواحنا.

 

طبيعة الشيطان-8

 

أخبرني أناس من قرية مجاورة أنَّ امرأة يعرفونها قد امتلكها شيطان، فأصبحت لا تعرف أبناءها، وتهجم على زوجها وجيرانها، وتنتف شعرها وتصيح بأقبح الكلام. وسألوني عن الشيطان وطبيعته، فأجبتهم:

 

أنتم الناس لا تميِّزون بين الشيطـان والشرِّ، وتعتقدون أنَّ أحـدهما هو الآخر، والصحيح أنَّ الشيطان ليس هو الشرُّ، بل هو الذي يزيِّن لكم الشرور ويدفعكم إليها، وأنتم حين تقعون في حبائل الشيطان تصنعون الشرَّ. إذن يكون الشرُّ نتيجةً لاقتناعكم بفكر الشيطان وأساليبه، وكلاهما منفصل عن الآخر. وتلك المرأة التي تتحدَّثون عنها في قريتكم تفعل الشرور في نظركم، ولكنَّها تفعل الخير في نظر نفسها، ولو كانت تعرف أنَّها تفعل الشرَّ لما فعلته، فالمعرفة هي الأداة التي بها تواجهون الشرور وتنتصرون عليها.

 

وقال لي رجل منهم مستفهماً: لقد قرأت في "فاوست" غوته أنَّ الشيطان جزء من الله، وعمله في الناس يكمل عمل الله، فما رأيك في هذا؟

 

-ليس صحيحاً أنَّ الشيطان جزء من الله، وإذا كان الشيطان في الماضي واحداً من الملائكة، فهذا لا يعني أنَّ فيه شيئاً من القداسة، فقد يكون الشيء أبيض اللون ناصعاً، فإذا وضعنا عليه الحبر الأسود تحوَّل إلى أسود ولا يبقى فيه أثر من البياض. الشيطان يكمل عمل نفسه، والله كامل وعمله كامل، ولا يحتاج إلى مَن يكمله. وصدقاً يا إخوتي أنَّ الله ألقى بالشيطان من الفردوس إلى الأرض، كما فعل بآدم، والفرق بين الشيطان وآدم أنَّ الشيطان لا يعرف الخير، بينما آدم يعرف الخير والشرَّ، وهما توأمان في نفسه.

 

قال رجل مـن الحاضرين: إنَّ أخبار الشيطان ممتعة، وقد يطول الزمن قبل أن نشبع من الروايات التي رُويت عنه. فهل صحيح أيُّها الكاهن الجليل أنَّ الشيطان اتَّفق ذات مــــرَّة مع كــــاهن لكي يحمل أحدهما الآخر إلى مسافة، فتعاونا ولم يتعبا؟

 

ضحكتُ من كلام الرجل، وقلت بحسرة: مساكين هؤلاء الشعراء كم يُعملون خيالهم في أقاصيص لا تمتُّ إلى الواقع بصلة. لقد أراد جبران أن يصوِّر الشرَّ الذي في نفس كاهن، فصوَّر بدلاً من ذلك الخير في نفس الشيطان، والشيطان لا يحمل أحداً في طريق، ولا يساعد رجلاً متعباً... إنَّ الذين كتبوا في هذا الموضوع أرادوا أن يقلِّدوا غوته من غير تفكير... وصدِّقوا أيُّها الإخوة أنَّ بعض الشعراء صوَّروا الشيطان كأحد دعاة التطوُّر الإنسانيِّ والاختراع، وشكروه على جهوده لإصلاح العالم... والخطأ ليس على هؤلاء بل على بعض رجال الدين الذين جعلوا الدين منافياً للعلم، واعتبروا أنَّ تطوُّر الإنسان يخالف الشرائع، وأرادوا أن يعودوا بالإنسان إلى عصور الجهل والبداوة... فانظروا إليهم يطيلون اللحى، ويحملون العصيَّ وما يعانون من عرج، ولو سمحَت القوانين لهم لكانوا امتشقوا السيوف، وركبوا الخيول لكي يهاجموا المدن والقرى فيحرقوها بما فيها ومَن فيها. هؤلاء الجهلة والحمقى هم الذين أبعدوا المفكِّرين والشعراء وأصحاب العقول عن الدين، فراحت الأقلام تشيد بالشيطان وتنسب إليه كلَّ عمل جليل يتعلَّق بالتطوُّر والتوجُّه إلى الأمام. أمَّا أنتم، فلا تصدِّقوا ما يقوله الشعراء، بل صدِّقوا أنَّ الله قد أوجد الفكر البشريَّ ليكون أداة للعلم والتطوُّر ورفعة الإنسان... كلاَّ إنَّ الشيطان لم يدعُ إلى تطوير العالم بل إنَّ الله هو الذي أوجدنا وسلَّحنا بسلاح العبقريَّة، لا لكي نبقى متفرِّجين على حركة الكون، بل لكي نسابقها ونكشف عن أسرارها العجيبة.

 

وفي نــهــاية حديثي إلى أولئك الزائرين قلت: إن رأيتم رجلاً في الشارع يعرج وله قائمة حصان، فاجتنبوه لئلاَّ يوقعكم في المهالك، أو فاذهبوا إلى رجال الشرطة وقولوا لهم: إنَّ الشيطان يتسوَّل في قريتنا، واطلبوا منهم أن يقبضوا عليه ويلقوه في أعماق الظلمات... ولا تضعوا في بيوتكم حدوة حصان لتردُّوا بها العيون الحاسدة، لأنَّها حدوة الشيطان وأنتم لا تعرفون. إنَّ الشيطان قريب منكم دائماً، وقد يكون يسمعكم الآن، ويخطِّط لدفعكم إلى بؤرة الشرِّ، وانتصاركم عليه يجعله يتألَّم ويتعذَّب ويستوحد، وقد يهجركم إلى الأبد إذا تيقَّن من إصراركم على مقاومته ورفض أوامره، فكما هو يظنُّ أنَّكم أغبياء وبسطاء، ولن تعرفوا بما يعدُّه لكم، كذلك هو ضعيف وغبيٌّ، ويمكنكم أن تحملوه جثَّة هامدة إلى الظلمة المخيفة.

 

الشعراء-9

 

كان الشعراء ينشدون في السوق، فانتهرهم رجال واتَّهموهم بالكفر والإلحاد، فدافعت عنهم قائلاً: الشعراء كواكب مضيئة. وهم يكذبون كما تكذب المرأة حين تلوِّن وجهها لكي تجعله أكثر عذوبة. غير أنَّهم لم يرتكبوا جريمة، ولم يسرقوا من أحد. وإذا كانوا قد تغزَّلوا بالنساء فقد أحسنوا صنعاً، لأنَّ الجمال شيء مقدَّس، والذي لا يحبُّ الجمال يكون عبداً للقباحة. الشعر أيُّها الناس هو سراج الفضيلة المعلَّق في الظلام، ودواء الجروح العميقة التي عجز الأطبَّاء عن معالجتها. وإذا كان الدواء يصلح للجسد فإنَّ الشعر يصلح للأرواح المعذَّبة فيداويها ويخفِّف من آلامها.

 

وأجمل الشعر ما كان مصحوباً بالبراءة، فانظروا إلى العصفور كيف يقول شعراً، واسمعوا إلى شعراء القُرى كيف يرتجلون في سهرات الشتاء. أمَّا أعظم الشعر فهو ما كان ممزوجاً مع الشعور، كما تمتزج الخمرة الطيِّبة مع الماء فيصيران جسداً واحداً. وهكذا يميِّز الناس بين شاعر مرَّ في الزمان كما تمرُّ الظلال ثمَّ تختفي من غير أن تترك أثراً، وشاعر آخر ترك نقوشاً بارزة على جبين الأيَّام.

 

ثمَّ لماذا يـمـوت الشاعـر ولا يـمـوت؟ لأنَّه أودعكم إرثـاً مـن الفكر يُغني الحضارة، وحين يموت الشاعر تهتزُّ الأرض وترتعش النجوم، بيد أنَّه ينتقل إلى الحياة في ضمائر الناس، فيذكرونه ويعظِّمونه، ويعيدون على ألسنتهم ما قاله في قديم العصور وكأنَّه ما زال بينهم، ويعلِّمون أشعاره لأبنائهم لكي يحفظوها كما تُحفظ الكنوز الغالية من الضياع.

 

إنَّ حياة الشاعر ضمير متَّصل ومتواصــــل. وموته خرافة لا يصدِّقها أحـــد. فاذهبوا إلى بيوتكم، وافتحوا الكتب العتيقة لتعرفوا أنَّ الأرواح تتجوَّل فيها، والأجساد تتحرَّك بين السطور. إقرأوا ما كتبه الشعراء لتكتشفوا أعماق الكلمات، فكلُّ كلمة بحر، وكلُّ حرف جزيرة، وكلُّ صفحة كونٌ مليء بالمجرَّات والأبعاد. تمعَّنوا في أفكار الشاعر لتكتشفوا حقيقة الإنسانيَّة التي تحبُّ الخير والفضيلة. وقد تشاهدون شعراء ماجنين يحبُّون الخمر، فلا ترشقوهم بنبال الحقد والانتقام، بل اسكبوا معهم خمراً واشربوا حتَّى تسكروا، وأحبُّوا النساء كما أحبُّوا، فليس عيباً أن يحبَّ الإنسان بل إنَّ العيب في أن لا يُحبُّ. وستجدون شعراء مقتولين على قارعة الطريق، فاسألوهم عن الذي قتلهم. سيقولون لكم آنذاك إنَّ الملوك والوزراء والطغاة واللصوص هم الذين قتلونا، وزرعوا أجسادنا في الأرض لتأكلها الغربان الجائعة، ودقُّوا الأوتاد في صدورنا... فاعلموا أنَّ القتلة والمأجورين هم الذين يعيثون في الأرض فساداً، أمَّا نحن الشعراء فلم نــفـعـل شيئاً إلاَّ أنَّنا أظهـرنـا مـا فـي نفوسِنـا مـن العاطفة والمحبَّة، بينما الآخرون لا يفصحون عمَّا يشعرون.

 

نعم يا إخوتي وأحبَّائي، ففي الصحراء التي وراءنا بحار من الدماء التي سالت من أجساد البسطاء، والسيوف الملطَّخة بالدماء ما زالت ترتفع في كلِّ عصر لتضرب مَن جديد. فمَن أوكل إلى الجبابرة أن يصلبوا الكلمة على جدار، وأن يقطعوا رؤوس المنشدين وحاملي الورود؟ وَمن يجرؤ على قتل شاعر لأنَّه تغزَّل بجسد امرأة بينما قصور الملوك تضجُّ بأجساد الراقصات وتغلي على مراجـــل الفجور؟ وأيُّ عدل يسمحُ بأن يعاقبَ البريء على براءته وأن يُعفى المجرِم من جرائمه الكثيرة؟ حدَّثوكم عن امرئ القيس، وبشَّار بن برد، وأبي نوَّاس، وقالوا لكم: هؤلاء شعراء من رعيل فاسد ومتهوِّر، فانبذوهم ولا تقرأوا شعرهم، أمَّا أنـــا فأقول لكم: إنَّ هؤلاء شعراء مباركون، فقد أعدُّوا وليمة للحبِّ والجمال، وأورثونا جنائن معلّقات لا تغيب عنها الشمس.

 

وقالوا لكم أن تضرمـــــوا النار في دواوين الخلاعة والغزل، أمَّا أنا فأريدكم أن تضرموا النار في رؤوس الجهلة والظالمين، وأن تدفنوا أفكارهم البالية في رمال الصحراء. خذوهم إلى مصحَّات عقليَّة لكي يشفوا من عِللهم الخبيثة، وامنعوهم أن يخالطوا الناس لكي لا يفسدوا العقول. نعم يا أبنائي وأعزَّائي، إنَّ على الشعوب أن تقتاد ملوكها الحمقى إلى محاكم التاريخ، وأن تقطع ألسنة مَن يدعون إلى القتل باسم الدين، لأنَّ الدين رحمة ومغفرة وليس دعوة لارتكاب جريمة. وصلُّوا معي يا إخوتي أن يحفظ الله الشعراء من كلِّ شرٍّ، وأن يتغمَّد برحمته شهداء الكلمة على مرِّ العصور، فقد اضطُهدوا على محبَّتهم، واقتيدوا إلى السجون ولم يرتكبوا إثـماً، وسُفكت دماؤهم على الأرض اليباب، وهم لم يفعلوا إلاَّ الخير للبشريَّة.

 

 

 

 

النور والظلام-10

 

قلت للناس في إحدى القرى البعيدة: الظلام والنور توأمان لا ينفصلان، وُلدا معاً ويخلُدان معاً. أنتم تنظرون إلى النور وتحبُّونه لأنَّه يكشف لكم الطريق، ويهديكم إلى رحاب الطبيعة، فتتمتَّعون بالأودية والهضاب والبحار والسماء. وأنتم تقَّدِّسون النور الذي توفِّره الشمس لكم لأنَّكم فيه ترون زوجاتكم وأبناءَكم ومَن تحبُّون. وأنتم تخافون من أن يذهب النور من عيونكم لأنَّكم تضطربون من وحشة الدروب حيث تكمن الغيلان والجنُّ فتخيفكم وترعبكم. وأنتم تُعلِّمون أبناءكم على حبِّ النور لأنَّ الله نور، وقد جاء ابن الإنسان نوراً للعالم، وجاء الأنبياء والرسل والعظماء من أهل الفكر لينشروا النور في كلِّ مكان. ولكنَّ نور الفضيلة يختلف عن نور الشمس، فنور الفضيلة لا ترونه بالعيون المجرَّدة أمَّا نور الشمس فترونه. نور الفضيلة يخرج من القلب إلى القلب، ومن العقل إلى العقل، ونور الشمس يأتي من خارج القلب والعقل وتتلقَّفه العين برغبة. وصدقاً أقول: إنَّ الذي يكتفي بنور النهار لا يــعـــرف الطريق في الليل، أمَّا الذي يفرح بنور القلب والعقل، فيختفي الظلام من طريقه وتتبدَّد الحُجب.

 

أنظروا إلى العميان كيف يسيرون ويهتدون بأنــــوار العقل والقلب، واسألوهم عن أشياء موجودة، كلون السماء وأزهار الربيع، والثياب التي يرتدونها، وعن نور الشمس، فستجدونهم صامتين، ولا يمكنهم أن يشرحوا لكم ماذا تعني كلمة لون، فاللون يحدّده البصر، والمبصرون وحدهم هم الذين يميِّزون بين الألوان وبين الظلام والنور، ولكنّ العميان سيقولون لكم أيضاً إنَّهم يبصرون بأنوار القلب والعقل، ولولا تلك الأنوار، لأصبحت حياتهم ظلاماً فزق ظلام وعتمة فوق عتمة.

 

وقد لا يفرح بعض الناس بالنور الذي يأتي إليهم من خارج أنفسهم، ولذلك ترونهم مكتئبين يائسين، ويفضِّلون الموت على الحياة، وقد يُقدم هؤلاء على الانتحار، فأين هو النور الذي يعيد الأمل والرجاء إلى نفوسهم المقهورة؟ وما هي القوَّة التي تستطيع أن تشدَّ بهم إلى فوق، أي إلى محبَّة الحياة؟ ولماذا لا يندفع إلى الموت أولئك الذين فقدوا النور الخارجيَّ واكتفوا بالنور الآتي من أعماق أعماقهم؟

 

وقد يبشِّركم مبشِّرون بالنور، وأرواحهم ظلام، وقد يدعونكم إلى الفضيلة وهم مجرمون، ونمَّامون، وأفَّاكون. وقد يأتي إليكم مبشِّرون كذبة يحملون الكتب الصفراء، ويدَّعون بأنَّ قوَّتهم الخارقة ستُحوِّل الظلام إلى بياض ناصع، فلا تصدِّقوهم، لأنَّهم يفعلون السحر والشعوذة. قولوا لهؤلاء: مَن أرسل بكم إلى بيوتنا لكي تنظِّفوها وبيوتكم مليئة بالجراثيم؟ وكيف تجرؤون على نصحنا وأنتم في حاجة إلى النصح والمساعدة؟ وقولوا لهم: إنَّ الله وهبنا النور منذ الولادة، ونحن نحتفظ به في صلواتنا وأفراحنا وأحزاننا، ونحن عندما نقع في الخطيئة نكون قد نسينا أن نضع زيتاً في المصباح، ولكنَّنا في اليوم التالي ننتبه إلى ما فعلناه، فنحضر زيتاً صافياً لكي نشعل مصباحنا من جديد. الخطيئة ليست ضدَّ النور، بل هي أزمة في قلب النور. وعقاب الخطيئة لا ينبغي أن يكون موتاً أبديّاً، بل مسامحة وشفقة على الروح التي غفت ولم تنتبه إلى أنَّ الظلام قد أتى على حين غرَّة. نعم يا إخوتي، إنَّ النور أعطانا الحياة، والظلام لا يمنع عنَّا الحياة.

 

ستقولون الآن: إنَّني أحضُّكم على الخطيئة، وأبرِّر لكم فعل الخطأ. وتفكيركم خاطئ، فأنا أشجِّعكم على الانتباه لكي لا تقعوا في تجربة، أمَّا إذا فشلتُم فلا تيأسوا، لأنَّ الله يحبُّ الإنسان.

 

اسكبوا مـن النـور فـي أرواحكم لتصير مـَعـابد مقدَّسة، وطهِّروا قلوبكم بفعل الخير، فالخير يزيد النور نوراً، ويزيح الظلام، وبه يسامحكم الله على أخطائكم الكثيرة. وإذا كنتم تحبُّون النور الذي ينبثق من خارجكم فحسناً تفعلون، لأنَّكم أفضل ممَّن يضع يده على عينيه لكي لا تدخل إليهما تباشير الصباح. ولكن اعلموا أنَّ النور الخارجيَّ لا يكفي لكي يضيء لكم. أمَّا الذين يلعنون الظلام، فانفضوا غبار أرجلكم على أعتابهم، ولا تزوروهم مرَّة أخرى، لأنَّهم يكرهون ما خلقه الله لهم، ولأنَّهم أنانيُّون يفرحون بالأخذ ولا يفرحون بالعطاء، ولأنَّهم يقبِّحون السواد، وهو يسيطر على أعماقهم الخفيَّة... هؤلاء يحبُّون ما تفرح به ذواتهم، ويرفضون ما لا يسعدهم. أمَّا أنتم، فاغتبطوا بالفجر وارقصوا مع نسيم الليالي، وغنُّوا في النهار والليل على صوت المزمار، وتعلَّموا أن تضيئوا مثل الكواكب في العتمة حيث ينحسر الضياء، وستبقى غبطتكم نغمة أبديَّة لا تسكتُها الأيَّام والعصور.

