"الدكتور عصام حوراني: مع د. جميل الدُّوَيهي "في معبد الرّوح

| 13.05,15. 10:34 AM |




"مع د. جميل الدُّوَيهي "في معبد الرّوح



الدكتور عصام حوراني-بيروت
 

نحن في طريقنا إلى "معبد الرّوح"، نسير على دروبٍ متعرِّجة صعبة المسالك مليئة بالأشواك، بيد أنّ النفوس كانت طافحة بالبهجة والشوق الكبير، فهي في طريقها إلى معبد الحكمة والسلام. تذكّرتُ طيور فريد الدّين العطّار التي سارت في دروبٍ صعبة مماثلة لكي تصل إلى "السّيمُورْغ"، وتتّحدَ به بفرح عظيم. كنّا نسير بصمت، ولكنّ صوت الشيخ عبد الله اخترق صمتنا ليقول: جاء في الحديث الشريف: "إنّ اللهَ يبعثُ في كلِّ مئةِ عامٍ مَنْ يُجدِّدُ لهذهِ الأمّةِ دينَها"، وأردف: ولعلّ كاهن المعبد هذا، هو واحد من هؤلاء المجدِّدين. تابعنا سيرنا، وكنا جماعة، من أمم شتّى، لا يعرف الواحدُ مِنّا الآخر، كنّا معًا نشعر في أعماقنا بأنّنا أكثر مِن إخوة، فنحن طلاّب معرفة، نطلب الحكمة ولو كانت في الصّين، فالسّعي مشتركٌ والهدف واحد. قال لنا واحدٌ كان قد زار المعبد مرّات من قبل: لقد فتح الكاهنُ أبواب المعبد لجميع الشّعوب وقال لنا: "كونوا إخوةً في معبد الرّوح، ولا تسألوا أحدكم: مِن أينَ أنتَ؟ ومَن هما أبوك وأمّك؟ فالمؤمن لا يسأل أحدًا عن أصله ودينه، فالأصل واحدٌ والدّين واحدٌ كما أنّ الله واحدٌ في كلّ الأمكنة".(ص92) سأل آخر: مِن أيّ جهة جاء هذا الكاهن العالِم الفقيه؟ فأجابه أحد المرافقين: جاء مِن الشّمال! فردّ الآخر ليقول: نعم، هو شماليّ لا غُشَّ فيه، وأنا أعرفه يوم كان شاعرًا مجدِّدًا بليغ العبارة، لطيف الكنايات، حُلو المجاز، جميل الصور، رائق الأسلوب، لطيف التخيُّل، شعره كثير الطلاوة يتدفّق سلاسة ورقّة.  فخرجتُ أنا أيضًا عن صمتي لأقول: سمعتُ أخباره من كثيرين عرفوه منذ زمن بعيد، وقالوا بأنّه كان وما زال حتّى الآن شاعرًا كبيرًا وكاتبًا أديبًا بارعًا، وحكيمًا فيلسوفا.

صعّدنا نحو معبد الرّوح وكلّنا أمل ورجاء بأن نصل أخيرًا ونصغي إلى حِكم هذا الكاهن، ونعاين بنفوسنا وأفئدتنا وعقولنا الحقّ، ونتعرّف إلى أفكاره المتنوِّعة وإلى آرائه الكثيرة الصّائبة في شؤون الحياة. وها نحن الآن على مشارف المعبد، ونرى من بعيدٍ الفلاّحين والحطّابين والمكارين والنساء والرِّجال كلّهم يتوافدون من كلّ القرى المحيطة التي تقع وراء الهضاب العالية. (ص4) تلك الناحية حيث يقع المعبد، قد شهدت في زمن مضى حروبًا كثيرة، وكما قال الكاهن لواحدٍ من رفاقنا: "اقتتل الأجداد، وتصارعوا بالحراب والفؤوس والرِّماح، وكلّ  واحد يدّعي أن الله مِن أتباعه ومِن أنصار قبيلته". (ص4)  ولقد نجا المعبد مِن حروب الناس "لأنّ الكاهن كان قد أعطى المحاربين خبز الحياة، ولم يُميِّز واحدًا منهم عن الآخر... وقال لهم: الحياة أيّها الأبناء تناديكم إلى هيكلها لكي تأكلوا وتشربوا بسلام...وإنّني أدعوكم إلى مأدبتي، مأدبة الخبز والماء، مأدبة السلام الجميل الذي يطير بكم على اجنحةٍ علويّة إلى سماء لا يتصوّرها الفنّانون والشعراء..." (ص5)

وصلنا أخيرًا إلى باحة "معبد  الرّوح"، فجلسنا على مقاعد حجريّة نستريح من عناء الطريق ومشقّاتها الكثيرة. وتذكّرتُ كلام السيّد المسيح الذي قال: "تعالوا إليّ يا جميع المتعبين وثقيلي الأحمال وأنا أريحكم"، فقلتُ في نفسي لعلّ في حِكَم هذا الكاهن قبسًا مِن نور المسيح، يريح الإنسان أيضًا ويُزيل عنه هموم الحياة الثقيلة ومعاناته الكثيرة. قال واحد من رفقائنا وهو صينيٌّ: لعلّ حِكَم هذا الكاهن هي تجلِّيات لـِ"أناشيد الطريق والفضيلة" للحكيم الصّينيّ لاوتسو الذي قال: "عندما يفيض الخفاء والظهور تباعًا من النبع ذاته بأسماء شتّى يبقى كلاهما سرًا مغلقًا وراء باب جوهرهما الواحد سرّ الأسرار".

جاء دورنا لكي ندخل باب المعبد الضيِّق، فمشينا نحوه يلفُّنا الخشوع وتُحيط بنا الرّهبة. هوذا الكاهن الورع أمامنا، استقبلنا ببشاشة ولطف ومحبّة خالصة، نظرنا إليه بغبطة وفرح، فإذا وجهه تحيط به هالة من الإشراق، "في فمه صلاة وأغنية، وعلى رأسه بياضٌ مِن جبال الأرواح، حيث يهطل الثلج بغزارة فيُغطّي كلَّ شيء، ويمحو السواد عن الجدران والأرصفة". (ص 4) في المعبد جمع كبير من كلّ الأمم والشعوب، يسأل واحدهم عن أمر ما في الحياة فيُجيب الكاهن المقتدر بثقة، وبفكر ثاقب، وبأسلوب سهل رشيق رائق عذب المورد ناصع البيان واضح التعبير. كنّا نصغي إليه بكلّ جوارحنا، كنّا صامتين جامدين وكأنّ على رؤوسنا الطير.

سأله واحد قائلا "أنّه يبحث عن الله، ولا يجده في أيّ مكان. وقال له: قرأتُ غوته ونيتشه وفولتير وجبران وطاغور فلم أهتدِ إلى شيء، أمّا كلام الناس، فهو عندي أشبه بفخّار قديم في متحف، ولقد صدق الذين قالوا إنّ طبيعة الله مجهولة". (ص 7) أجابه الكاهن على الفور: "لكنّ الله فيكَ وفيَّ وفي كلِّ  واحدٍ مِنّا، فلماذا تبحث عنه وهو في متناول يديك"؟ وراح يشرح له معنى قوله هذا، وكيف أنّ الله "هو الكلّ في الكلّ والنور في النّور، فأنت ترى بعضًا منه في الأشياء التي حولك". وعندما قال له هذا الرجل أنّه يريد معرفة الله معرفة كاملة! أجابه: "هذا وهم يا بنيّ، فأنت لا تعرف من المعرفة إلاّ شيئًا يسيرًا هو أصغر من قطرة الماء في بحر"! (ص 8) وقال الكاهن للرجل: "سأعطيكَ كتابًا من عندي عنوانه: (الحقيقة الكاذبة) وتتأكّد بعد أن تقرأه بعناية أنّ الحقيقة التي يراها أغلب الناس ما هي إلاّ أكاذيب متتالية جاءت بها العصور، ووضعتها في آذانهم فاعتنقوها من غير تفكير...". (ص9) أقتنع الرّجل أخيرًا بحكمة الكاهن، كما اقتنع الآخرون في المعبد، وقال له هذا الرّجل: "أعدك أيّها الكاهن في معبد الرّوح بأنّني سأعرف الله... سأعرفه عندما أغمض عينيّ، وعندما أفتح قلبي على أنوار السماء". (ص9)