 

النزوات-11

 

النزوات تحرِّركم من الشوق الذي يستعبدكم، وتأخذكم من أزمنة انتظاركم إلى موائد الألم. النزوات هي الصوت الصارخ في دواخلهم، والرداء الذي تخلعونه عندما تشعرون بالحريق والقيظ، وأنتم عندما تتبعون النزوات تصبحون عبيداً لشغفكم وأمنياتِكم وأحلامكم المعذِّبة. وإنَّ الحُبَّ والرفق والبغضاء والميل إلى عمل الخير نزوات، بعضها يطول به الزمان وبعضها يقصر. يقولون لكم إنَّ استجابتكم للنزوات إنَّما هي من فعل الجسد، فصدقاً أقول: إنَّ الجسد والروح لا ينفصلان، تماماً كما لا ينفصل نور الشمس عن حرارتها. إنَّهما توأمان يتشاركان وينسجمان ويلبِّي أحدهما الآخر، وعندما يتصارعان لا يطول بهما الوقت حتَّى يتصالحا ويسلِّم أحدهما بما يقوله الآخر. فلا تتَّهموا الجسد بما تذهب إليه أرواحكم صاغرة، ولا تبرِّئوا الروح من ميول الجسد، فإنَّ المرء الذي يحبُّ أو يكره يُخضع جسده وروحه معاً للتجربة، أمَّا الذي يقتل فإنَّه يقتل روحه وجسده معاً، ويحوِّل نزوته إلى جريمة.

 

وأطلب منم يا إخوتي بإلحاح أن تجعلوا النزوات خادمة لكم، ولا تخدموها، فالإنسان إذا تحوَّل إلى عبد للشهوات فقدَ طبيعته الإلهيَّة وأصبح خشبة في محيط هادر. وقد قالوا لكم إنَّ البشر قادرون على التحكُّم بنزواتهم، وقد يستطيعون قتلها، وهذا صحيح، بيد أنَّ مَن يتبع نزواته لن يكون مجرماً يستحقُّ العقاب، فالربيع قد يناديكم لكي تتنشَّقوا عطره، والبحر قد يناديكم لكي تغسلوا أجسادكم فيه، والمرأة قد تصرخ إليكم لتحبُّوها بكلِّ جوارحكم، فإذا استجبتم للنداء الذي يأتيكم من البعيد وسلَّمتم أنفسكم له، تكونون قد خضعتم للنزوات، وإذَّاك فأنتم لا تختلفون عن الطيور التي استجابت لنداء السماء، ولا عن الكواكب التي نادت إليها ظلمة الأرض فبعثت نورها في كلِّ اتِّجاه. وقد تختلف استجابة الإنسان القويِّ للنزوة عن استجابة إنسان ضعيف، والضعف والقوَّة قد يأتيان بالولادة، ثمَّ يتطوَّران عبر الزمن، فقد يولد الطفل وفيه روح القوَّة ويولد طفل آخر وفيه روح الضعف، ومع الزمن يتطوَّر أحدهما، فيخلع ثياب القوَّة عنه بينما يخلع الآخر رداء الضعف والاستسلام. ومن الناس مَن يولدون أقوياء ويعيشون عتاة، ويموتون جبابرة، ومنهم مَن يولدون ضعفاء، ويعيشون مستسلمين، ويموتون يائسين، فكونوا أنتم جبابرة على الزمن، وتحكَّموا بمشاعركم، واستعبدوا نزواتكم، أمــــَّـــا إذا استعبدتْكم، فتلك طبيعة إنسانيَّة ولستم قادريــن على تغييرها ولو سحقتُم أنفسكم.

 

الموت-12

 

جاءت إلى المعبد امرأة من الفلاَّحين، وكانت تصيح وتولول. فأسرعتُ إليها وسألتها عمَّا جرى، فأخبرتني بأنَّ زوجها مات في الحقل، وقالت إنَّها مضطربة ولا تدري ماذا تفعل في غيابه، فقد كان معيلَها وأولادها الصغار... وبعد أن هدَّأتُ من روعها، قلت لها: عليكِ أن تتسلَّحي بالرعد والعاصفة، لكي تواجهي الحياة من غير رجل. وغداً سيكون النسيان دواء يشفيكِ من الألم، لتنطلقي إلى الحياة بقوَّة وعزم. أنتِ خائفة من الوحدة، وخائفة على أولادك من الجوع، وخائفة على الحقل أن ييبس، وخائفة من نظرات التشفِّي، لكنِّي أقول لكِ إنَّ الله مع المتألِّمين، وقد جعل للمرأة روحاً مساوية لروح الرجل، وجسداً يتحمَّل الصعاب والمشقَّات. والخوف هو شعور آنيٌّ سيتبدَّد بعد حين، عندما يشعر المرء بمسؤوليَّته وبحاجة الآخرين إليه. أمَّا الحزن فإنَّه كالأغنية التي سرعان ما تندثر ولا يبقى منها غير الصدى. صدقاً أقول لكِ يا ابنتي: إن لم تحزني فإنَّ الفرح لن يعرف طريقاً إليكِ. الحزن هو الوجه الآخر للفرح، ونحن عندما نحزن لموت أحد إنَّما نهيِّئ أنفسنا للفرح بملاقاته، فانتظري زوجكِ عائداً من الحقول مع رفيف الأغصان، وسقسقة الجداول وحداء الرعاة. وأعدِّي له مائدة العشاء لكي يأكل مع أولاده، ويشرب من كأسه التي احتفظتِ بها. وانظري إليه وهو ينفض الموت عن ثيابه كما تنفض الرياح الغبار عن الطريق. وتحدَّثي إليه ليخبركِ عن أسرار المجهول، ومـــــا وراء العتمة، وعن النور الذي يراه المغمورون بمحبَّة الله.

 

الموتُ هو المرفأ الذي نسعى إليه بخطى متسارعة، ونحنُ نواكب مرور السنوات. ومن الناس مَن يقولون، وهم يشاهدون العاصفة تمرُّ بهم ثائرة وغاضبة ومزمجرة: ليتنا لم نولَد ولم نعرف الحياة، وهؤلاء هم الأنانيُّون الذين يحبُّون أن يأخذوا إلى ما لا نهاية، فإذا انقطع حبل الأخذ صبُّوا اللعنة على أنفسهم وعلى الوجود... وهل أولئك الذين لم يأتوا إلى الحياة بعد أفضل منَّا؟ وهل سألناهم مرَّة عن مشاعرهم وأفكارهم؟ وهل يفضِّلون البقاء في العدم على الولادة في الفجر؟ إنَّهم ينتظرون اللحظة المناسبة التي سيجيئون بها إلى الحياة، لأنَّ الجمود الذي يغمرهم يبعث على القنوط، والصمت الذي يحيط بهم رهيب ومخيف. إذن نحن أفضل بكثير من الذين لم يولَدوا، وحين يولدون سيحتفلون ويرقصون ويغنُّون لأنَّ الله أخرجهم من الجمود إلى الحركة ومن اللاوجود إلى الكينونة.

 

ومِــن الناس مَــن يقولون: نحن لا نموت ولن نموت، فهؤلاء هــــم الجهلة والمغرورون والجبابرة الذين يعتبرون أنفسهم أعظم من الناس وأقوى من الأزمنة. لقد نصب هؤلاء لأنفسهم التماثيل وعبدوا ذواتهم، ونقشوا مآثرهم على الجدران والأعمدة. وصدقاً أقول عن هؤلاء: إنَّهم افتقروا إلى الحكمة التي تضيء لهم في الليالي المظلمة، فعندما داهمهم الموت كانوا أكثر الناس دهشة وخوفاً، بينما كان البسطاء ينتظرون موتهم بحكمة، وينظرون إليه بعيون باسمة وعلى شفاههم صلاة عميقة كأعماق البحار. وشتَّان يا ابنتي بين المتكبِّر الذي يدَّعي أنَّ الحياة ملك له، والمتواضع المحبِّ الذي يعترف بأنَّه ملك للحياة.

 

وما كدتُ أنتهي من كلامي، حتَّى كانت المرأة التي أمامي قد خلعت رداء الدموع، واطَّـرحت ألوان السواد عن مقلتيها، ثمَّ سألتني بأمل: هـل سيعود زوجي إلى الحياة كما جاء في الكتب؟

 

-نعم يا امرأة، وما أغبط الناس الذين يقولون: نحن بالموت نحيا! فهؤلاء هم المتفائلون، إذ يعتبرون أنَّ الزمان خيط موصول لا ينقطع أبداً، ويرغبون في حياة ثانية لاعتقادهم أنَّ أرواحهم غالية، والروح الغالية لا تعيش مرَّة واحدة. ولذلك أقول: فليتزوَّد هؤلاء بخبزهم ومائهم، وليأخذوا معهم عدَّتهم لكي يستعملوها في الزمن الآتي. وأعظم من هؤلاء جميعاً مَن يموتون شهداء، فإنَّهم يندفعون إلى الموت بصدور عارية، وسواعد مرفوعة، وجباه تلامس الشمس. وكم هو عظيم أن يواجه المرء موته بشجاعة، وأن يعتبر الموت أفضل من حياة بغير كرامة! أمَّا الضعفاء الأذلاَّء فيرتعبون من الموت، ويختبئون، ويرضون بالحياة في القبر على قيامتهم المجيدة. هؤلاء أجسادهم ضعيفة لا تقوى على الألم، وأرواحهم هزيلة لا تحتمل المشقَّة والفراق.

 

عودي يا ابنتي إلى أبنائك وبناتك، وافرحي لأنَّ زوجكِ كان رجلاً صالحاً في حياتِه، وكان صالحاً في موته. واعلمي أنَّ كثيرين من الموتى يعيشون بيننا ويحملون نعوشهم على أكتافهم وهم لا يدرون. وعلِّمي أولادكِ أن يعيشوا الحياة حتَّى يسكروا من رحيقها، وعندما يموتون يموتون راضين، شاكرين الله على نعمة الحياة التي لم يعطها بعد لأناس كثيرين. فلكلِّ إنسان منَّا حياة وموت، وإذا كنَّا نرى الحياة بأعيننا تسير معنا وتحدِّثنا، فالموت يرافقنا أيضاً، لكن بصمت، وينتظر اللحظة التي ينقضُّ فيها علينا. وكم هو عاقل الإنسان الذي يفهم أنَّ له موتاً ينتظر على قارعة الطريق كما له الحياة التي يحبُّها ويتمتَّع بها! وكما أنَّ الحياة صُدفة، فالموت أيضاً صدفة لكنَّها تنظر إلينا، ونحاول نحن أن ننظر إليها فلا نراها من وراء حجاب الأسرار.

 

هموم عبد المنعم-13

 

عندما قصدَني عبد المُنعم عبد القهَّار في معبد النور والفضيلة، كان يتوق إلى إدراك المعارف الخفيَّة في روحه، بعدما أقعدَه اليأس والقنوط عن الحركة، ودبَّت السكينة في نفسه، فبات لا يستطيع أن يعمل في شيء، ما عدا الشكوى والتبرُّم من هشاشة الحياة، وتفاهة القدر الأخرس الذي يتربَّص بالضعفاء وأصحاب القلوب الضعيفة.

 

دخل عبد المنعم إلى المعبد، فأحسَّ بالرهبة، فغداً هو عيد الحكمة السامية، والمعبد مضاء بشموع ومزيَّن بورود بيضاء، علامة الموت والحياة معاً.

 

لم يكن المتطوِّعون قد وصلوا بعد، لكي يساعدوني في أعداد الساحة أمام المعبد، وكنت ما أزال راكعاً أمام صورة الإله الأوحد، أتمتم بصلاة حميمة. وعندما رأيت عبد المنعم داخلاً عليَّ، أومأت إليه بالانتظار قليلاً ريثما أنتهي من صلاتي. وبعد قليل نهضتُ واقتربتُ منه قائلاً:

 

جئتَ في الموعـد الذي اتَّفقنا عليه، فاخبرْني ماذا جرى لك يا بنيَّ لكي تخرج عن أطوارك، وتحقد على البشر أجمعين؟

 

لـم يُجب عبد المنعم، بل كان يُراقبني وأنا أجلس على مقعد في وسط الهيكل، وأمشِّط أطراف لحيتي بأصابع يدي، منتظراً جواباً من غير طائل.

 

قلتُ مرَّة أخرى:

 

هل جئتَ إليَّ لكي تصمت أم لكي تتكلَّم؟ نحن في المعبد حريصون جدّاً على كلِّ واحد من أبناء الناحية... هل أنت مريض؟

 

أجابني بعد انتظار قصير:

 

أشعر بالغثيان... وزرتُ بالأمس طبيباً في مدينتنا، فأعطاني دواءً، واعتبر أنَّ ما أعانيه ليس إلاَّ عارضاً بسيطاً أصابني من جرَّاء البرد القارس.

 

-وهل أنت مقتنع بما قاله الطبيب؟

 

- لست مقتنعاً البتَّة، فعندي انحطاط في نفسي ... وقد غبت عن الوعي مرَّتين يوم أمس، لمرارة أشعر بها... مرارة كالعلقم...

 

توقَّف عبد المنعم قليلاً عن الكلام، ثمَّ ابتلع غصَّة، وأردف:

 

عمَّن أخبرُك أيُّـها الكاهن الجليل؟ هـل أخبرك عـن تلك الـمرأة التي أحببتُها؟ كانت جائعة فأطعمتها، وكانت عارية فألبستها، لكنَّني ما جنيت من خبز التقدمة إلاَّ أكياساً من العدم وقناطير من الخيبة...

 

-لا تفكِّر في أمـرها، بل إجـعل لك فأساً، وانقضَّ على صورتها التي في قلبك فحطِّمها، لكي تتخلَّص من جريمتها، وتمحو عارها من الوجود... إنَّ اقترابك من بعض الناس هو الخسارة بعينها وابتعادك عنهم ربح لك. وبالصبر... بالصبر وحده تحْدث الأعجوبة... هل ترى أنَّ تلك المرأة هي أفضل منك؟ هل تجعل من نفسك ضحيَّة لها، فتتعذّب وتقلق بينما هي تفرح وتسعد؟

 

- أكلتُ الصبر بقشره وأشواكه، فأرعبني طعمه، وصرت أتوه في الطبيعة، وصوت ضميري يؤنِّبني على ضعفي... وعمَّن أخبرك بعد؟ أأخبرك عنِّي وأنا أعيش في كهفٍ أعمق من الخطيئة، وعندما رأيت للطيور أوكاراً، تمرَّغت في وحول البكاء، فأنا الآن كبير في السنِّ، ولن أشبه الطيور في شيء...

 

- مهما حدث لك من ألم ومعاناة، فلا تتوقَّف عن إضاءة الشموع في معبد الإله...

 

- لكنَّ الذين أشقى من أجلهم، يعتقدون أنَّني لا أشقى، وأنا تعبت من الشقاء الذي يسبِّبه شقائي... فالناس لا يفهمون إلاَّ ما يرونه...

 

- نعم... إنَّهم يأخذون ولا يعطون، لذلك يتنكَّرون للعطاء... وبالرغم من ذلك، هل رأيت العصافير تتوقَّف عن الغناء؟ وهل رأيت نبعاً يكره أن يتدفَّق؟... ينبغي أن يكون قلبك مأوى للهاربين من أنفسهم، وعند ذلك ستكون ملاكاً...

 

- ملاك أصفر الوجه... كيف سيصنع المعجزات؟ إنَّ الآخرين سيأتون إليه، ويرفعون العصيَّ في وجهه، صارخين: متى كنَّا جائعين وأطعمتَنا؟ ومتى كنَّا عريانين وكسوتنا؟ فتخلَّ عن قعودك، وحطِّم هذا الكسل على أدراج المدينة، واعطنا خبزنا كفافَ الدهور، فنحن كلَّما رأيناك نموت من الحاجة...

 

ضحكتُ ضحكة طويلة ارتجَّت لها جــدران الهيكل، ثمَّ سألتُ عبد المنعم:

 

أليس عندك أولاد؟

 

-بلى... عندي أولاد أربعة، لكنَّني لم أنجبْهم...

 

-من أين أتيت بهم إذن؟ هل تبنَّيتَهم؟

 

-كانوا أبناء رجل فقير، أصابه مرض عُضال، وأخبره الأطبَّاء بأنَّه سيموت، فأوصاني بتربية أولاده، فرفضت لأنَّني لا أحبُّ الأولاد... لكنَّه بكى وقال لي إنَّ زوجته ماتت ولا أهل له، وإنَّ لا أحد من أغنياء المدينة رضي بأن يربِّي صغاره، بل انتهروه قائلين: إذهب عنَّا يا رجل، فنحن نتمنَّى أن يأخذ أحد أولادنا ويريحنا من أتعابهم. وأمام إلحاح الرجل ودموعه الغزيرة أخذت أولاده وربَّيتهم في منزلي حتَّى شبُّوا عن الطوق. وبعد عشر سنوات، شفيَ الرجل من دائه بأعجوبة، فطالبني بالأولاد، فارتعدت، وادَّعيت أنَّهم ليسوا له، لكنَّه لجأ إلى القانون، فاستعادهم رغماً عن أنفي...

 

-هم أبناؤه، أليس كذلك؟

 

-أبناؤه بالجسد، وليسوا له. وسأظلُّ أعتقد أنَّهم أبنائي، لأنَّني لا أريد أن أكون حماراً بعد الآن، فالحمير تموت ولا يأسف عليها أحد...

 

-وأنا أريد أن أساعدَك لتصبح إنساناً قويّاً، ولذلك ما إن تخرج من هنا، حتَّى تجد لك رفيقاً في الطريق. إنَّه أنتَ الآخر... سيحميك من غدر الأشقيـاء، لكن لا تبُح لـه بأسرارك، فما إن تفعل، حتَّى يهاجمك بأظـافـر من نار، ويثأر من خيانتك...

 

-هل سأشفى بفضله من مرض لم يكتشفه الطبيب؟

 

- نعم... إنَّه صانع معجزات، وقد يتعذَّب من أجلك، فلا تضطهده؟ أنت الآخر هو الطبيب والدواء، وهو الداء والفناء، فبقدر مـا تكون عنيفاً معه تواجه الموت، وبقدر ما تحبُّه وتصادقه تنجو من العدم والاندثار.

 

- وماذا أفعل إذا طالبني الآخرون بدمه؟

 

- أعطهم موعداً كاذباً، واجعلهم ينتظرون إلهاً لا يأتي... إنَّ الدم ثقيل، فلا تقتل أحداً، ولو كان واحداً منك.

 

- تريدني أن أكذب أيُّها الكاهن الحكيم...

 

- لقد كذبتَ كثيراً في حياتك، وكنت تظنُّ أنَّ ما تقوله وتفعله هو الصدق بعينه. أمَّا الآن، فلديك فرصة جيِّدة لتكون كاذباً على الناس، وصادقاً مع نفسك. أخرج من هنا أيُّها الرجل الحائر، وإذا تسلحتَ بالحكمة في الأيَّام القادمة، فلن تتعذَّب أبداً...