وبينما  نحن في المعبد، سمعنا أصواتًا وصخبًا في الخارج، فخرج الكاهن للحال، وإذا به أمام رجلين يتقاتلان ويتضاربان بالأيدي ويوجِّهان الشتائم بعضهما لبعض، فتدخّل الكاهن وفرّقهما عن بعض، وعرف منهما أنّهما أخوان، وقد أورث والدهما الكبير منهما ثورًا للحراثة والأصغر أورثه بقرةً حلوبًا. وبعد مدّة تزاوج الثور والبقرة وأنجبا عجلاً، فاختلفا على ملكيّة العجل. وبعد جدل طويل، أقنعهما الكاهن أخيرًا بالحكمة التي جمعت بين العقل والقلب، والتي قدّمها إليهما، فتصالحا، وقال الرّجل الكبير: "لو لجأ الناس إلى الحكمة، لكانوا نجوا من المجازر المروِّعة وأنهار الدِّماء التي سالت على مرِّ العصور. لو احتكم الناس إلى القلب والعقل معًا لكانوا خلّصوا أولادهم من ميراث الدّمار". (ص 12) حكاية هذين الرّجلين شائقة فمن رام التزوّد بها عليه أن يقرأ كتاب الكاهن المليء بالحكم. عاد الكاهن إلى المعبد لكي يُتابع محاوراته مع الزّائرين وتقديم خبز الحياة لهم، من خلال الحكم المختلفة، كما من خلال المعرفة التي قال عليها: "هي الأداة  التي بها تواجهون الشرور وتنتصرون عليها". (ص 25).

واستمرّ كاهن المعبد في تقديم آرائه المتنوِّعة في شؤون الحياة كلِّها. تحدّث عن الزمان وقال: "إنّ الزمان أيّها الناس هو المركب الذي يُبحر فينا، فلا نحن نخشى السفر، ولا المركب يتعب من الدّوران.... والناس يستقبلون الزّمان بثيابٍ أنيقة... وإنّ الثياب التي نحرص على انتقائها قشورٌ تغطّي أجسادنا، ولا تغطّي أرواحنا ونحن في داخل أثوابنا نشبه الحقيقة التي تختبئ تحت أوراق الخريف، وما أروع الحقيقة العارية التي تشرق عليها الشمس، ويغسلها المطر بدموعه". (ص 13 - 15)

وتحدّث الكاهن عن حقيقة الحبّ، عن الحبّ الذي يُعطي ولا يأخذ، فأشار إلى أنّ الحبَّ يكون لله والمخلوقات وللكون، فهو الذي يُعطي الناس الحريّة، وقال: "بعضكم يحبّ امرأة واحدة، فحبّه صادق وحميم، وبعضكم يحبّ كثيرًا من النساء، فحبّه ليس باطلاً لأنّ الذي يحبّ أفضل من الذي يكره. ولكن لا ترجموا امرأة إذا أحبّت رجالاً كثيرين فإنّها أيضًا لا تكره، وإنّكم لا تفرّقون بين ذكر وأنثى كما أنّ الله لا يُفرِّق". (ص 16) وبدا لنا هذا الكاهن الشاعر وهو الصّوفيُّ العاشق المتهجِّد الذي يُغنّي الحبَّ منذ انبثاق الفجر الليلكيّ وحتّى العشيّات الناعسة.