 

-ما تقوله يحرجني ويعذِّبني أيُّها الكاهن فـي معبد الروح، فهل تريدني أن أتقمَّص روحاً ليست لي لأنجو بنفسي؟

 

- أمرك غريب يا رجل. إنَّ روح الضعف التي فيك الآن هي التي تتقمَّصها، أمَّا روح القوَّة التي تنتظر منك أن تعود إليها، فتلك وضعها الله في نفسك منذ قديم الدهور وأنت لا تدري بها. إبحث عنها وستجدها صارخة إليك ومسترحمة، وقائلة: لماذا ارتكبتَ الخيانة يا ابن الأفعى، وتركتني في حقل مهجور بين الشوك والعواصف؟

 

- كلامك يشبه كلام نيتشه وأنا خائف منك.

 

- كلاَّ. نيتشه لا يعرف الحقيقة. لقد رأى نفسه عملاقاً في مرآة كاذبة، فاعتقد أنَّ الإنسان إله. أنا أدرك أنَّ الإنسان ليس إلهاً ولن يكون، ولكنَّ فيه قطرة من عبير الإله، فلماذا يفرِّط بهذه القطرة التي تعطيه المجد والفضيلة؟ إذهب يا ولدي، وتواضع للناس لتكون ضعيفاً في جسدك وقويّاً في تألُّهك. أعطِهم من زادك لكي يشبعوا، وإن كانوا لن يردُّوا لك جميلاً. أما رأيتهم في الصفوف الأماميَّة ويتصدَّرون المآدب؟ بالأمس طردتُ واحداً منهم لأنَّه كان متمرِّداً في كلامه وشيطاناً في روحه. هؤلاء موجودون في كلِّ مكان. يأخذون من الله ولا يعطونه. يكذبون على جميع الناس ويصْدقون مع الأبالسة. يتكابرون في المجالس ولا يتركون مجالاً للحكماء والأدباء والفنَّانين لكي يتكلَّموا، فقد بلغت وقاحتهم كلَّ مبلغ... وإذا كنت تنتظر منهم أن يعطوك، فلن يعطوك سوى جهلهم وغرورهم، وعلى الرغـم مـن ذلك، فأنت حين تغمرهـم بأفضالك ومزاياك، تجعلهم يتحرَّقون على جمر أحقادهم وتنتقم منهم.

 

- أنت كاهن في معبد النور وترشدني إلى الثأر والعتمة؟!

 

- نعم، فالربُّ إلهك لم يكن إلهاً ضعيفاً، ولم يغرس في نفسك غرسة الخوف والجبانة...

 

- وهل أفعل خيراً إذا أسأتُ إلى المتكبِّرين والمتعاظمين؟

 

- الخير والشرُّ متكاملان منذ التاريخ. لعلَّك قرأتَ جبران وفهمت منه أنَّ الإنسان صالح صالح ولا يفعل شرّاً إلاَّ إذا جاع أو عطش، أو إذا طلبتْ منه الحياة أن يكون مارداً في وجه الخير المتألِّم. إنّ جبران يدافع عن الإنسان الذي أضاع طريقه، ولكنَّه ما زال إنساناً. وغوته نفسه يريد الشرَّ خادماً للخير، أمَّا أنا فأقول لك صدقاً إنَّ جبران وغوته معاً لا يعرفان اتِّجاه الريح، فالشرُّ نقيض للخير، والشرِّير يجب أن يُحاسب لأنَّه جعل الشرَّ ينتصر على الخير في نفسه، فإذا بالآخرين ضحايا في معبد حقده وفساده، والشرُّ ليس خادماً للخير، ولا يقود إلى الخير، بل إنَّ الذين يغمرهم شوق إلى العالم المادِّيِّ، عظَّموا من نفوذ الشيطان. لذلك أقول لك يا بنيَّ: نعم، سامح الخطأة والجُناة، فإنَّك في ذلك تفعل خيراً لك وشرّاً لهم، فالأبغض عند هؤلاء أن يجدوك سعيداً ولا تبالي بما يفعلونه لك من أذى.

 

كانت تلك آخـر الكلمات التي قلتُها للرجل، قبل أن يـودِّعني بصمت، ويغيب في مجاهل الحياة، حيث الريح ترسم خطوطاً في الرمال، فتعمي العيون عن الحقيقة المطلقة. وخرج عبد المنعم إلى الساحة، حيث يتراكض أهل المدينة ويتصايحون. كانوا يريدون أن يكون كلُّ شيء جاهزاً للاحتفال بالعيد.

 

ومنذ تلك الساعـة، تعلَّم عبد المـنـعــم ألاَّ يتكلَّم ولا يبكي، فاتَّــخـــذ لــــه منزلاً على الرصيف، وصادق الشحَّاذين والخطأة، وسلَّم على المتعاظمين بفرح... وكان الناس ينظرون إليه مندهشين وقائلين: إنَّ عبد المنعم فقد عقله، ولا فائدة منه بعد الآن.

 

المرأة ورجلها-14

 

كنتُ أتجوَّل في الحقول القريبة من المعبد، فأصاحب الفلاَّحين، وأتحدَّث إلى الحطَّابين، وأملأ رئتيَّ بهواء الشمال النقيّ بعد أن ذهب البرد الذي كان يلفح الأشجار فيحوِّلها إلى أعمدة عارية. الشتاء هذا العام كان قاسياً، فأتلف المحاصيل، وخرَّب الأراضي، غير أنَّ الناس على أطراف المدينة لم يقنطوا، بل تابعوا أعمالهم بصبر وإيمان، فالعواصف لا تقعد الرجال والنساء عن تأدية رسالتهم الخالدة في العمل والإبداع. طوبى للمحراث الذي يغيِّر وجه الأرض فيقلبها وينزع الجفاف من شرايينها، وطوبى لليد التي تبذر في التراب وإن كانت تعرف أنَّ كثيراً من البذار ستأكله الطيور وتبدِّده الأعاصير، وطوبى للأفواه الجائعة التي تنتظر الحصاد، فتفرح وتسرّ. وطوبى للشعراء والفنَّانين الذين سحرتهم الطبيعة في ربيعها وخريفها، فلبسوا أثواب الغابات، واستحمَّت نفوسهم بمياه الأنهار والينابيع، وجسَّدوا قوَّة السماء في أعمالهم.

 

وبينما أنا أفكِّر في قدرة الله الأزليَّة، وأمجِّد الأرواح المسرعة التي تحملها النسائم الرقيقة إلى كلِّ اتِّجاه، اقتربتْ منِّي امرأة فلاَّحة بارزة الجمال، طويلة القدِّ، ترتدي ثياباً قديمة ممزِّقة. كانت المرأة مضطربة وخائفة، تنظر إلى الوراء بعينين زائغتين، فقلت في نفسي: لعلَّ أحداً يلاحقها. وفي تلك اللحظة خاطبتني قائلة:

 

الحمد لله أنَّك هنا يا سيِّدي الكاهن، فزوجي لا يسمح لي بأن أزور المعبد ولا أن أتحدَّث إلى الرجال، وقد انتهزتُ فرصة غيابه ساعة لكي أسارع إليك وأشكو ما أعانيه من ظلامة وتعذيب... انصحني أيُّها الكاهن، فأنا ذاهلة ولا أعرف كيف أتصرَّف. لقد حوَّلني الجهل إلى دمية خرساء، وصهرتني الجبانة قطعة من حديد لا تتحرَّك. وهكذا تمرُّ الأيَّام والليالي مسرعة وأنا وراءها لا أستطيع التقاطها. إنَّ زوجي يجبرني على العمل ساعات طويلة، وإذا طلبت الراحة غضب وهدَّدني. أنظر إلى ثيابي. أهـي ثياب امرأة خلقها الله لتكون على صورته مثاله؟ إنَّ مـا أطلبه من الإنسانيَّة هو أقلُّ ممَّا يطلبه الحيوان لكي يعيش راضياً ومقتنعاً بحياته.

 

نظرت إلى المرأة وأنا أهزُّ برأسي، غير أنَّني لم أشعر بشفقة نحوها، بل شعرت بقوَّة تدفعني إلى تنويرها، فهي ليست ضعيفة ولا تنقصها الشجاعة، إنَّما اعتادت على نمط من الحياة بات يمتلكها ويسيطر عليها، وبين الجرأة والشجاعة خيط هزيل يستطيع المرء انتزاعه بسهولة.

 

قلت للمرأة: عليكِ أن تولَدي من جديد، والولادة تحتاج إلى مخاض وألم. أما رأيتِ الزهرة الجميلة كيف تخرج من الأرض القاسية؟ وكيف تخترق جدار العدم لتعانق الصباح، وتنشر عطرها على حبال النسيم؟ أما رأيتِ النجمة البعيدة كيف تشقُّ عتمة الليل لتوصِل نورَها إلى الناس؟ أما رأيتِ الموجةَ المتكسِّرة على رمال الشاطئ كيف تستجمع قواها وأجزاءها رافضة الموت والزوال؟ الرجل يا ابنتي هو رأس المرأة والمرأة جسده وقلبه، وكلاهما يحتاج إلى الآخر ليعيش ويستمرَّ. المرأة هي الربيع الذي يزهر في الحقول، ويملأ السماء عطراً وغناء. وإنِّي لأعجب كيف أنَّ التقاليد جعلت منها تابعاً، وهي لا تتبَع ولا تُتبَع. وإنِّي لأعجب كيف يهين الرجل زوجته ولا يشعر بالإهانة. إذهبي إلى زوجِكِ واعرضي عليه الحقيقة، فهو يعرف نصفها ويكتفي بما يعرفه، فإذا رفض أن يعرف النصف الآخر، فانفضي غبار نعليكِ عند بابه، واخرجي من عنده ولا تعودي إلاَّ إذا عاد ورضيَ بما قسمه الله لكِ من حقٍّ ونصيب في الحياة. وعندما يذهب إليكِ معتذراً وراغباً في أن تعودي إليه، فاطلبي منه لباساً جديداً، وحذاء، وأصباغاً لوجهك وأظافرك. سيقولون عنكِ إنَّك امرأة مادِّيَّة، ولكنَّ المادَّة والروح واحد، ينفصلان أحياناً ويأتلفان أحياناً أخرى، ولكن لا يتحاربان، فهل يفصل المتنزِّه في الحقول بين عطر الزهرة ولونها، أو بين الشمس ونورها؟ هم يريدون منكِ أن تأسري نفسكِ في الروح فتظلِّي ضعيفة ومستسلمة، أمَّا جسدكِ فآلة هزيلة، تعمل في الفراش والحقل والبيت، وتتعطَّل عندمـا يريد لها الآخرون أن تتعطَّل...

 

فرحت المرأة بــمـــا سمعت، فنظرتْ إليَّ برجــاء، ثمَّ سألتْني: إذا كان زوجي بخيلاً، فكيف أعامله؟

 

-البخل أبشع الرذائل. وإذا كان الكرَم يشدُّكم نحو الله فالبخل يبعدكم عنه، لأنَّ البخيل بخيل في صَلاته وفي تسبيحه أيضاً. أنتِ تعملين في الحقل، فليكن لكِ من حصاده لتأكلي. وقولي لزوجكِ: إنَّكِ لا تجودين من أملاكه، فهو لا يملك شيئاً، بل إنَّ الله هو الذي يملك، وهو الذي يوزِّع من خيره على الناس، فلا الأرض، ولا السماء، ولا البحر تعود لأحد منَّا. وقولي له أيضاً إنَّكِ تتعبين لا ليأكل الآخرون من جنى يديكِ، بل لتأكلي أنتِ وتطعمي الآخرين. وإذا كان لكِ جارٌ فقير، فاطرقي بابه كلَّما دعتكِ نفسك لتكوني ابنة الحياة، واعطِيه خبزاً وخمراً، فإنَّ الخبز الذي تضعينه على مائدة الغير هو المعموديَّة التي تحرِّرك من العبوديَّة، وإنَّ الخمرة التي تسكبينها في كؤوس العطاش هي السرُّ الذي به تتجدَّدين.

 

وختمتُ كلامي إلى المرأة قائلاً: نعم أيَّتها المرأة. املئي رئتيكِ بهواء جديد، وارفضي أن تركعي لأنَّ الركوع هزيمة وانحطاط. وإذا كان عندكِ أولاد، فعلِّميهم على الصبر والفضيلة، وعلى القوَّة والشجاعة، وانزعي الخوف من أرواحهم، لأنَّهم سيواجهون الكثيرين ممَّن يطلبون الضعف في الإنسان ليمتطوه كما يمتطون البهائم، والويل لهذا الإنسان إذا استسلم وسلَّم، فإنَّ ظهره لن يعرف الراحة، وجسده لن يعرف الركون! نعم يا ابنتي، كوني وزوجكِ واحداً أحداً، ولكنْ لتكن لكِ كرامة، فالموتُ على حدِّ السيف أفضل من الحياة على حدود الهزيمة.

 

خرجت المرأة من عندي سعيدة وراضية. وبعد مدَّة علمتُ أنَّها اشترت ثياباً جديدة، وأصبحت تعطي جيرانها الفقراء طعاماً، وصار زوجها رجلاً آخر فتخلَّى بفضل شجاعتها عن طبيعته المتوحِّشة.

 

الهجرة-15

 

قلت لرجال يتجمَّعون عند الميناء: منكم مَن يفضِّل البقاء حيث وُلِد، وبعضكم يحبُّ الرحيل واكتشاف المجهول، أمَّا الرحيل فعشق للمسافة، واعتناق لديانة المغامرة، فاحملوا معكم متاعكم واضربوا في البحر لتكتشفوا عوالم جديدة، فأنتم لم تولَدوا لكي تعيشوا في صومعة الحرمان. وإذا تركتم بيوتكم وحقولَكم، فلا تلتفتوا إلى الوراء، ولا تقولوا: كانت عندنا أملاك كثيرة، فما تملكونه لم يكن يوماً لكم، وقد أخذه الفراغ واحتلَّته الوِحشة. ولا تحزنوا لأنَّكم فارقتم أهلكم وإخوتكم وأحبَّاءكم، ففي كلِّ جزيرة تنزلون عليها سيكون لكم أهل وإخوة وأحبَّاء. البحر سيعلِّمكم أنشودة المدى والأفق، والأمواج ستهدهدكم كأطفال وُلدوا للتوِّ من رحم الطبيعة. أذكروا مَن تحبُّونهم وتشتاقون إليهم في الغناء الذي يخرج من أفواهكم ومن أيديكم أيضاً، ولا تقطعوا صلة مع من فارقتم على الشاطئ البعيد، فهؤلاء ستجمعكم بهم مائدة أبديَّة لا ييبس خبزها ولا يجفُّ مــاؤهـــا، وإذا مات أحدكم في الأرض البعيدة، فاحملوه على أكفِّكم المتعبة وودِّعوه على أمل اللقاء.

 

لا تحزنوا لأنَّ الحزن من علامات الموت الأبديّ، وأنتم أبناء الحياة. وإذا قال لكم أحد: عودوا إلى أرضكم المقدَّسة فأنتم من غير لوننا وجنسنا وقبائلنا، فأجيبوه بابتسامة الودِّ وعلِّموه أنَّ جميع الناس من جنس واحد ومن دم واحد، أمَّا هو فإنَّه يرى الوهم فيظنُّه حقيقة. وإذا قال لكم أحد أيضاً: أنتم خائنون للأرض التي فيها ولدتم ومن مائها شربتم ومن حقولِها أكلتم، فقولوا له: نحن نحبُّ الحرِّيَّة، وحيث تكون يكون لنا وطن، ونكره العبوديَّة، وحيث تكون العبوديَّة تنتهي أوطاننا. واحذروا أيُّها الأبناء أن يأخذكم الغرور إذا أصابكم الغِنى، فقد كنتم جميعاً فقراء وجائعين، ولم يتغيَّر شيء لأنَّ مَن ينكر الماضي ويتنكَّر له لا يستطيع أن يعيش في المستقبل. وقد كنتم في أوطانكم تكرهون من يأكلون أموالكم، ويسرقون قطعانكم، ويحتكرون كرومكم، فلا تدعوا لهؤلاء أن يولَدوا من جديد بينكم فينغِّصوا عليكم حياتكم. إنَّ الذين يريدونكم أذلاَّء تابعين هم جماعة من الأغبياء الذين كانوا هم تابعين، ويطلبون الانتقام من أمسهم البغيض. وكونوا أوفياء للأرض التي احتضنتكم وأرضعتكم من ثدييها، فإنَّها أمُّكم بالرضاعة، ومن الخيانة أن تكرهوها أو تلعنوها... أنظروا إلى أهلها كيف يعيشون وعيشوا مثلهم، وكيف يلبسون فالبسوا مثلهم، وكيف يتحدَّثون فتحدَّثوا مثلهم، ولا تفرضوا عليهم تقاليد ورثتموها من أجدادكم، فإنَّهم لا يعرفونها وليس بمقدورهم أن يتعلَّموها منكم، وبدلاً من ذلك تعلَّموا تقاليدهم، وخذوا منها ما يفيدكم. وإذا أقدم أحدكم على مخالفة الأنظمة، أو أراد أن ينشئ نظاماً على هواه، فوبِّخوه وقولوا له: أنت ضيف على هذه البقعة من الأرض، وعلى الضيف أن يحترم الأنظمة في البيت الذي استضافه. نعم يا إخوتي، أنتم لستم مسؤولين عن كلمة الله ولستم المدافعين عنها، وليس الله في حاجة إلى بشر لكي ينطقوا باسمه ويحاموا عن أملاكه وشريعته. كونوا ودعاء، أتقياء، وأوفياء، ولا تعضُّوا اليد التي أطعمتكم لأنَّها يد مباركة ومنها أخذتم الفرح والرجاء.

 

وإذا مررتم بالقرب من مقبرة، فصلُّوا على الأموات وأنتم مغمضو العيون، ولا تقولوا: هؤلاء ليسوا من أمواتنا، فالأموات لا يعرفون أسماءهم وقد تركوا معابدهم على الأرض وذهبوا إلى مكان ليس فيه معابد ولا أيقونات. في الموت يتساوى البشر، فلا أبيض ولا أسود، ولا ملك ولا عبيد، ولا قادة ولا صعاليك. الموت يخرجكم من القشور البالية، ويضعكم وجهاً لوجه أمام الله، فديانتكم حينئذٍ هي ما صنعتموه لإخوتِكم، وما ضحَّيتم به من أجل عائلاتِكم. والله لن يسأل أحداً عن دينه لأنَّ دينه الخير والسلام، والذين يقتلون ولا يفعلون السلام فهؤلاء يتعذَّبون بفعلتِهم، أمَّا الأشقياء الذين ساقتهم الطبيعة فقد أحبُّوا سلام أنفسهم، وقتلوا الغير من أجل حياتِهم. وصدقاً أقول لكم: إنَّ الغربة تجعلكم تتعذَّبون من أجل أنفسكم ومن أجل غيركم أيضاً، والعذاب فضيلة. فافرحوا لأنَّكم اغتربتم ولا تعيشوا في الأحزان. إنَّ الأحزان نفسها لا تدخل إلى القلوب التي تفيض بالمحبَّة، ولا تعانقها الأيدي التي تعانق الشمس.

 

الضغينة-16

 

الضغينة مقتلة، ليس لأنَّها نقيض المحبَّة بل لأنَّها نقيض الفكر والحكمة. إذا حقدتَ على أخيك فما أنت إلاَّ قاتل أعمى وأصمُّ، وإذا حقدتَ على زوجتك وأولادك تكون عدوّاً للحياة نفسها، وإذا حقدت على نفسك تتعذَّب حتَّى الموت. الحقد بيت أسود تدخلون إليه، ولا تخرجون منه إلاَّ وقلوبكم يابسة، ووجوهكم صفراء. من أجله اندفع الآلاف إلى الحروب، وسيقت البشريَّة إلى مجازر مخيفة. وإذا كانت المحبَّة تعلِّمكم لتصبحوا مفكِّرين وفلاسفة، فإنَّ الحقد يجرِّدكم من عقولكم فتصبحون أشباحاً مخيفة في حقل مهجور، تمرُّ بها الأعاصير والرياح وتلفحها الشموس فلا تعرف الفصول، لكنَّها أشباح مجرمة، تنفث النار من أفواهها لكي تنشر الذعر والموت في الأزمنة. وقد علَّمتْكم الكتب أن تبغضوا البغضاء، وتحبُّوا المحبَّة، وأنا أعلِّمكم أن تحبُّوا المحبَّة لكي لا يبقى للبغض كلام على شفاهكم ومكان في أفئدتكم. أمَّا إذا بغضكم الآخرون واحتقروكم، فاعطوهم من كلامكم ذهباً ليغتنوا، ومن قلوبكم أناشيد ليسبِّحوا ويرقصوا. وكلَّما عاد إنسان من حقده إليكم، فأعدُّوا له مائدة عامرة، وادعوا الموسيقيِّين والمرنِّمين، واطلبوا من خدمكم أن يسكبوا الكؤوس من غير حساب، فاليوم تدفنون الليل وتحتفلون بالنهار، وستنامون على أجنحة من بياض الأقحوان ونقاء الربيع.

 

لا تعاقبوا إنساناً على ضغينته، لأنَّكم إذا عاقبتموه أصبحتم أنتم حاقدين وملاعين. أمَّا إذا أصبحت ضغينته خطراً عليكم، فلا تقفوا أمامه عاجزين وحائرين، بل كونوا أقوياء وعُتاة، لأنَّ الضعفاء فقط هم الذين يسقطون على التراب، فتدوس عليهم الخيول وتأكل العربات من لحومهم، أمَّا الأقوياء فيتمجَّدون بقوَّتهم وينتصرون على الوحوش التي تهاجمهم. وسيقولون لكم: كونوا ضعفاء وخاملين، وأنا أقول لكم: إذا ضربكم أحد بحذائه فلا تجيبوه بالحذاء، بل بالكلمة الحقَّة التي تنقل الجبال، وتحوِّل الظلام إلى أنوار وكواكب. واحذروا أن تكونوا ضحايا في معركة الحقِّ، لأنَّ الحاقدين لا يعطونكم عبير الزنابق وحفيف الشجر، بل يعطونكم أشواك الحقول وفحيح الأفاعي. فلتكن قلوبكم حاضرة للمواجهة الصعبة، وهي مواجهة ستخسرون فيها قليلاً، وتربحون كثيراً، لكنَّ انتصاركم هو انتصار مجيد، ستفرح به الأجيال، وتعتزُّ به العصور الآتية.

 

اخلعوا رداء الكراهية وتكلَّموا لغة السلام، فهي لغة المجد الأبديِّ، وبها تحطِّمون أغلال العبوديَّة لتنطلقوا إلى فضاء الحرِّيَّة. عندما تفهمون السلام تفهمون لغة الأطيار، وأسرار الغابات والجبال، وتصيرون شعراء من غير أن تعرفوا. السلام الذي تعطونه للناس هو الطِّيب الذي يغمركم ويشعركم بالغبطة، وهو السفينة التي تنقذكم في غمرة الموج وهدير الأعاصير، وتوصلكم إلى المدينة التي ستبنون فيها بيوتكم، وتربُّون أولادكم فيكبرون ويكثرون في الأرض. إنَّ الذين يعرفون الضغينة هم الجهلة الذين لا يقرأون ولا يكتبون، أمَّا الذين يعرفون الحبَّ فهم الفلاسفة الذين اكتشفوا طبيعة الله وأين يوجَـد، فكلامهم صـلاة وقلوبهم معابد.

 

المتلوِّنون-17

 

غضبتُ على المتموِّلين، فخاطبتُهم بمرارة قائلاً: هجرتكم أيُّها المتلوِّنون. هجرت وجوهكم وأسماءَكم وصورَكم الكبيرة. وتعبت من كلِّ كلمة تقولون.

 

أنا في جهة وأنتم في جهة. أنتم مسلَّحون بالحقد والضغينة، وأنا مسلَّح بقدرتي على الحياة، والضغينة لا تقتل الحياة.

 

اغضبوا ما تشاؤون، وافتحوا النار كما تشاؤون، فالله أعطاني أعماراً كثيرة لأعيش في عصركم، فإذا انتهى عمر على أيدي الطغاة حييتُ في عمر آخر.

 

أنتم تجتمعون في هياكلكم وأنا وحدي، عارياً في الريح، بصدري أردُّ رصاصكم الغادر. فلا تضحكوا في وجهي لأنَّني أكتشف الأبالسة وأفضح الثعالب.

 

وأنتم تخطِّطون لاغتيال الكلمة، والكلمة هي الأبد والأزل.

 

وتريدون إطفاء الجمرة التي وضعها الله في قلبي، وستبقى مشتعلة دائماً.

 

أنتم مجرمون وتقتلون في وضح النهار، وتكشفون عــــن خناجركم الحادَّة ولا تخجلون. وتلاحقون المقتول إلى القبر لتقتلعوا أسنانه وقلبه، وتأكلوا رئتيه، وبــعـد أن تشبعوا من لحمه، تذهبون إلى بيته في سكينة الليل، فتغتصبون زوجته وتشعلون النيران في الجدران.

 

أنتم صور معلَّقة في صدور المنازل، فرِّيسيُّون، مقنَّعون، سارقون، وتعيشون على فتات المجد الباطل.

 

لو كنتم من غير وطني، كنت قلت: لعلَّ هؤلاء يكرهونني لأنَّ أجدادي اضطهدوا أجدادهم، وليس لي حقٌّ على مَن ليس من أهلي.

 

ولو كنت من غير لونكم، كنت قلت: هؤلاء لم يألفوا أجناس بشر تختلف عنهم، فلأدعهم وشأنهم.

 

لو كنتم من غير ديني، كنت قلت في نفسي: قد أكون كافراً في نظرهم، وهم لا يحبُّون الكافرين.

 

لكنَّكم من وطني، ولوني، وديني... فأيُّ وطن علَّمكم أن تفتكوا بأبنائه؟ وأيُّ دين أوعز إليكم أن تقتلوا وتمثِّلوا بالأجساد؟

 

أنتم تطلبون منِّي أن أقف على أبوابكم شحَّاذاً، فتعطفوا عليَّ، وتقولوا: ههنا رجل خاضع وضعيف، وفي وسعنا أن نمتلكه، ونسيِّره كما نشاء. وتريدون أن أعترف أمام البشر بأنَّكم نبلاء وملائكة، فتكرِّموني، وتكافئوني كما تكافئون العاجزين من أتباعكم. وتحبُّون أن أقول فيكم كلاماً لتغدقوا عليَّ بالهدايا، وتقدِّموا لأطفالي شربة ماء، ولكنَّني لا أقول إلاَّ حقيقتكم الجارحة، وأموت من العطش ولا أشرب من أيديكم، لأنّ أيديكم صفراء، وماءكم مالح ومسموم.

 

من أيِّ جنس أنتم وأجدادكم باعوا المسيح وأنكروه، وأنتم تصلبون الإنسان وتخونونه؟ وكيف تجرؤون على الصلاة، وصلاتكم شتائم وطعنات في الضمير؟ كيف يستقبلونكم في المعابد، وفي صدوركم معابد فارغة إلاَّ من الخريف واليباس؟ وكيف تدَّعون أنَّكم أبناء الله وأنتم الجهلة والنمَّامون والأفاَّكون، فإذا طلب منكم أخوكم رغيفاً اعطيتموه كيساً مملوءاً بالأفاعي والعقارب، وقد تدفعون بالمسامير إلى حلقه، وتصلبون أبناءه على أبواب المدينة؟

 

عرفتكم يوم اضطهدتموني، وخنتموني، وطردتموني من دياركم، وكنت أعطيكم الكلمة، وأصحبكم إلى حقول الفكر لأغنيكم. ولم أعرف أنَّكم لا تميِّزون بين الكلمة والحذاء، وبين الوردة والخنجر.

 

يا لهفي على أمَّة فيها تعيثون فساداً، وتُظهرون عليها العطف والمحبَّة، في مسرحيَّة مبكية لا يكشفها إلاَّ الأذكياء والمؤمنون!

 

يا لهفي على أمَّة كذبتم عليها طويلاً وما زلتم تكذبون، فيا لكم من ممثِّلين بارعين ويا لنا من متفرِّجين أغبياء!

 

كُلوا واشربوا على سذاجة الناس الذين يجهلونكم، وافرحوا لأنَّكم ترقصون في المآتم وتبصقون على الجثث المحنَّطة.

 

ولكنِّي صدقاً أقول لكم أيُّها المتلوِّنون، يا أبناء الأفاعي: إنَّ إلهكم لا يشبهني ولا يناسبني، ولا يمتُّ إليَّ بصلة، فأنا أعبد إله الحقِّ الذي يعطي ثوبه لمحتاج، وخبزه لجائع. إلهي يزورني عندما أكون في البرد والعاصفة، فيضع الحطب في موقدي، ويترك على كتفي رداءً، وفي فمى لقمة.

 

إلهكم مزيَّف مزيَّف... تمثال فارغ من المعنى، وإلهي حيٌّ في كلّ مكان، أستمع إلى صوته وأحدِّثه.

 

لست من عبدة الأصنام لأعبدكم، فاعبدوا أنفسكم ومجِّدوها، فما أروع الذين يمجِّدون إلهاً يكون فيهم ويكونون فيه، وما أبشع الذين يمجِّدون إلهاً من صنع أيديهم المدنَّسة، روحه من تراب ووجهه من حديد وصدأ.

 

الصدق-18

 

مَن هم الصادقون؟

 

هم الذين يرفعون جباههم للشمس، ولا يخافون من العواصف والرعود. الصدق هو الوعد الذي قطعه الله للبشر، وهم يكذبون. والكذب هو الجبانة. أما رأيتم الكاذب كيف يتلوَّن ويخاف من افتضاح أمره؟ هو القاتل المقنَّع الذي يقتل الضمير فيه قبل أن يقتل الإنسان.

 

الصادق يتحدَّث إلى الله والله يحادثه، والكاذب شيطان أعمى، يتخفَّى على الدروب والمفارق ليوقع بين الناس. الصدق يجعلكم أنقياء وطاهرين، والكذب يجبلكم بتراب أسود، فمهما تظاهرتم بالبراءة يكون الحقد ظاهراً على وجوهكم. ولو غطَّيتم سواد نفوسِكـــم بثلوج القمم وأجنحة الملائكة، فإنَّ الأصــبـاغ لا تخفي شيئاً من طبيعة الذات.

 

الكاذب يقتل أهله وأبناءه ويضرم النيران في المنازل، فيحيلها رماداً، والصادق يبني بالمحبَّة، والمحبَّة تبنيه.

 

وما أجمل الإنسان الذي يعترف بأخطائه، فاعترافه ينقِّيه، ويجعله صافياً كالثلج، وطليقاً كالينابيع. أمَّا الكاذب الذي يحدِّثك بالرفق والحنان، ويطعنك بخنجر عندما تغيب عن أبصاره، فهو أبشع من الفرِّيسيِّين وأقبح من الصالبين.

 

وما أكثر الحمقى الذين يكذبون كلَّ يوم، فالناس يعرفونهم، وإن كانوا لا يقولون حقيقتهم. الكاذبون يحكُمون على الناس بالجهل، ويفرحون لأنَّهم أذكى من أن يكتشفَهم البشر. لكنَّ الله جعل للناس عقولاً وأعيناً، فليس كلُّ من تجاهل جاهلاً، وليس كلُّ مَن تذاكى ذكيّاً. وصدقاً أقول لكم أيُّها الأبناء إنَّ الصدق مولود من الحرِّيَّة، والكذب هو ابن العبوديَّة. فكونوا أنتم أبناء الحرِّية، ودَعوا أبناء العبوديَّة في كلِّ واد، فهؤلاء يعيشون في القيظ، ويموتون في الأسى، وتكون أكفانهم من سواد الليل وأجنحة الوطاويط.

 

يوم الثأر-19

 

كانوا يمدُّون رغيف الدموع كبيراً كضوء القمر، ولا يفهمون كيف أنَّ كلمة يمكن أن تيبس، وتحملها عربةُ السكوتِ إلى رصيف بعيد، أبعد من أجنحة الخيال.

 

بعد أيَّام مـــــن الغضب المرِّ، أرسلوا رجلاً منهم، إلى القبائل، وحمَّلوه ماءً مالحاً، وطعاماً لا يُشبع نفساً حاقدة. كان ذلك الرجل أخاً للقتيل، وحفيداً للقتلة.

 

أمروه بأن يعود إليهم، بعد حين، وفي قلبه خطيئة.

 

قالوا له: أنت رسولُ العتمة، فلن يهدأ لنا بال، قبل أن تـُفرغ هذه البندقيَّة في جسد.

 

كانت في ضميره غابة، لكنَّه مشى طويلاً، طويلاً، وأسئلته في فمه كصيحة غراب:

 

لماذا تتجمَّد الحياة فجأة، وتنهار السماء؟

 

لماذا لا يعيد البكاء سفينة من جزر الصمت والضياع؟

 

لماذا لا تتحطَّم أضلاع الزوال، ونعيش إلى نهاية النهاية؟

 

ومن هو القاتل يا ترى؟ أصهيلُ حديدٍ؟ أم لحظةٌ مريضة؟ أم صدفة المكان والزمان، والدم يسيل بينهما؟ وهل تمحو إغماضة عين صورة جميلة في قلب؟

 

ارتعش من هول أفكاره، وصعد بين التلال، ينشد أغنية عن رجل ترك بيته، وأهله، فابتلعه الغموض، وأصبح وردةً في بال.

 

كان عليه أن يجد أحداً مسؤولاً عن الغياب، لكي ينقضَّ عليه، فيروي عطشه إلى الثأر. وبعد رحلة كاد يغلبه فيها الضجر، رأى نبعاً يتساقط من بين الصخور، فاقترب لكي يشرب من فضَّته، وكم كانت دهشته عظيمة عندما لمح من بين الأشجار الكثيفة رجلاً جالساً على حجر، ويضع رأسه بين يديه، كمن يفكِّر!

 

كان الرجل الجالس يبكي بشدَّة، والحرقة في مقلتيه، حتّى إذا تعب من البكاء، رفع يديه إلى الغيوم البيضاء، وهو يقول بصوت متقطّع:

 

هل أطلب منك المسامحة يا ربُّ إذا كانت نفسي لا تسامحنـي؟... وهل أستحقُّ أن أُكون من أبنائك، إذا كنتُ كفرت بالنبوءة والأنبياء؟... نعم يا إله النور والولادة، لقد أخطأت في حقِّكَ، وأخمدت الحياة في رجل بريء. أخمدتُها بدم بارد، كأنِّي حيوانٌ في برِّيَّة، لا يعرف معنى الشرائع والنواميس، فأصبح الندم فأساً على عظامي، وكاد الأسى يطحنُ رأسي الفارغ إلاَّ من صوت ينادي كطائر الهامة... فماذا أفعل يا ربُّ لكي أكفِّر عمَّا جنيته؟ وهل من توبة في الكون يمكنها أن تمحو الإثم الذي يدمِّرني؟ لقد خنتُ المحبَّة، وهربت منها كجبانٍ إلى أقبية الضغينة، ومنازل العبوديَّة... فمات الرجل... مات، ودماؤه على أصابعي... مات ويداه ضارعتان إلى السماء، وفي وجهه سؤال أكبر من الصباح. مات لأنَّ الإنسان الذي فيَّ صار دمية في يد الشرِّ... مات مرَّة واحدة... وبينما كان يغمض عينيه قال لي: "أنا لا أعرفك، فلماذا تريدني أن أترك أبنائي في الحقل، وأذهب إلى جنازتي؟" مات مرَّة فقط، وأنا أموت مرَّات، لأنَّ رحيله من هذه الأرض صار عقرباً تنام تحت وسادتي، وتتلوى تحت ثيابي. من أجله أسلِّم روحي في الليل والنهار، في الصبح والمساء، في الشتاء والصيف، لأنِّي أعـــرف أنَّ جريمتـي لا نهاية لها. جريمة تنحدِر كالسيفِ على عنقي.

 

كان يقول ذلك، ورأسه بين يديه. وعندما انتهى من كلامه، أجهش بالبكاء مرَّة أخرى. وكان الرجل الآخر واقفاً وراء الأشجار الكثيفة، مذهولاً ممَّا سمعه. رفع بندقيَّته، وصوَّبها إليه. كان سهلاً عليه أن يطلق النار في رأسه لأنَّه قريب منه، ولا تفصلهما سوى خطوات... غير أنَّ العرق كان يتصبَّب من جبينه. أخفض بندقيَّته لكي يمسح العرق بطرف كمِّه. وما إن رفع البندقيَّة من جديد، حتَّى شعر بأنَّ يداً لطيفة تمتدُّ إليه، وتدفع به إلى الوراء، وصوتاً خفيفاً يأمره بأن يتخلَّى عن قناعه الأسود، ويعود إلى أهله مبتسماً، وعاقلاً كطفل صغير.

 

وفي اليوم التالي، رجع إلى قبيلته، فاجتمع حوله الرجال الأشدَّاء، والنساء والأطفال جميعاً، وسألوه: هل قتلتـَه؟

 

أجابهم: ذهبت لكي أقتله، فوجدت أنَّه قتل نفسه...

 

- هل تعني أنَّنا ثأرنا من القاتل؟

 

- نعم، لقد ثأرنا ولم نطلق رصاصة في فراغ... ثأرنا ولم نفرغ بندقيَّة في جسد.

 

- لا تحدِّثنا بلغة غامضة يتساوى فيها الموت والحياة. نريد أن نفهم مَن هو الجاني؟ ولماذا جنى على بريء؟ ونريد أن نراه جثَّة بلا حراك لينتقم المقتول من قاتله... قلْ لنا الصحيح.

 

- إنَّه رجل لا تعرفونه، ولا يعرفه أحـــــد. رجـــل غريب عن ذاته. وكم كنت أريد أن أطلق النار في وجهه! فأنتم تعلمون جيِّداً أنني لست ضعيفاً، ولا أخاف من المواجهة، وبندقيَّتي لا تخطئ، لكنَّنـي رأيته جثَّة هامدة! سألت عنه نفسه، فأجابتنـي: "لقد أخذ حياته بيده."