الكاهن الشاعر الذي يعيش في معبده قانعًا راضيًا سعيدًا، يعيش الطبيعة في أعمق أسرارها ودلالاتها، يعيش الطبيعة التي تحمل في عناصرها عظمة الله وقدسيّته، وهو يسأل الناس أن يُقدِّسوا الطبيعة بعناصرها المختلفة، ويقول لهم: "أحبّوا كلّ شيء رسمته يد الله. وإن فعلتم ذلك، فإنّ مواسمكم ستفيض خيرًا، وبيوتكم لن تفرغ مهما قست الأيّام والدّهور". (ص 21) وبين الشعراء والطبيعة علاقة حميمة، فالشاعر، وبخاصّة الرومنطيقي، يجد في الطبيعة نفسه الحزينة، يجد فيها الملجأ الأمين الذي يحميه من هيجان النفس وعذاباتها، فهو يرى في الطبيعة صورة حيّة لآلامه وأحزانه، فنسمع "فرنسوا دو شاتوبريّان" (1768 – 1848)  زعيم الرّومنطيقيّة الفرنسيّة المشهور يقول: "هذه الأوراق التي تتساقط كما سنوات العمر، وهذه الأزهار التي تذبل كالسّاعات، وهذه الغيوم الهاربة مثل أوهامنا، وهذا الضوء الذي يضعف كتفكيرنا، وهذه الشمس التي يُصيبها الصقيع كما حبِّنا، وهذه الأنهار التي تتجمّد كحياتنا. جميعها ذات صلةٍ سرِّيّةٍ بأقدارنا".  وننصت إلى كاهن المعبد الذي يقول: "طوبى للشعراء والفنّانين الذين سحرتهم الطبيعة في ربيعها وخريفها، فلبسوا أثواب الغابات، واستحمّت نفوسهم بمياه الأنهار والينابيع، وجسّدوا قوّة السماء في أعمالهم". (ص 45)

ويتحدث هذا الكاهن العارف عن التعب الذي هو برأيه "معموديّة الجسد والرّوح...وإذا قال لكم أحدٌ: لا تجعلوا أولادكم يتعبون، بل عوِّدوهم على العبادة، وعلِّموهم الكتاب لأنّ فيه العلمَ كلَّه، فهذا هو الكافر الذي لا يُؤمن بأنّ الحياة تسير إلى الأمام، وأنّ انتصار الإنسان لا يكون إلاّ بالطموح والعلم". (ص 23)

نعم، هو الكاهن المفكِّر المجدِّد والشّاعر المبدع. لقد تحدّث عن الشعراء، عن كلِّ الشعراء في كلّ الأعصر والأزمنة، شعراء العصور القديمة الذين كانوا "في كلّ وادٍ يهيمون وأنّهم يقولون ما لا يفعلون". لكنّ الكاهن أنفذ بصيرته بعمق وبجرأة أهل العرفان، في حقيقة الشعر والشعراء، وهو واحد منهم، فقال: "تمعّنوا في أفكار الشاعر لتكتشفوا حقيقة الإنسانيّة التي تحبّ الخير والفضيلة. وقد تشاهدون شعراء ماجنين يحبّون الخمرَ، فلا ترشقوهم بنبال الحقد والانتقام، بل اسكبوا معهم خمرًا واشربوا حتّى تسكروا... حدّثوكم عن امرئ القيس، وبشّار بن برد، وأبي نواس، وقالوا لكم: هؤلاء شعراء من رعيلٍ فاسد ومتهوِّر، فانبذوهم ولا تقرأوا شعرهم، أمّا أنا فأقول لكم: إنّ هؤلاء شعراء مباركون، فقد أعدّوا وليمة للحبّ والجمال، وأورثونا جنائن معلَّقات لا تغيب عنها الشمس". (ص 28 – 29)

وتحدّث كاهن "معبد الرّوح" عن نور الفضيلة الذي يختلف عن نور الشمس، فهو الذي يخرج من القلب إلى القلب، ومن العقل إلى العقل. "أمّا الذي يفرح بنور القلب والعقل، فيختفي الظلام من طريقه وتتبدَّد الحُجُب". (ص 30) وتحدّث عن حقيقة ما في أعماق النفس الإنسانيّة من نزواتٍ، وهموم، وضغينة، وتلوُّنٍ، وحقدٍ، وجشع، وإجرامٍ، وكفرٍ... وما فيها أيضًا من صدقٍ، وفرح، وخير، ومسامحةٍ، وإيمان، وحرّيّة.... لقد جعلنا ونحن في المعبد نرى أنفسنا بمرآة لديه مصقولة بالضِّياء، عكست لنا ما في بواطن أعماقنا من نزعات متنوِّعة الألوان، فنتعرّف إلى ذواتنا المظلمة الكالحة، لننطلق مع حكمته ومعارفه نحو آفاقٍ أرحب في عالم السعادة والسلام.