 

تفرَّق الرجال والنساء والأطفال، وكان الظلام قد بدأ يخيِّم على الأرض، فلمعت نجمة في السماء، كأنَّها صلاة، ورفرفت بومة على غصن شجرة هرمة، كأنَّها قبر حالك.

 

الرجل وأبناؤه-20

 

سمعتُ رجلاً يتشاجر مع أبنائه، ويقول لهم: أنتم لستُم أبنائي ولا أعرفكم. اقتربتُ من الرجل الذي كان ذا هيبة ووقار، ولمـَّا رآني خفَّ إليَّ وهو يطرح التعب عن وجهه المجعَّد. وكانت عيناه تتلألآن بدموع الخيبة. قال لي بصوت جافّ: هل رأيتَ يا سيِّدي الكاهن؟ إنَّ هؤلاء الأولاد لا يحترمونني ويعاملونني بقسوة. ثمَّ اقترب منِّي أبناؤه وقالوا: هذا العجوز الذي يقف أمامك أيُّها الكاهن يحتقرنا لأنَّنا أصغر منه، ويريد أن يفرض علينا تعاليمه وشرائعه، ونحن في زمن التطوُّر، فلا يجوز للآباء أن يحكموا علينا.

 

وقفت أمام الأب وأبنائه متضايقاً من كلامه وكلامهم، ثمَّ خاطبتهم قائلاً: ويلَه مَن يفرِّق بين الأب وأبنائه، وبين الأمِّ وابنتها، وبين الجار وجاره، فقد جاء ليهدم لا ليبني. فانظروا إلى الأمام أيُها الناس، ولكن لا تتنكَّروا لما تركتموه وراءكم، فإنَّ المرء يأخذ ما يفيده من الماضي وهو يخطو بخطوات متسارعة إلى المستقبل. أما رأيتم كيف أنَّ الطيور تترك أعشاشها في الصباح وتعود إليها في المساء؟ وكيف أنَّ القطعان في البراري تحنُّ إلى حظائرها، على الرغم من أنَّ الطبيعة تعطيها كلَّ شيء من المأكل والمشرب؟ فلا تتسرَّعوا في أحكامكم، ولا تنشغلوا بالتعاليم الضالَّة التي تسعى إلى التخريب. إنَّ الله أوجدكم وأحبَّكم ويريدكم أن تحبُّوا الغرباء عنكم، فكيف بأقربائكم يا قليلي الإيمان؟ إنَّ المحبَّة هي الشمس التي تضيء عليكم جميعاً ولا تميِّز أحداً منكم، وعليكم أنتم أن تستهدوا بأنوارها فلا تضيعوا في الطريق. كونوا رفقاء كاليمام، وأقوياء كالعاصفة. وكونوا فاضلين كالماء الرقراق وثابتين كأشجار الغابة. هكذا أعلِّمكم وأوصيكم، فخذ أيُّها الرجل أبناءك إلى المنزل، وحدِّثهم عن المحبَّة التي في قلبِك، فهم لا يرونها لأنَّ المحبَّة تتخفَّى وراء قناع شفَّاف، وأنتم أيُّها الأولاد، سيروا إلى منزلكم والإيمان في قلوبكم، وصدِّقوا أنَّ من أعطوكم الحياة لا يستطيعون أن يمنعوها عنكم، فإنَّ الأرض التي أطلعت الشجرة لا تغادرها ولا تبتعد عنها، بل تظلُّ ملتصقة بها، ولكن عليكم أن تُظهروا العطف على مَن هم أكبر منكم، لأنَّ هؤلاء يشعرون بالوحدة والعذاب كلَّما تقادمت الأيَّام... نعم أيُّها الأبناء الأعزَّاء، إنَّ الشجاعة تنقصكم وأنتم تسيرون في المعارج الملتوية، فإذا زلَّت بكم أقدامكم صرختم: مَن يخلِّصنا؟ ولكنِّي أقول لكم صدقاً: إنَّ الإنسان يخلِّص نفسه ويخلِّص الآخرين معه أيضاً.

 

أنتم أيُّها الأحبَّة مختلفون لأنَّ الضعف يمتلك نفوسَكم، فاطرحوا الضعف عن أجسادكم وأرواحكم وانهضوا إلى الفضيلة فعانقوها وافرحوا بها. وعندما يقول المرء لأبنائه: أنتم لستم أبنائي، فإنَّه ينكر ذاته ويقتلها أمام عينيه، بل يسير في مأتمها وهو يبكي وينتحب. وعندما لا يحترم الأبناء آباءهم وأمَّهاتِهم فإنَّهم يكفرون بالله الذي أوجدهم كما أوجد النور من الشمس والنهر من الينبوع. وإذا كان الآباء يفرضون عليكم شرائعهم فلا تغضبوا، بل خذوا منها ما يفيدكم، وإذا سألوكم: لماذا لم تأخذوا كلَّ شيء فقولوا لهم: إنَّ مَن يُعطي كثيراً لا يسأل عن القليل الذي لم يؤخَذ. وإنِّي صدقاً أقول لكم: إنَّ ما تأخذونه من أهلِكم هو الخميرة التي بها تتقدَّمون وتغتنُون.

 

نظر الأبناء بعضهم إلى بعض، وقالوا لوالدهم: سامحنا يا أبي على ضعفنا واقبلنا في ملكوتك، فإنَّنا قد ظننَّا أنَّنا أبناء الحياة، ونسينا أنَّكَ أنت مَن أعطانا الحياة. ونعدُك يا أبي بأن نبقى أوفياء لك ولو أصبحنا رجالاً، فإنَّ قطرة الماء تعود إلى البحر، فيحضنها بحنان ورفق.

 

تهلَّلت أسارير الوالد العجوز، وقال بصوت عذب: طوبى لكم يا أبنائي لأنَّكم اهتديتُم إلى الحقيقة، وخرجتم من العتمة إلى نور الصباح. تعالوا معي إلى المنزل لنحتفل بعودتِكم من رحلة الضلال، ونغتبط معاً بانتصاركم وانتصاري.

 

المال-21

 

حدثت مجاعة في ذلك الزمان، فاقترب منِّي جماعة من الفلاَّحين الذين أقفرت حقولهم، وغزاها الجراد، فعضَتهم الحاجة، ودفعوا بأبنائهم إلى التسوُّل في القرى المجاورة. قال لي أحدهم: إنَّ المعابد هي بيوت الله، وعليكَ أن تساعدنا، فنحن أبناء الله، وقد صرفنا من أموالنا لكي نبني هذا المعبد. وقال آخر: إنَّ المعابد هي منازل الفقراء، وفيها القُوت لأجسادهم وأرواحهم. وقالت امرأة: ألا ترى أيُّها الكاهن ماذا أصابنا؟ فلماذا لا تفعل شيئاً لإنقاذنا وإشباع أولادنا الذين يبكون ويئنُّون؟

 

قلت للناس: صدقتُم يـا أبنائـي وأحبَّائـي، فالمعابـد هـي منازل أرواحكم، وأنتم سكبتم فيها العرق والدموع، ورفعتم أعمدتها على أكتافكم.

 

والمعابد تصلح لكم في أيَّام الغِنى وفي أيَّام الفقر والمجاعة. وإنَّ الله لن يحزن إذا أعاد إليكم أموالكم، ولن يبقى عارياً إذا أعطاكم لباساً لتستروا عريكم، ولن يجوع إذا فتح لكم أبوابه لتأكلوا وتشربوا من خيراتِه. إنَّ في خزانتي قليلاً من المال، فخذوه واشتروا به خبزاً لتشبعوا، فإنَّ المجاعة قاسية ولا ترحم، ولعلَّها من علامات الأزمنة. وفي الصندوق عند الزاوية هناك، بعض من نقودِكم التي كنتم تضعونها فيه نذوراً وصدقات، فافتحوه واستعيدوا أموالكم، واذهبوا إلى السوق وابحثوا عن طعام لأبنائكم وبناتكم. وصدقاً أقول لكم أيُّها الناس الفقراء: إنَّكم حين تأخذون من الله لا تنزعون عن أنفسكم صفة العطاء، فقد أعطيتم بفرح عندما كانت كرومكم غنيَّة وخوابيكم طافحة بالزيت، ونحتتْ أيديكم الطاهرة حجارة المعبد البيضاء... وكنتم في السنين الماضية تجودون بما ملكت أيمانكم ولا تبخلون في شيء، حتَّى أصبحتم في كرمكم وعطائكم مضرب المثل في القرى والمدن... ولا يضير المعبد أن يكافئكم على أرواحكم الطيِّبة وقلوبكم العامرة بمحبَّة الخالق. نعم يا إخوتي، إنَّ كلَّ حجر هنا ينطق بما صنعتم في الزمان الغابر، وكلُّ جدار يتحدَّث عن تضحياتكم الغالية. لقد كانت تجارتكم رابحة، ولم تدفنوا في الأرض كنوزكم، فاحمِلوا أرباحكم التي نلتموها من مذبح الربِّ الغافر، واذهبوا إلى بيوتكم فرحين متهلِّلين، وارقصوا لأنَّ الله يعرفكم في الفرح والحزن ولا يتخلَّى عنكم حين تكونون في حاجة إليه... ولكنْ لا تقولوا أمام الناس: إنَّ الله أعطانا، فالذي يأخذ يأخذ بصمت والذي يعطي يعطي بصمت أيضاً. وإذا سألكم الأغنياء: من أين جئتم بالمال وقد كنتم فقراء؟ فلا تجيبوا، لأنَّكم إذا نطقتم بالحقيقة، فإنَّ الكثيرين منهم سيجيئون إلى هذا المكان، ليكذبوا على الله ويتظاهروا بالحاجة، وهم يريدون أن يأخذوا مثلما أخذتم، فيزيدون على ثرواتهم ولو قدراً قليلاً... إنَّ هؤلاء يا إخوتي وأبنائي لا يشبعون ولو كانت جميع كنوز الدنيا في أيديهم. أنتم تشعرون بالجوع في أيَّام الجوع، أمَّا شعورهم بالجوع فقد بدأ منذ ولادتهم ولا ينتهي إلاَّ إذا صاروا في القبور.

 

 

الحرِّيَّة-22

 

إذا لم تعرفوا الحرِّيَّة فأنتم جاهلون من قبائل الثلج والخمول، وإذا لم تقدِّسوا الحرِّيَّة وتتقدَّسوا بها فإنَّ معابدكم من رماد وأحلامكم من تراب... الحرِّيَّة هي العشق السماويُّ الذي غمركم وجعلكم تنطقون بالعجائب، فتحيون الموتى، وتبرئون المخلَّعين.

 

الحرِّيَّة هي الأمُّ التي أعطتكم الولادة، وأرضعتكم، وعلَّمتكم أن تتكلَّموا وتفكِّروا، وسجَّلت أسماءكم في سجلِّ الخالدين. وهي الصباح الذي يشرق في عيونكم، فاحتضِنوا الصباح لكي لا يهرب من أمامكم، فتصبحوا أنتم والعدم واحداً لا ينقسم.

 

سيقولون لكم في المجالس إنَّ الحرِّيَّة لفظة جاءت بها الصُّدفة، وليس لها معنى في القواميس والكتب المقدَّسة. وسيقولون أيضاً أمامكم: إذا تحرَّرتم من العبوديَّة والخنوع، فأنتم تستجيبون لنداء الثورة، والثورة من صنيع الشياطين. والذين يقولون ذلك هم أولئك الذين ينظرون إلى الشمس ولا يرونها، لأنَّهم يرتدون أقنعة من خيوط الظلام، ويستجيبون لنداء السكوت. ويريدونكم أن تسيروا على خطى الأجداد الذين كانوا يقبِّلون اليد التي تقتلهم، ويخضعون للسيف الممدود على رقابهم.

 

الذين يكرهون حرِّيَّتكم هم عبيد الكتب الصفراء التي جاءت بها الأنظمة، وقد ولدتُم في العواصف والرياح، فلا نظام يقيِّدكم، ولا موت يأخذ أمكنتكم.

 

الذين يرفضـون أن تتكلَّموا وتكتبوا وتقرأوا هــم حرّاس الزنازين، حيث العتمة الأبديَّة ونعيق الغراب. هم الذين تلوَّثت أيديهم بدماء الأطفال وصراخ الملائكة.

 

الذين يراقبون أفواهكم، ويمنعونكم من أن تحبُّوا نساءكم، وأن تفرحوا مع أبنائكم هم أحفاد الشرائع الآثـِمة التي سطَّرتها أيادي الشؤم في العصور الـبـائـدة، ولم يـزل كتَبتها يموتون يُولَدون ويموتون على أسرَّة مخلَّعة، وينشرون الويل والخراب.

 

الحرِّيَّة نقيض الموت. لها الكواكب المشرقة وله عتمة القبور. لها حفيف الشجر وله الخريف العاري. ولها الجداول المرنِّمة وله الخرائب والأشباح... فسيروا مع النور والغناء واطرحوا عن أيديكم القيود الصدئة، وكونوا عُراة كالحقيقة، وهادرين كالسيول الجارفة. وكلَّما سألكم أحد: أين تسكنون؟ وماذا تأكلون وتشربون؟ ولماذا أنتم عراة كالصخور؟ قولوا لهم: نحن نسكن في روح الله وعناويننا مكتوبة في سفر الخلود... نحن نأكل من خبز الحياة، ونشرب عبير الزنابق في الحقول. ونحن عراة لأنَّ الذين يرتدون الثياب لم تلفح أجسادهم رياح الغضب، ولم تغمر وجودهم أنوار الفضيلة. الحرِّيَّة صنعتنا كما يصنع الفلاَّح محراثاً يشقُّ الأرض، وكما تصنع الطيور غناء يكسر بندقيَّة الصيَّاد، وكما يصنع الطفل سفينة من ورق ليغزو بها البحار والمحيطات. نحن أبناء الحرِّيَّة، وإذا أنكرناها أنكرَنا الوجود ورمى بنا في الغياهب. نحبُّها لأنَّها حرَّرتنا من الوهم والضياع، وأعطتنا سلاحاً لنقتل الجمود، ونتمرَّد على الظلام الرهيب.

 

وصدقاً أقول لكم يا أحبَّائي إنَّ الذي يمنعكم عن الحرِّيَّة هو الخوف. ولكي تنتصروا على هذا العدوِّ المتربِّص بكم، فاصنعوا سيوفاً من نار ورماحاً من لهيب، واطعنوه في الصميمم، فإذا خرَّ صريعاً شعرتم بالألم، وصرختم لأنَّ جزءاً منكم قد فارق الحياة. وإذا طعنتُم الخوف ولم تقتلوه، فإنَّه يستطيع أن يولد فيكم مـــن جــديد ويسيطر على أرواحكم فيستعبدها ويحطِّمها.

 

الشجاعة هي الأداة التي تتخلَّصون بها من الخوف، وتنقضُّون على الاستسلام، ومَن لا يملك الشجاعة، فإنَّه سيبقى خاضعاً وذليلاً، وستمرُّ به العواصف فترميه جثَّة هامدة على قارعة الطريق.

 

فتمرَّدوا على مَــــن وضعوا الحديد في معاصمكم، وليكن لكم مـــــن قلوبكم سلاحاً تواجهون به، وإذا لم تتحرَّروا من داخلكم فلا أحد يحرِّركم. وعندما تصبحون أقوياء، فمجِّدوا القوَّة التي في أرواحكم، وعمِّروا لكم معبداً تُقدِّسون فيه المجد، وترفعون صلاتكم إلى إله الحرِّيَّة.

 

الفرح والحزن-23

 

يخبرونكم عن الفرح ويقولون عن أنفسهم إنَّهم اغتبطوا في أعراسهم وأعيادهم. ويقولون لكم أيضاً إنَّ أحداً اغتبط لأنَّ أرضه جادت عليه بالخير فأصابه الغِنى. فقولوا لهؤلاء: إنَّ الغبطة التي تأتي وتذهب هي غبطة ناقصة.

 

إنَّ فرحكم الدائم هو رضاكم عن حياتِكم، ورضاكم هذا لا يتغيَّر مهما تغيَّرت الفصول وتبدَّلت أحوال الزمان.

 

أعرف فلاّحاً يغتبط إذا أعطى حقله ثماراً وفيرة، ويغتبط أيضاً إذا جفَّت آباره وأتلفت الأعاصير زروعه، فكما أنَّ العطاء من عمل الله فالأخذ أيضاً من عمله. وإنَّ هذا الفلاَّح الذي يفرح كثيراً ويحزن قليلاً هو واحد من الأخيار والنبلاء.

 

وأعرف رجلاً آخر نجا مــن الموت ومــات رفاقـه، ففرح لأنَّ الموت لم يصبه، فيا لتعاسة فرحه!

 

وأعرف واحداً فـــرحَ لأنَّه وضع حياته في خطر وأنقذ غرباء كانوا في عين العاصفة، فما أجود سعادته وإن كانت سعادة عابرة!

 

وأعــرف رجلاً رابعاً غمرته السعادة بـعـدمـــا أخرجه صيَّاد مـن البحر، وكان على شفير الغرق، فردَّ له جميله بأن أعطاه حقلاً يزرعه، ومنزلاً يسكنه مع زوجته وأبنائه، فهذا الرجل الذي ردَّ الإحسان بالإحسان هو رجل عظيم، لأنَّه لم يستطع أن يهب من روحه فوهب من أمواله.

 

وأعرف امرأة تفرح لأنَّ زوجها يحبُّها وهي تحبُّه، فحبُّهما معموديَّة وقصَّة خالدة.

 

أمَّا الحزن، فلا ينبغي أن تكرهوه... ولا ينبغي أيضاً أن تسيروا معه ضعفاء ومستسلمين، فالمعاناة تطهِّر النفس وتجعلكم قدِّيسين، بيدَ أنَّ المعاناة الدائمة انتحار.

 

فافرحوا أيُّها الناس لأنَّ الله أوجدكم، وحرَّركم، ولم يحرِّر كثيرين غيركم. وقد أعطاكم أولاداً صالحين وأزواجاً وزوجات، ووهبكم عقولاً تبدع وتفكِّر، وعيوناً تنظر إلى البعيد، وغمركم بمحبَّة لا تزول.

 

افــرحــوا لأنكم تُحبُّون وتعشقون وتغنّون للحكمة، والحكمة هــي الكتاب الذي يغْنيكم ويحفظكم من الأذى.

 

افرحوا لأنَّكم تنظرون إلى الشمس وهـــــي تشرق، وإلى الليل وهو يجرُّ أذياله، ولأنَّكم تتمتَّعون بالربيع والصيف، وتباركون الشتاء والرعود.

 

افرحوا لأنَّ لكم أرواحاً خالدة لا تموت وإن مات الزمان. وإذا كان أحدكم يظنُّ أنَّ الموت نهاية، فإنَّ حزنه طويل، ولا يستحقُّ أن يولَد.

 

وما أبشع الذين يقنطون ويتمنَّون الموت، فهؤلاء يبغضون الله! أمَّا الذين يقتلون أنفسهم فقد اختاروا أن ينكسروا أمام الرياح بدلاً من أن يكسروها.

 

طوبى للحزانى لأنَّ الله يعوِّض عليهم أحزانهم بفرح غامر، وطوبى للفرحين الذين لا يؤذون أحداً، بل ينشرون غبطتهم على الناس، ليكون الفرح وليمة للجياع والعطاش.

 

هؤلاء العلماء والشعراء والفنَّانون والحطّابون والنجّارون جعلوا حياتنا فرحاً فطوبى لهم. وهـؤلاء الملوك والصعاليك والحاقدون ملأوا أيَّامنا حزناً، فيا لبشاعتهم ويا لقبح نفوسِهم!

 

وإذا كنتم تفرحون، فعليكم أن تعرفوا أن هذا الفرح قد يكتنفه الحزن، فليكن حزنكم لحظات وفرحكم أيَّاماً، فهكذا تشكرون الحياة، وتقدِّرون ما أعطاه الله لكم من غير أن يطلب منكم شيئاً في المقابل.

 

الأعداد-24

 

أنتم تخطئون عندما تتحدَّثون عن الأعداد، وتحْسبون ما في حقولكم من ثـمار وفاكهة، وما على بيادركم من الخير. وتخطئون عندما تجمعون وتطرحون أموالكم بعد أن تعودوا من السوق وقد بعتم أو اشتريتم. وتخطئون أيضاً حين تعدُّون زوجاتكم وأولادكم، فالأرقام ليست إلاَّ أوهاماً وضعها العلم، وصدَّقها العالم المادّيُّ. والحقيقة هي أنَّ الأرقام لا تصدق.

 

كم مرَّة قلتم إنَّكم وزوجاتكم واحد ولا يفرِّق بينكم أحد؟ وقلتُم أيضاً إنَّ الرجل والمرأة كانا في المادَّة كائنين اثنين، أمَّا في الروح والعقل والجسد فهما واحد لا يتجزَّأ؟

 

وكم مرَّة نظرتم إلى أنفسكم، فوجدتم أنَّكم جسد وروح وقلب وفكر، ولكنَّكم في الحقيقة واحد لا أكثر؟

 

وإنَّ الواحد منكم يستطيع أن يكون أكثر من واحد: فهو زوج، وابن، وشقيق، وجدٌّ، وحفيد في آن معاً، بيدَ أنَّه واحد واحد.

 

وقـد تظنُّون أنَّ الفصول أربعة، وهـي فصل واحد يرتدي ثياباً مختلفة. وتتوهَّمون أنَّ الزهرة وعبيرها شيئان مختلفان، وكذلك الشمس ونورها، والعصفور وغناؤه، والبحيرة وماؤها.

 

كما تزعمون أنَّ الطريق التي تصعد بكم إلى التلال هي غير الطريق التي تأخذكم إلى الأودية العميقة، وأنَّ البحر أكبر من الينبوع وأكثر عطاء من الجدول.

 

إنَّ الذين اجتهدوا لكي يعلِّموكم الأرقام هم الذين جعلوكم تنقسمون على أنفسكم، وعوَّدوكم على أن تفرِّقوا بين المفرد والجمع. وعندما ينتصــر العقل على الروح يقع المرء في الخطأ، كما يخطئ عندما تنتصر الروح على العقل.

 

تعلَّمتم أن تجمعوا الأشجار، والجبال، ورمال البحار، ولم تفكِّروا في ما هو أبعد من الحقيقة المجرَّدة، والصواب هو أنَّكم ترون ولا ترون، وتسمعون ولا تسمعون، ولا تهتدون إلى الصواب.

 

ولو كنتم توازنون بين المادَّة والروح، لكنتم اكتشفتم بسهولة أنَّ النظر إلى الأشياء مجتمعة لا يعني أنَّها ليست واحداً.

 

هكذا هو الله، لا يحدُّه عقل ولا تحدِّده أرقام، فلا تنظروا إليه بأفكاركم فقط بل بأرواحكم أيضاً لتكتشفوا أنَّه واحد. وإذا سمعتم مَن يقولون إنَّه غير واحد، فاسألوهم عن ذلك وانتظروا منهم أن يُجيبوا، فلعلَّه واحد وغير واحد في وقت واحد. ولا تستعجلوا في الحكم، فإنَّ أحكامكم ستكون خاطئة إذا كنتم تستخدمون أبصاركم للوصول إلى الحقيقة. وإيَّاكم أن تتَّهموا أحداً بالضلال، لأنَّ ذلك يُحدث الشقاق والفرقة بين الناس. وما أبغض الفرقة إذا كانت ابنة الأفكار المجرَّدة والأرواح المعطَّلة... والقلوب المتحجِّرة!

 

الدين والكفر-25

 

جاءني قوم برجل كافر وأرادوا أن يقتلوه أمام المعبد، فنهرتهم ومنعتهم أن يؤذوه، ثمَّ سألته: لماذا أنت كافر يا بنيَّ؟

 

فقال: لست بكافر، ولكنَّني أصلِّي لإله لا يشبه إلههم. فسألته: ومَن هو الإله الذي تعبده؟

 

فقال: إنَّني أعبد إلهاً وجدته بقناعة نفسي، وأتضرَّع إليه بملء قلبي وجوارحي، وأعمل الخير بين الناس، فأطمئنُّ إلى حياتي وآخرتي.

 

ثمَّ سألت القوم: لماذا تحكمون على هذا الرجل بالموت؟

 

أجابوا غاضبين: لقد خالف شريعتنا وخان أمانتنا، فهل نُبقي عليه حيّاً؟!

 

صرخت بهم قائلاً: سامحكم الله أيُّها الأحبَّة الجاهلون. أفلا تعلمون أنَّ هذا الرجل الذي تضطهدونه قد خالف شريعتي أيضاً، ولعلَّ دينه لا يشبه ديني؟ غير أنَّني لا أعاقبه، بل أستقبله في معبدي، وأقدِّم له الطعام والشراب، وأدعوه لكي يحضر العيد فيفرح قلبه ويتهلَّل.

 

-وعلى ماذا أنت أمين إذن أيُّها الكاهن؟ إنَّك أيضاً تخالف الشريعة، وتتنكَّر للديانة.

 

-كلاَّ أيُّها الأبناء، فإنَّ الغضب الذي يتملَّك في أفئدتكم هو الذي يدفعكم إلى القتل والعقاب، وإنَّني لأسالكم واحداً واحداً: مَن منكم كان قاضياً أو حاكماً بالعدل في أيِّ زمن؟ ومَن منكم حصل على توكيل من الله لكي يدافع عنه ويعاقب مَن يخالفونه؟ ومن أيِّ محكمة حصلتم على حقِّ المرافعة والإدانة؟ انظروا إلى الطيور كيف تسبِّح الخالق وليس لها كتاب، وانظروا إلى الشجرة كيف ترفع ذراعيها وتتضرَّع للإله الحبيب، وانظروا إلى الأمواج كيف تتلو صلاتها الأبديَّة، وهي لم تدخل يوماً إلى معبد، ولا تعرف الركوع... إنَّ الله يحبُّ عبادتكم ويقدِّس وجودكم، وعليكم أن تحبُّوه من غير أن تطلبوا منه شيئاً في المقابل، فالمعابد ليست أمكنة للبيع والشراء. وإذا رأيتم أنَّ الناس يحبُّون الله، ويَصِلون إليه من الطريق التي لا تسيرون عليها، فلا تلعنوهم لأنَّهم إخوة لكم في الدين وأنتم لا تعلمون. وقد يكون الله راضياً عنهم أكثر ممَّا هو راض منكم ومن عبادتكم. إنَّ الله لا يريد منكم دينكم بل يريد إيمانكم.

 

امتعض القوم منِّي، وشهروا سيوفهم يريدون أن يجهزوا على الرجل وهو ساكن وكئيب، فأسرعتُ ووقفت بينه وبينهم، وقلت لهم بصوت عالٍ: أعيدوا سيوفكم إلى أغمادها، وإلاَّ فعليكم أن تقتلوني قبل أن تقتلوا رجلاً بريئاً. وإنَّكم لن تذهبوا لتعاقبوا آلاف البشر الذين يعيشون في الغابات ويعبدون الشمس والقمر والأشجار. وقد جعَلنا الله مختلفين لحكمة منه، فإذا جاهدنا لكي يكون جميع الناس أمَّة واحدة خالفنا تلك الحكمة وعارضنا إرادة الله. وصدقاً أقول لكم أيُّها الأبناء المتعصِّبون لدينكم إنَّه لو جاءني أحد إلى هذا المعبد وأنكر وجود الله أمامي، لما غضبت منه، ولما أسأت إليه، بل لأخذته باللين، وحاولت أن أقنعه بخطإ رأيه، فإذا اقتنع يكون اقتناعه ولادة ثانية له، وإذا لم يقتنع لا ينبغي أن يكون عناده موتاً. أمَّا الحكم على الإنسان فلا يصدر عن أناس يصيبون ويخطئون، بل يصدر عن الإله العادل الذي يصيب ولا يخطئ.

 

لقد أرسل الله إلينا أنبياء كثيرين لحكمة منه، وكان يمكنه أن يرسل إلينا نبيّاً واحداً، ويقول: اتبعوه، فنكون على دين واحد ولا نختلف. أمَّا اختلافنا على الأنبياء ومَن منهم هو الأفضل، فقد جعلَنا ضحايا لمجازر مرعبة وحروب دامية. ونحن في هذه الناحية دفعنا ثـمناً باهظاً لحرب عبثيَّة ما زال دخانها يتصاعد في الفضاء.

 

نظر القوم بعضهم إلى الآخر، وأعادوا سيوفهم إلى مواضعها، ثمَّ تفرَّقوا وهم يتهامسون. أمَّا الرجل، فخرَّ ساجداً على أدراج المعبد، وقال لي: قل لي يا سيِّدي مَن هو الإله الذي تعبده، فإنِّي أحبُّ أن أعبده مدى الحياة.

 

روح الخير-26

 

يحدِّثونكم عن الخير، والخير ليس بعيداً عنكم. إنَّه أمامـكم على الطريق، وفي البيوت، وفي الحانات، ولكنَّكم في كثير من الأحيان لا تصغون لصوته، ولا تستجيبون لإغرائه.

 

الخير يكون في الصحو والعاصفة، في الغنى وفي الجوع. والشرُّ لا يكون إلاَّ في الخطيئة.

 

وإذا فعلتم خيراً، فاتركوه وراءكم ولا تدعوه يلحق بكم، فإذا سرتم مع الخير الذي فعلتموه ينقص أجركم، ويقلُّ فضلكم. وإذا سمعتم عن أحد لا يفعل خيراً ولا شرّاً، فاسألوا عن معنى وجوده، لأنَّ لا وجود لإنسان لا يفعل خيراً ولا شرّاً. وإن كان أحد يفعل خيراً وشرّاً معاً، فإنَّه أفضل من أناس كثيرين، وإذا قلتم عنه إنَّه رجل شرِّير فإنَّكم تنظرون بعين واحدة، فالأفضل أن تقولوا: إنَّه رجل يغطِّي شرَّه بخيره، فلا هو شيطان رجيم ولا هو ملاك عاقل. وصدقاً أقول لكم: إنَّه ليس من إنسان يحبُّ الشرور ولا يفعل الخير، وليس من إنسان يفعل الخير ولا يفعل الشرّ. فالخير والشرُّ يتعانقان كما تتعانق الوردة والهواء. وما أعظم المرء الذي يكثر خيره ويقلُّ شرُّه!

 

وقد سمعتم عن الأنانيِّ الذي يأخذ ولا يعطي، لأنَّ عطاءه يعذِّبه. فصدقاً أقول لكم إنَّ الأنانيَّ يعيش معذَّباً على هذه الأرض لأنَّه لا يُسعد مَن يحتاجون إليه، ولا يُسرُّ بالعطاء الجميل. وإن أعطى مـن غير أن يــدري، فعطاؤه لا قيمة له لأنَّه غير مقصود ولا تعلم به نفسه.

 

وسمعتم أيضاً من بعض المفكِّرين أنَّ الإنسان قد وُلد فيه الخير ويموت معه، ولكنَّه إذا شعر بالحاجة فقد يقتل أو يسرق ليعيش. وإنِّي لأسألكم وأنتم تغفرون لصاحب الحاجة خطيئته: ما الفرق بين هذا الخاطئ الشرِّير وبين الذي تعضُّه الحاجة ويعطش ويجوع، فيفضِّل الموت على أن يفعل شرّاً؟

 

وقــــال لكم مفكِّرون آخـــرون إنَّكم إذا أحببتم الله كثيراً فخيراً تفعلون، ولكنَّكم لا ترتكبون الشرور إذا لم تحبُّوا الله، فبئس الذي يقول ذلك، لأنَّ محبَّة الله هي قيمة الخير وجوهره. وأنتم عندما تضعون قرشاً في يد فقير لا تأخذونها من جيوبكم بل من يد الله.

 

وأنتم لا تتعلَّمون الخير ولا تعلِّمونه لأبنائكم، فهو طبيعة فيكم كما الشعر طبيعة في الشاعر، وكما اللون طبيعة في الغابة. وهذه الطبيعة قد تبخل أحياناً وقد تجود أحياناً أخرى، لكنَّها في جميع أحوالها طبيعة خيِّرة ومعطاء. فطوبى للذي يعطي قليلاً من القليل الذي يملكه، وطوبى للذي يعطي كثيراً من الكثير الذي معه، فقد انتصر الخير على الشرِّ فيهما معاً، ورفعهما الخير إلى مصاف النبلاء والعباقرة.

 

الحقيقة-27

 

الحقيقة الأكثر وضوحاً هي أنَّكم لا تعرفون الحقيقة، فليس من حقيقة كاملة. وإذا كانت الحقيقة غير كاملة فهي شيء من الكذب.

 

لماذا تصرُّون إذن على أنّكم تعرفون أكثر من غيركم؟ ولماذا تعتقدون أنَّ غيركم جاهل وأنَّ الله أعطاه أقلَّ ممَّا أعطاكم؟ ولماذا ترفعون أصواتكم عندما تقولون الحقيقة ولا تخجلون؟

 

التكبُّر هو الذي يجعلكم تعتقدون أنَّكم أفضل من طيور السماء، وأنفع من وحوش الغابة، وأكثر وداعة من الورود، أمَّا التواضع فإنَّه يضع أمام أعينكم مرآته الصافية، وما إن تنظروا إلى ذواتكم حتَّى تكتشفوا أنَّها ليست أعظم من أشياء صغيرة لا تعيرونها اهتماماً.

 

لقد تعلَّمتم أن تقولوا إنَّ اللاشيء هو لا شيء، لكنِّي أقول لكم صدقاً إنَّ اللاشيء هو شيء موجود، ولو لم يكن موجوداً لما قلتم إنَّه لا شيء.

 

وتعلَّمتم أنَّ المادَّة التي يتكوَّن منها الكون أربعة: ماء ونار وتراب وهواء. فما أدراكم ماذا يوجد في المكان الذي لا تصل إليه عقولكم وأفئدتكم؟ وهل تعلمون أنَّ الفراغ هـو مادَّة، بل هو الأصل الذي انفصلت عنه المادَّة التي تلمسونها وترونها؟

 

إنَّ كلَّ شيء تنظرون إليه كان في البدء خيالاً ثمَّ رسمته يد فنَّان قدير. والفنَّان نفسه هو الذي يعطيكم بعض المعرفة، ويخفي كثيراً من التفاصيل التي تحتاجون إليها وتبحثون عنها من غير فائدة، فعقولكم تصطدم بحائط مسدود.

 

وكم من الناس أرادوا أن تظهر لهم الصورة كاملة فعجزوا ويئسوا وأصابهم الجنون، ولو كانوا عقلاء لكانوا وَفَّروا على أنفسهم جهداً وتعباً مضنياً، واقتنعوا بأنَّ ما هو موجود هو جزء ضئيل من الموجود، وأنَّ أفكارهم عاجزة عن إدراك المعالم الخفيَّة التي حجبها الله.

 

ويقولون لكم إنَّهم يعرفون، أو إنّ المعرفة موجودة في مكان ما، فقولوا لهم: إنَّ المعرفة التي تتحدَّثون عنها ما هي إلاَّ البعض القليل الذي لا يكفي. أمَّا المعرفة الكاملة فهي الحلم الذي لا يتحقَّق مهما طال الزمن، فلا الفلسفة ولا العلم قادران على الوصول إليها. الحقيقة هي الفضاء الذي لا يبلغه الطائر مهما علا جناحه، وهي البحر الذي لا يمسك به الملاَّح من كلِّ جوانبه مهما كان عتيّاً. فلا تخجلوا من القول إنَّكم لا تعرفون، لأنَّكم تظهرون تواضعكم للناس ولا تتكبَّرون، ولا تخافـــوا أن تقولـــوا لمن يدَّعــي المعرفة إنَّه لا يعرف إلاَّ القليل القليل، أمَّا الكثير فليس ملكاً لأحد، ولا سطوة لأحد عليه.

 

ساكن الغابة-28

 

صادفت رجلاً يعيش في الحقول والبراري، ويرتدي الأسمال، ويأكل من أعشاب الأرض، فسألته: ما اسمك؟ قال: اسمي الخطيئة، ومن الخطيئة ولدت، وفي الخطيئة أموت. قلت: مَن أهلك؟ قال العاصفة والمطر والصقيع. قلت: وأين تنام؟ قال: أنام في تلك الأودية الشاسعة وأتغطَّى بنحيب الغابات وهدير الجداول.

 

تعجَّبت من كلام الرجل وسألته: لماذا لا تفعل كما يفعل الآخرون، فتبني لك بيتاً، وترتدي ثياباً جميلة، وتتزوَّج وتنجب؟ قال: لا أحتاج إلى كلِّ ذلك. البيت مقبرة، والثياب نعش، والزواج يأخذني من وحدتي فأعيش وأموت بعيداً عن الوحدة.

 

قلت للرجل: هل أنت من الشياطين؟ ضحك ضحكة طويلة وقال: الشياطين لا يظهرون على البشر وأنا أظهر. الشياطين لا يعطشون ويجوعون وأنا أعطش وأجوع، لذلك تراني أقتات من الحقول وأشرب من العيون... الجنُّ أفضل من البشر لأنَّهم لا يقتتلون ولا يتدافعون إلى الموت والفناء. هربت من البشر لأعاشر الجنَّ، وهم يرونني ولا أراهم، ويسمعونني وأنا أغنِّي في الليل، فيتنادون إلى حلقات الرقص. يرقصون عراة لأنَّ الأثواب تأسرهم في العتمة الأبديَّة. أقول لك الحقيقة: أنا أحبُّ الجنَّ وليتني كنت واحداً منهم.

 

نظرت إليه نظرة فيها الرأفة والعطف، وقلت له: أنت هارب إذن من عالمك الحقيقيِّ إلى عالم من الخيال والوهم. عرفتك من نظراتك القلقة ومن طريقة عيشك في العراء. يا بنيَّ... أنت تشبه المتصوِّفين الذين يلجأون إلى القفار خوفاً من البشر. والناس الذين هناك في البعيد، في أبعد ممَّا ترى عيناك يرفعون المنازل، ويرسلون الطائرات إلى ما وراء الأفق، ويقتحمون المجرَّات والكواكب. هم يصنعون روحاً من المادَّة. والروح من غير مادَّة هي لا شيء. فناء.

 

حدَّق الرجل فيَّ متهكِّماً وساخراً، فظهرت شفتاه النافرتان الزرقاوان وأسنانه الملتوية، ونهرني: هل جئتَ أيُّها الرجل الشرِّير إليَّ لكي تبعدني عن تعاليمي وتعيدني إلى أفكار هجرتها، ولم يبقَ منها سوى ذكرى أليمة تعصف بنفسي؟

 

هدَّأت من روع الرجل، وأفهمته بأنَّني لست شرِّيراً، بل أنا كاهن المعبد الذي ينشد النور والعدل. وعند ذلك رجع إلى الوراء كما يتراجع الظلُّ أمام الشمس الساطعة، رويداً رويداً ليضمحلَّ. لكنَّه عندما آنس في وجهي ابتسامة، وفي لهجتي صــــدقـــاً، جمد في مكانه وأرهف أذنيه، فقلت له بصوت منخفض:

 

هل تعرف أيُّها الرجل أنَّ أجدادك القدماء ذهبوا في مركبات إلى الفضاء البعيد، وعرفوا أناساً يعيشون في كواكب غير مرئيّة؟ ستقول عنِّي إنَّني أهزل، لكنَّ هذا الجيل لا ينقضي قبل أن تراهم وتتحدَّث إليهم... وصدقاً أقول لك: إنَّ مَن يصنعون لنا كرسيّاً أو سريراً أو آلة نحتاج إليها إنَّما هـم أفضل بكثير ممَّن يجلسون تحت ظلال الوهم، ويتثاءبون في خيام القعود...

 

تغيَّرت هيئة الرجل ونظر إلى السماء نظرة عميقة وسألني: هل هناك أناس في كوكب غير هذا؟

 

فأجبته على الفور: وهل قال لك أحد إنَّ هؤلاء البشر لا وجود لهم؟ هل قرأت في كتاب أنَّ انتظارهم خطيئة، والحديث عنهم ضلال؟... لقد أوهموك بأنَّك الوحيد القادر على المعرفة، وأوهموك بأنَّ عليك أن تخضع للتقاليد فتولد كما يريدون، وتعيش كما يعرفون، وتموت كما يشتهون. يرسمون لك طريقاً من الظلال فتسير عليها وتظنُّ أنَّها الطريق التي توصلك إلى الله. الله لا يوجد إلاَّ في النور. ولو أرادك الله أن تكون غصن شجرة أو حشرة صغيرة لكنت كذلك. لكنَّه أرادك إنساناً لتفكِّر وتستيقظ في الغد على غير ما أنت عليه اليوم.

 

إنَّك ترى في هذا العصر أناساً يبشِّرونك بالسعادة، ويقنعونك بأن تسكن في الكهوف العميقة، وترتدي الخشن من اللباس. وقد يطلبون منك أن تقتل من أجل الغبطة. فاحذر هؤلاء لأنَّهم مخدَّرون ومضلَّلون. صدقاً أقول لك أيُّها الرجل: إنَّ السعادة التي يطلبها البشر إنَّما هي قريبة منهم. وهناك مَن يحاضرون عن الله وهم أبعد الناس عنه، ومَن يتحدَّثون باسمه وكأنَّه لا يعرف كيف يفكِّر أو يتكلَّم، وهناك مَن يتظاهرون بحبِّهم له وهم يجلدون إنسانه ويذيقونه من المرِّ ألواناً.

 

كنت أتحدَّث وساكن الغابة شاخص إليَّ وكأنَّ على رأسه الطير، ثمَّ سألني: كيف أصدِّقك؟

 

قلت له: إذهب معي إلى المدينة لترى النجَّارين والحدَّادين والخبَّازين والتجَّار وهم يعملون ويسبِّحون الله بأصوات الملائكة. هؤلاء يا أخي هم المؤمنون الحقيقيُّون الذين لا يمثِّلون ولا يكذبون، بينما كثيرون يتحدَّثون عن النهار، وقلوبهم فيها ليل حالك. وما أبشع الإنسان الذي يرتدي ثياباً ليست له، ويتكلَّم بلسانه وليس من أعماق فؤاده.

 

نظر إليَّ محدِّثي نظرة فيها الخوف والعجب، وخلتُ أنَّ عصوراً من الدهشة نزلت على رأسه الكبير، فارتجفت لحيته، واتَّسعت حدقتاه وقال:

 

لن أعود إلى المدينة لأنَّ أهلها اضطهدوني وأخرجوني من منازلهم، وكانوا يبخلون عليَّ بقطرة ماء. أمَّا هنا فأجد ما يكفيني من الطعام والشراب، ولا يضطهدني أحد. هنا أعرف الحرِّيَّة.

 

هززت برأسي موافقاً على كلام الرجل. فلست أستطيع أن أجبره على حياة لا يريدها.

 

وعلى الرغم من جهله، فقد ذكَّرني بالرومنطيقيِّين الحالمين الذين يتوهون في الغابات والبراري، ويتظاهرون بالبكاء لكي يشفق الناس عليهم. وكان جدُّهم روسو من أشدِّ المدافعين عن ثقافة الغابة. ولكنَّ روسو لم ينتبه إلى أنَّ الغابة هي أيضاً مكان للشرور؛ فالشرُّ ليس مرتبطاً بالمكان، بل هو مرتبط بطبيعة الإنسان. وقد يكون المرء طاهراً في مدينة، وشرِّيراً في صحراء. وقديماً كان الناس يقتتلون بالحجارة والنبال، واليوم يقتتلون بالبنادق والمدافع. لقد تغيَّرت الوسائل أمَّا الطبائع فهي ذاتها. وكم من الحروب دارت رحاها في المدنيَّات القديمة عندما كان الناس يعيشون في البراري والكهوف، وينامون تحت أغصان الشجر.

 

إنَّ الرجل الذي أمامي أفضل من روسو بكثير، ولو كان روسو مقتنعاً بأنَّ الغابة هي مكان صالح للسكن، لكان توجَّه إليها ولم يعش في مدينة.

 

تركت إنسان الغابة هائماً في عالمه الطفوليِّ، ومشيت إلى المدينة حيث الصخب والضجيج والآلات التي تعلك الزمان. وكنت أمجِّد العقل والروح، وأغنِّي للعِلم الذي أخرج الإنسان من ظلام الأودية إلى شمس المعرفة، وفي الوقت نفسه كنت أتألَّم من أولئك الذين رفضوا أن يتطوَّروا، فرفعوا لأنفسهم سجوناً من خيوط الليل، ولبسوا أثواب القرون الغابرة، وحملوا العصيَّ، وركبوا الحمــير والخيول... إنَّ الذين يفعلون ذلك إنَّما يعيشون عيش الحجَر، ويستحقُّون سخرية الأقدار.

 

القاتلون بالسيف-29

 

ستشاهدون وأنتم في طريقكم حاملين للسيوف، يرفعونها في وجه الشمس. يرتدون الحماقة ثياباً، ويحملون الجهل زاداً وعتاداً.

 

هؤلاء هم أعداء البشرية، وأعداء الفكر والتقدم. سيعترضونكم في الدروب الوعرة ويسألونكم عن أسمائكم ومدنكم، فقولوا لهم إنّكم أبناء الله، وليست لكم أسماء كما المجرات البعيدة لا أسماء لها. وإذا قالوا لكم: بم تؤمنون؟ فقولوا لهم: نحن نؤمن بكلّ شيء، نؤمن بحبّة التراب والجذور والسماء والشجر العاري لأنها كلّها من عمل واحد، ونعتنق الفكر لأنه فكر المبدع، ونقدّس الرياح التي تقتحم الغابات فتغيِّرها وتلبسها العراء لكي تعود من عرائها خلقاً آخر.

 

نعم يا أبنائي، سيحلُّ الظلام على الأرض، وتتهدّد الحضارة، ستطفئ الأنوار في حفلات الرقص والطرب، وستُلعن الموسيقى، ويدوس الحاقدون على الأدب والفلسفة والعِلم. لكنّها فترة قصيرة لن تلبث أن تنتهي، لأنّ الله وضع فيكم شعلة الحياة، والحياة لا تدوس عليها جحافل الموت، إلا لتزيدها حياة وأملاً. أنظروا إلى أشواك الحقول، فإنّها على قساوتها تزهر، وانظروا إلى الغيوم، فإنّها على سوادها تغدق لكم وتجعل كرومكم طافحة بالعناقيد، وتملأ ينابيعكم وأنهاركم وبحاركم ماء لتشربوا وتسقوا العطاش. إنّ الأرض تدور إلى الأمام، ومثلها أرواحكم، ولا يعود إلى الوراء إلاّ مَن حلّت في قلبه العتمة فحجبت عنه كلّ شيء جميل.

 

والأزمنة يا إخوتي وأحبّائي تسير كما شاء الله لها أن تسير، فمَن يمنع كلمة الله من أن تكون الأصل والحقيقة؟ ومن يجرؤ على محاربة النور وهـــو بعيد ولا يُطال؟ مَن سيمنعكم من أن تطأ أقدامكم على الكواكب، لتجدوا فيها من يحدّثكم ويستمع إليكم؟

 

سترون المدن مهدّمة، والمعابد مخلّعة الأبواب ينعق البوم على شبابيكها، وتسكنها الضباع، ستشاهدون آلافاً من الناس يلتحفون العراء، ويتشرّدون في المغاور والكهوف والصحاري، فلا تبكوا عليهم، بل اعطوهم القوَّة لكي يثبتوا في إيمانهم. وقولوا لهم إنّ البكاء على الماضي جهل، والنحيب لا يصنع الأمجاد. وقد يعذبونكم ويقتلونكم ويعلّقون أجسادكم على أعواد المشانق، فابتسموا وأنتم تفارقون الحياة، لأنّكم بموتكم خلعتم أبواب العبوديّة وكسرتم شوكة الطغيان. إنّ موتكم كموت الزهرة، وانكسار الموج على شاطئ البحر.

 

أمّا مصير أولئك الذين طفحت أكوابهم بالحقد فالبكاء والظلمة، فحياتهم مملوءة بالبؤس وموتهم هزيمة، ومقرُّهم حفرة أبديّة ليس فيها إلاّ الصمت والوحدة.

 

أوطانكم-30

 

كلّما ابتعدت أوطانكم عنكم اقتربت منكم أكثر، ولكنّ أوطانكم هي في قلوبكم، وأوطانكم هي حرّيّتكم، فأينما حللتم لا تسألوا عن الأرض والسماء والبحار، ولا تقولوا: من يحكم هذه البلاد وسكّانها؟ بل انظروا إذا كانت الفضاءات أوسع من أحلامكم البعيدة، وعندما ترون أنّ أجنحتكم لا تبلغ إلى سماء، بل تصطدم بجدران مطليّة بالسواد، فعلّموا أجنحتكم أن تخترق الحدود والمحيطات. وإذا ضاقت عليكم الأرض فاسكنوا في الخيال، واذهبوا إلى جزر لا تصل إليها السفن العابرة، وهناك أقيموا مع الصمت والصلاة، إنّ الصمت هو أجمل العبادة، والصلاة هي أجمل الفرح. حيث تعيشون عراة ولا يقول لكم أحد: خذوا ثياباً واستروا عريكم تكون براءتكم للخلود. إن الأجساد ليست خاطئة بل إن الخطيئة في العين التي تنظر والقلوب التي تشتهي.

 

وإذا ذهبتم إلى أوطان بعيدة فعلِّموا أبناءها العزف على المزمار، واجلسوا معهم على الأرض لكي يعرفوا كم أنتم متواضعون، وإذا أعطوكم أرضاً كي تزرعوا وتحصدوا، فاجعلوا لابنائهم نصيباً من أعدالكم. إنّ لصاحب الأرض حقّاً عليكم. وستشتاقون كثيراً إلى مواطنكم الأولى لأنّها لم تنفصل عن أرواحكم، وما تزال أصوات أجدادكم وآبائكم تطاردكم على أجنحة الرياح، فباركوا الريح التي حملت أصوات الغابرين، ولكن إيّاكم أن تغرقوا في العاطفة فإنّها تقتلكم، ولا تترك منكم إلاّ القشور الفارغة.

 

ولأنّ أوطانكم هي الحرية فلا تأخذوا الحرية من الآخرين. كونوا طليقين كالينابيع، ومضيئين كالقناديل التي تمحو عتمة الليل، فما أكثر الذين يدّعون الحرية وهم محبوسون في أقفاص من حديد. وما أكثر أعداء الحرّيّة وهم يدافعون عنها. لا تكونوا مثل هؤلاء الذين يتوهمون أنهم كالأطيار، لكنَّ أجنحتهم مكسورة وهم لا يعلمون.

 

لا تطلبوا مــن أوطانكم أن تعطيكم، لأنها تعطيكم مــــن غير أن تطلبوا، فاعطوها أنتم من زادكم أيضاً، وكم من جائع لا يطلب منكم رغيفاً، وكم من مشرّد لا يسألكم عن رداء!

 

خذوا أوطانكم معكم إلى حيث تذهبون، فالأوطان ليست من طين وماء. هي الوجود الذي لا تحدُّه حدود. هي أنتم ومِن غيركم أنتم لا مكان للمكان.

 

الأفكار-31

 

أنتم تسيرون وأفكاركم تسير أمامكم لتدلَّكم على مواطن الخير. والأفكار هي مرايا تنعكس عليها محبَّة الله، ومن كانت أفكاره متحجِّرة فإنَّ الله لا يعمل فيه، ولا هو يعمل بروح الله.

 

وبعض الناس أفكارهم من نار، وهؤلاء هم القيِّمون على كنوز الأرض، من أيديهم تدفق الغلال، ومن عقولهم وقلوبهم يقتبس العالم قبساً من النور. هم الذين ينهضون بكم إلى غد النقاء، فإذا قرعوا على أبوابكم لا تقولوا: نحن لا نعرفكم، فإنَّكم تعرفونهم من غير أن تعرفوا، وأمام أعينكم ما صنعوه لكم من الحجر والحديد وألوان الحبر. عيونهم تنظر إلى فوق، إلى الكواكب، وإلى خلق الله الذي لا يُحدُّ بزمن وأمكنة. فادخلوهم إلى بيوتكم وانصتوا إلى أقوالهم، وقدِّموا لهم من أثوابكم لكي يرتدوا، وأشعلوا نار مواقكم ليأخذوا منها الدفء، وإذا سألوكم عـن فراش، فاعطوهم أسرّتكم وناموا على الحضيض، فقد سهروا طويلاً وأنتم نائمون.

 

قدّسوا أفكار الشعراء لأنّهم يصبّون لكم خموراً لا تفني، ويعطونكم لهيباً لا ينطفئ وحبّاً لا يزول.

 

ومجّدوا الموسيقيّين الذين يطيرون بكم على أجنحة علوية.

 

وارقصوا مع المغنّين وهم يهيمون حناناً مع الكلمة العذبة واللحن الرقيق.

 

واغبطوا المخترعين لأنّهم رفعوا بينكم وبين العواصف جدراناً، فلا تشعرون بقساوتها.

 

أمّا الذين يشدّون بعقولكم إلى الوراء فلا تصغوا إليهم، وغادروا هياكلهم ليأكلها الغبار، فهؤلاء لا يستحقّون أن تعطوهم آذاناً صاغية، ولا يفهمون أنّ الأشرعة لا تبحر إلى الوراء وأنّ الشمس لا تعرج. وما أقبح أولئك الذين يلعنون النور وهم يحتاجون إليه لكي يخرجوا من أقبية أفكارهم الصدئة، وما أتعس الذين يكرهون السفر إلى شواطئ جديدة وقد فرغت موانئهم من مائها وهجرتها المراكب وانتحرت فيها الأمواج.

 

إنّ الفكر الذي يبدع هو الفكر الذي يقرّبكم من السماء، أمّا الأفكار الجامدة فمصيرها اللعنة والشتيمة، وأصحابها لن يخرجوا من شرنقة الفشل لأن الفشل مكتوب على جباههم.

 

الطعام واللباس-32

 

لباسكم قشور لكم كما تغطّي القشور ثـمرة، فأنتم لا ترتدون ثياباً بل ترتدون عريَكم لأنَّكم ولدتم عراة وعراة تموتون. وتحبّون ثيابكم وتتفاخرون بها في الأعياد وتتسابقون على شرائها، ولولا هذا لكان الخيّاطون ماتوا جوعاً، فأنتم تفعلون خيراً لهم عندما تتزيّنون بألبستكم.

 

ولولا انّكم تخافون من أن تظهر عوراتكم أمام الناس ما كنتم غطّيتم أجسادكم بغطاء، بل كنتم تهيمون في الغابات والقفار كسكَّان القبائل البدائيّة، فيظهر كلُّ ما فيكم واضحاً وطاهراً وليس فيه عيب.

 

إنّ العار ليس في أجسادكم إنّما هو في الذين يشتهون عريكم. تلك العيو ن عثرات أمام عريكم، وإذا كانت العيون عثرات أمام عريكم، فاقتلعوا عريكم قبل أ ن تأكلكم عيون الناس. فإنَّهم لا يعشقون أرواحكم ولا يشتهون القيَم التي تؤمنون بها، كلُّ ما يريدونه هو الأجساد العارية التي تشبع نهمهم وتروي غليلهم. الجسد مقتلة للجسد والروح حياة للروح. وجميل أن يحبّ الإنسان امرأة جميلة وأن تحبَّه وأن يشتهيها وتشتهيه، بيد أنَّ الصحيح هو أن يحبَّ روحها أيضاً لأنّ الروح جسد من غير ثياب. الروح هي اللحن الذي يحوِّل القصيدة الباردة إلى أغنية على الشفاه.

 

أمَّا الطعام فأنتم تجمعونه من بيادركم وحقولكم وتخبّئونه لأوقات الشتاء، فالخوف من الجوع هو الذي يجعلكم جائعين. فاكتفوا من الطعام بما يشبعكم لا بما يجعلكم متخمين. وإذا أطعمتم من طعامكم إنساناً جائعاً تكونون خيِّرين في عيون الله، أمّا إذا أعطيتم الآخرين قبل أن تأكلوا أنتم، فتكونون أفضل الخيّرين. وإذا كنتم جائعين وطرق على بابكم جائع فأعطيتموه ليأكل ولم تأكلوا أنتم، فإنَّكم إذَّاك أفضل من أفضل الخيِّرين.

 

إذا صادفتم فقيراً على الطريق، فلا تفرحوا لأنَّ الله جعلكم أغنياء، بل احزنوا للفقير لأنَّه يعيش فقيراً.

 

لا تخافوا من الجوع وأنتم أصحّاء، بل خافوا منه إذا داهمكم مرض ومنعكم من العمل، إنّ الله أعطاكم أجساداً وأرواحاً لا تجوع، ولكنّكم حوّلتم تلك الأجساد والأرواح إلى مواضع للخوف والرهبة.

 

أعطوا منازلكم للغرباء وافتحوا مخازنكم للمحتاجين، لكي يخرج الخوف منها ولا يعود. وستجدون أن الله لن يترككم جائعين، فهو يأتي إليكم في الليل، ويضع عند أسرَّتكم كنوزاً، وعلى موائدكم خبزاً مقدّساً، لكي تأكلوا ولا تجوعوا أبداً.

 

معبد لجميع الشعوب-33

 

تعجبون يا أحبّائي من أنَّني فتحت أبواب المعبد لجميع الشعوب، فالله جمعكم لا ليفرِّقكم وفرَّقكم لأنَّ اختلافكم حكمة. وقد ولدتم على دين ليس لأنَّكم اخترتم دينكم، بل لأنَّ آباءكم وأجدادكم كانوا على هذا الدين. وبعد أن ولدتم لم يسألكم أحد عن الدين الذي تفضّلونه فيكون لكم. لذلك فالأديان ليست منازل من حجر مقفلة الأبواب. وإنَّكم عندما تعبدون الله تكون عبادتكم دِيناً، وليس مهمّاً كيف تصلُّون. أمَّا الذين قالوا لكم إنَّ دين الآخرين ليس صحيحاً فهم تجَّار الهيكل الذين أصابهم الغنى ومـا زالوا يجمعون المال ولا يشبعون، ولبسوا التكبُّر درعاً.

 

حقيقة أقول لكم إنَّ الذي يعمل في حقله يصلّي لإله الأرض، والذي يبحر في مركبه إلى البحر البعيد يصلِّي لإله البحر، والفنّانون والنحّاتون والراقصون والعاملون في المصانع لكلّ منهم إله يحبُّه، ولكنَّ كلَّ تلك الآلهة إنَّما هي في الحقيقة إله واحد. فأحبُّوا إلهكم لأنَّه أحبّكم ولا تقولوا: لماذا أعطيت الآخرين أكثر مما أعطيتنا؟ فقد يكون أعطاكم أكثر منهم ولا تعرفون، وقد يكون أعطاهم كثيراً لكنّهم يحزنون في ما عندهم وأنتم تفرحون بالقليل، فهناك مَن يأخذون الكثير ومع الكثير يحزنون، وهناك من يأخذون القليل ومن القليل يغتبطون، وهناك أيضاً أناس كثيرون لا يشبعون ولو أصبحوا في القبور... يمدُّون أيديهم لأنَّ نفوسهم ضعيفة، ويتظاهرون بالحاجة وأموالهم في الخزائن يأكلها الصدأ، ويغطِّيها الغبار...

 

كونوا إخوة في معبد الروح، ولا تسألوا أحدكم: من أين أنت؟ ومن هما أبوك وأمُّك؟ فالمؤمن لا يسأل أحداً عن أصله ودينه، فالأصل واحد والدِّين واحد كما أنَّ الله واحد في كلِّ الأمكنة.

 

المسامحة-34

 

أقف على قمَّة الجبل. أتـَخطَّى الدم.

 

لم أرث من أجدادي إلاَّ هذا الجدول، وتلك الغيمة البيضاء، وابتسامة الكروم.

 

كان مُمكناً أن تنبت لي قرون وأظلاف. أن يكون رأسي من نحاس. أهدِّم به الجدران. أطحن المدن. أثير الغبار. لكنَّ في رأسي معزوفة، وفي أسماعي أناشيد البحر .

 

أنا أعطيكم إرث الموعودين.

 

أنا أقودكم لتضرموا النار في القبائل، فالانتقام هزيمة، والثأر وباء.

 

عندما تسامحون، فأنتم ترتفعون إلى الله بأجساد من نور. وتدوسون على الكواكب.

 

وعندما تحقدون، فإنَّ أرواحكم تكون محبوسة في أوكار الظلام، وقلوبكم أضيق من نعوش.

 

إذا سامحتُم، ترفرفون بأجنحة الملائكة. وإذا ثأرتم للدم البالي، فأنتم تصبغون حياتكم بالسواد، ولا تغادرون المآتم.

 

دعوة إلى الحرِّيَّة-35

(الحرّيّة 2)

 

عودوا إلى حضوركم، لأنَّ الغياب أشبه بالعتمة. لا تجادلوا باعة الحمام، بل خذوا الهيكل من أمامهم. خذوه إلى أبعد من الشهوة.

 

لماذا تكتبون مواعيد الجريمة، وتشربون الخيبة في أكواب؟ ولماذا تعطون خبزاً لمَن لا يَستحقُّ غير الجوع؟ لماذا تَموتون على سرير الوحدة، والسكاكينُ على صدوركم؟

 

الحرِّيَّة تدعوكم إلى غلالها، والربيع يعطيكم مرايا العبير، فخذوا من صباحه أثواباً، وخذوا من السماء خبز التقدمة. واحملوا الزهرة إلى حقلها، والينبوع إلى صوته، والحياة إلى أجسادها. حوِّلوا الماء إلى خمر.

 

لا تصدِّقوا أنَّ البحر أكبر من دمعة على وجوهكم، وأنَّ اليد المرتجفة لا تحطِّم الشتاء. لا تصدِّقوا الليل، فإنَّه قديم كالعصور، متنكِّر كالسارقين، وأنتم واضحون على السطور، كتابة أعمق من الفكر والوردة. أنتم نهار يقطع السيف، ويلوي شوكة الموت.

 

قالوا لكم إنَّكم ولدتم من غير أجنحة، وإنَّ خُطاكم لا تلحق بالرعود. وقالوا لكم إنَّ خطاياكم معلَّقة في الجدران، وفي أوراق الشجر، فقط لتكونوا ساكتين كأعشاب الحقول.

 

إذا كنتم أنتم الأمس، فمن يأتي بعدكم؟ وإذا كنتم اليوم، فــمـاذا قبله؟

 

أنتم كلُّ الزمن الذي كان قبل آدم، ولا ينتهي في موعد. لكم يدٌ تهدم الجدران العالية، وتوصل الطريق إلى طريقها، وتزفّ الصباح إلى صباحه، وتُخرج الكواكب من عُلبِ الظلام.

 

حطِّموا الأقفاص التي علَّقوها على مداخل القصور. وانقضُّوا على التماثيل المجنَّحة، وعلى مدائح الفرِّيسيِّين الكذبة. انقلبوا على صمتٍ مجرِم، على حاجتكم إلى الطعام والماء. لترفعوا ذواتِكم من أقبية الجبانة إلى قصائد التمرُّد.

 

الخوف لا ينجب طفلاً. الموت لا يعطي حياة. اليباس لا يصنع غابة. وإنَّ البحيرة الراكدة ليس فيها سوى العدم الذي يتغطَّى بالماء. فلتكن ضلوعكم معبداً لإله الشمس، الذي أوجدكم لتكون جباهكم أعلى من الشموس، وأنقى من أثواب الملائكة.

 

المرأة الغريبة-36

 

اضطهدَ أبناء رعيَّتي رجلاً لأنَّه تزوَّج امرأة من غير دينه، فعيَّروه وشتموه، ورجموه بالحجارة، فخاف على نفسه، وهرول إلى معبدي ليسألني عن رأيي في ما حدث له، وهل عليه أن يطلِّق زوجته لكي ينجو بنفسه من العقاب؟

 

قال لي والدمعة في عينه: لست أعرف كيف أتصرَّف... هل أنا على حقّ أم على ضلال؟ هل تحرمني الشريعة من حرّيّتي في اختيار المرأة التي أريدها زوجة لي وأمّاً لأولادي؟

 

انتظرتُ الرجل حتَّى يفرغ من كلامه، ثمَّ طلبتُ منه أن يروي قصَّته من بدايتها، ويخبرني لماذا اختار تلك المرأة وفضَّلها على نساء الناحية؟

 

قال لي وهو يزيح تعباً أثقل كاهله: ماتت زوجتي الأولى منذ زمن بعيد، وضاقت سبل العيش في وجهي، فأخذتُ أولادي وسافرت إلى قارَّة أخرى لكي أعمل وأجني بعضاً من المال... تعبت في المهجر وتغيَّرت هيئتي، فغزا الشيب رأسي، ورسم الخريف على وجهي آثار العاصفة والرعود. وها أنا كما تراني، رجل أنهكته الأيّام وسقته من مرارتها علقماً. وبعد حين، خسرت عملي في البلاد التي كنت فيها، وشعرت بالحاجة تُطبِق بيديها القاسيتين على عنقي، وذبلت أحلامي، فحزمتُ حقائبي وعدتُ إلى هنا، وليس معي سوى خيبة تقتلني وأسى يعتصرني...

 

توقَّف الرجل هنيهة عن الكلام ليأخذ نفساً عميقاً، فسألته:

 

وهل تجد هنا مَن يعوِّض عليك خسارتك، ويعيد إليك الأمل؟

 

-كأنَّك تسكن في قلبي أيُّها الكاهن الجليل، وتحسُّ بما أعانيه. صحيح أنَّني عدت إلى أهلي، ولكنَّني وجدتهم قساة عُتاة، يفرحون بآلام الضعفاء، ويسخرون ممَّن عصفت به الأيَّام وغلبته الأقدار. لقد سّدُّوا في وجهي كلَّ طريق، وعاملوني معاملة الخادم الذليل الذي يطلب طعاماً ورداءً ومنزلاً فلا يجد.

 

-لعلَّهم لا يستطيعون المساعدة، ولا لوم عليهم...

 

-وهل أنا ألوم الفقراء الذين لا يملكون شيئاً ليعطوا منه؟ إنَّني ألوم مَن يسكنون في الأبراج العالية... هؤلاء كانوا يعرفونني قبل أن أسافر إلى القارَّة البعيدة، وكانوا يطرقون على بابي لحاجة، فأسارع إلى نجدتهم، وكانوا يطلبون فأعطيهم ممَّا توافر في قبضتي... كنت أعتقد يا سيِّدي الكاهن أنَّهم سيرّدُّون جميلي، فصرفت أيَّاماً طويلة أقرع وأطلب، فلم يفتح لي أحد ولم أجد مَن يساعدني في شربة ماء... علمتُ ياسيِّدي أنَّ هؤلاء يفهمون من الشريعة ما يعود عليهم بالفائدة، أمَّا أن يعطفوا على الناس، فذلك ليس من شأنهم ولا من طبيعتهم.

 

-وأولادك ماذا يفعلون؟

 

-أولادي؟... لقد تخرَّجوا من الجامعات، وكنتُ أريدهم أن يعملوا في اختصاصهم، وهم الآن يعملون في مصانع... نريد أن نعيش...

 

-ألم تطلب ممَّن يعرفونك أن يوظِّفوهم؟

 

-صدِّقني أيُّها الكاهن، أولادي مقطوعون من شجرة. لم ينظر إليهم أحد. وأنت تعرف أنَّ هناك الكثير من فرص العمل في هذه الناحية، بعد أن وضعت الحرب أوزارها، وانتعشتْ حركة البناء... جميع من أعرفهم وتعرفهم أشاحوا النظر عن أولادي، وغضُّوا الطرف عـــن حاجتنا إلى العمل لكي نبدأ حياة جديدة. كدنا نموت جوعاً لولا تلك المرأة,,.

 

- تقصد المرأة التي تزوَّجتَها؟!

 

-نعم يا سيِّدي. امرأة غريبة ومن غير ديني... كان أحد أبنائي يبحث عن عمل، فقصدَها على غير معرفة، ولم تكن لديها حاجة لمن يعمل في مكتبها، ولكنَّها سألته عن نفسه، فأخبرها بقصَّتنا، وكيف خذلتنا الاٌقدار، فرقَّت لحاله، ووعدته خيراً، وبعد أيَّام قليلة أعطته عملاً، وتظاهرت أمامه بأنَّها في حاجة ماسَّة إلى شابٍّ مثله. وكان هو يعرف أنَّها تمثِّل عليه لكي لا يشعر بعطفها وتأثُّرها بالقصَّة التي سمعتها منه.

 

-امرأة نبيلة، والنبل لا تحدِّده ديانة، ولا يميِّّزه انتماء. فقد يكون موجوداً في حيوان يهبُّ لنجدة صاحبه إذا أصابه مكروه، وقد يخلو منه إنسان قاسي القلب، عديم الشعور، يقرأ من الفكر ما يوجد في الحبر فقط، ولا يقرأ في الروح. إنَّني أعجب أيُّها الرجل من وصف المشاعر الخيِّرة بأنَّها إنسانيَّة، مع أنَّ الناس يحقدون ويقتلون ويمارسون أبشع العادات. وما الحروب التي تراها إلاَّ دليل على وحشيَّة الإنسان الذي يقول عن نفسه إنَّه صاحب الشعور. إنَّ الشعور قد يكون في الطيور الصغيرة، والخيول التي تسارع إلى إنقاذ إنسان من الغرق، والكلاب التي تحامي عن البيوت، وقد لا يكون في ضمير متحجِّر ليس فيه قبس من شعاع الخالق...

 

-صحيح يا سيِّدي، وقد كنت قبلاً أحبُّ ديانتي، وأتفاخر بها، وأعتقد أنَّها الديانة الفضلى... أمَّا الآن، فصرت على يقين أنَّ الإنسان أرفع من الدين، وأنَّ الدين الذي يعجز عن تعليم الفضائل يخذل الإنسان، ويحبط الأمل. لقد تزوَّجت تلك المرأة، وهي أرملة أيضاً، بعد أن اكتشفت ما في قلبها من حياة، وما في روحها من طهارة، فهل أنا خاطئ؟

 

قلت للرجل: أنت لست خاطئاً، بل أنت أفضل مَن رأيت من الناس. ومَن يتَّهمونك بالخطيئة ويعتدون عليك، لا يقلُّون وحشيَّة عن أولئك الطغاة الملاعين الذين تركوك في مهبِّ الريح، وانصرفوا إلى سعادتهم غير آبهين بجروحك المفتوحة وقلبك النازف.

 

العظة الأخيرة: وصيَّتي-1

 

كرَّت الأيَّام وأصبحت طاعناً في السنِّ، فأوصيت الكاهن الأصغر بأن يأخذ مكاني ويهتمَّ بشؤون رعيَّتي، بعد أن تعلَّم كثيراً من الحكمة وصار قادراً على تعليم الناس.

 

سألني أهل الناحية: ما هي وصيَّتك الأخيرة لنا؟

 

فأجبتهم: ليست عندي كلمة يا إخوتي أقولها الآن إلاَّ أن تدَعوا السلام يعيش ويكبر في بيوتكم وشوارعكم.

 

إذا رأيتم سلاماً يتجوَّل في حقولكم وتحت أشجاركم، فلا تقولوا له: أنتَ غريب، فما الذي جاء بك إلى هنا؟ بل سلِّموا عليه وحدِّثوه، واسهروا مــعــــه، واصغوا إلى كلِّ كلمة يقولها، ففي حديثه أسرار قـد لا يكون سهلاً عليكم فهمها.

 

نعم يا إخـوتـي وأحبَّتي، لقد أرهقتنا الحرب وجوَّعتنا، غير أنَّنا لم نيئس، بل جاهدنا ليكون لنا فرح وسلام، وهذا الجهاد كان مرهقاً وصعباً. وصدقاً أقول لكم: إنَّ الذين حملوا السلاح وذهبوا إلى الساحات ليقتلوا ويُقتلوا، هم أكثر الناس ندامة ويأساً. وإنَّ الزمان شاهد على ما فعلت أيديهم، و الزمان لا يعود إلى الوراء، ولا يمحو ما كتبه الحقد بحبر الدم والدموع... لقد طعنتْكم الحراب في الصميم، وأخذت البنادق أطفالكم منكم، والتهمت النيران بيوتكم. وأين هم مَن أعلنوا الحرب عليكم؟ إنَّهم في أقبية العدم، بعضهم ماتوا كمداً وحسرة، وبعضهم ظلُّوا حياء لكنَّ المقابر تسكن أرواحهم. وإنَّ الذين يشعلون الثقاب فبالثقاب يحترقون، والذين يصنعون السلام فبالسلام تكون غبطتهم ولا تزول.

 

فاصنعوا سلاماً يا إخوتي، وليكن سلاماً يدوم لأبنائكم وأحفادكم، وازرعوا في كلِّ حقل شجرة سلام، وأضيئوا في كلِّ بيت شمعة للسلام، وصلُّوا ولا تملُّوا لإله السلام. وإذا سمعتم ذات يوم إله الحرب يصرخ إليكم، فاخرجوا إليه عُراة حفاة واطردوه من بينكم، وإذا رفض الرحيل، فاطرحوه أرضـاً وعفِّروا وجهه بالتراب، واقطعوا لسانه لكي لا يبقى له صوت.

 

ولن تكون لي، في ما تبقّى من حياة، غبطة أكبر من غبطتي بإله السلام الذي يعيش معكم، ولم يخرج من بينكم بعد الآن.

 

انتهى


(Votes: 0)

Other News

أسعد الخوري "في معبد الروح" لجميل الدويهي": هل رأيت العصافير تتوقف عن الغناء ونبعـًا يكره أن يتدفق؟ "الدكتور عصام حوراني: مع د. جميل الدُّوَيهي "في معبد الرّوح إطلاق"الباهرة" لرجاء بكريّة، في رام الله بتوقيت المطر رواية " امرأة الرسالة" للأديبة، الروائية، والفنانة التشكيلية رجاء بكريّة !فوزي صادق / كاتب وروائي: أضبط ساعة عمرك! نصيحة لوجه الله د.عصام الحوراني : في الهجرة وأسبابها و تداعياتها في النفس، من خلال الشعر قصّة: رجاء بكريّة : ألتُيُولـِيـبْ، الجزء 1 د.عصام الحوراني: العربيّة، بين الفصحى والعاميّة- قضية الشعر قصّة: رجاء بكريّة:إوزّات سعيدة سليمان ابراهيم:"طائر الهامة" ينازع صاحبه بين هجرةٍ وعودة أنطوان حربيه: قصة "طائر الهامة" للأديب الدكتور جميل الدويهي.. دعوة إلى السلام بين الشعوب فوزي صادق/كاتب وروائي سعودي: الكلام في الممنوع والممنوع من الكلام "الباهرة"، في حكايا نساء الأحمر، الإصدار الجديد لرجاء بكريّة Poet Tony Hanna: I've Been Hurt فوزي صادق / كاتب وروائي سعودي: لا تضيّع الفرصة ! .. من الأدب الهجري فوزي صادق / كاتب وروائي سعودي: فنون أمريكي وجنون عربي ! حوار مع الأديبةالتّشكيليّة الفلسطينيّة رجاء بكريّة الأشجار تموت واقفة .. رسالة الصالون الثقافي لمنتدى الجامعيين العراقي الأسترالي في رحيل الشاعر الكبير سميح القاسم رسالة مهرجان الجواهري الثاني الى الشاعر الكبير مظفر النواب