   الهجرة التي رافقت البشر منذ أقدم الأعصر، هي ظاهرة طبيعيّة لحركة الجنس البشري الطامح أبدًا نحو التبدّل طلبًا للترقّي والتطوّر. وكان للهجرة صدى في قلب كاهن المعبد الذي اختبر بنفسه هذه الظاهرة وعاينها بكلّ أسبابها ونتائجها النفسيّة والماديّة. وهو الذي شاهد الناس في الموانئ، وهم يتركون أرضهم بالجسد، لكنّ أرواحهم تبقى هائمة على مرابع كانت مرتعًا لطفولتهم وشبابهم، يتركون الأرض الحبيبة وفي النفس غصّة وفي العين دمعة. فخاطبهم الكاهن قائلاً: "وإذا تركتم بيوتكم وحقولكم، فلا تلتفتوا إلى الوراء... فما تملكونه لم يكن يومًا لكم، فقد أخذه الفراغ واحتلّته الوحشة... وصدقًا أقول لكم: إنّ الغربة تجعلكم تتعذّبون من أجل أنفسكم ومن أجل غيركم أيضًا، والعذاب فضيلة". (ص49 - 51)

قال سُقراط: "أعرف شيئًا واحدًا، هو أنّني لا أعرف شيئًا"، هذه المعرفة التي حار في أمرها المفكِّرون منذ ألوف السنين، وقد أجهدوا في سبيلها عقولهم ولم يصلوا إلى حقيقة المعرفة. وقال الملك سليمان: "ووجّهتُ قلبي لمعرفة الحكمة ولِمعرفة الحماقة والجهل. فعرفتُ أنّ هذا أيضًا قبضُ الرّيح. لأنّ في كثرة الحكمة كثرة الغمِّ والذي يزيد عِلمًا يزيد حُزنًا" (الجامعة/1: 18). والكاهن "في معبد الرّوح" يقول: "واقتنعوا بأنّ ما هو موجود هو جزء ضئيلٌ من الوجود، وأنّ أفكاركم عاجزة عن إدراك المعالم الخفيّة التي حجبها الله... فلا تخجلوا مِن القول إنّكم لا تعرفون... فمعرفتكم ليست إلاّ معرفة القليل القليل...". (ص 79)  

فكرة "اللاشيء" المعقَّدة كانت مِن أدقّ مفاتيح الحكمة في الشرق الأقصى. يقول الشيخ عيسى نورالدّين: "إنّ اللاشيئيّة هي لغز الميتافيزيقا الأوحد، ذلك أنّها لا شيء إلاّ أنّها موضوعٌ للفكر". ويقدِّم كتابُ "الطريق والفضيلة" للفيلسوف الصّينيّ لاوتسو صورةً لطبيعة "الطّاو" ولانهائيّته وأثره المباشر على السّلوك الإنسانيّ. والكاهن "في معبد الرّوح" يتطرّق في حديثه عن الحقيقة ليقول: "لقد تعلّمتم أن تقولوا أنّ اللاشيء هو لا شيء، لكنّي أقول لكم صدقًا إنّ  اللاشيء هو شيء موجود، ولو لم يكن موجودًا لما قلتم إنّه لا شيء... وهل تعلمون أنّ الفراغ هو مادّة ، بل هو الأصل الذي انفصلت عنه المادّة التي تلمسونها وترونها"؟ (ص 78)

هوذا كاهن المعبد، شموليّ المعتقد والإيمان، لا تحدّه آفاق ولا يحدّه زمكان، ينظر إلى حقائق الأمور ويخترق عباب الفكر الصّافي فيقول: "وإذا قالوا لكم بما تؤمنون؟ فقولوا لهم: نحن نؤمن بكلِّ شيء، نؤمن بحبّة التراب والجذور والسماء والشجر العاري لأنّها كلّها مِن عمل واحد، ونعتنق الفكر لأنّه فكر المبدع، ونقدِّس الرّياح التي تقتحم الغابات فتغيِّرها وتلبسها العراء لكي تعود من عرائها خلقًا آخر". (ص 84) وكأنّنا في حضرة محي الدّين بن عربي نسمع بعضً من شطحاته:

لقد صارَ قلبي قابلاً كلَّ صورةٍ    فمرعًى لِغزلانٍ وديرٌ لرهبانِ

وبيتٌ لأوثانٍ وكعبــةُ طائفٍ      وألواحُ توراةٍ ومِصحفُ قرآنِ

أدينُ بدينِ الحبّ أنّى توجَّهتْ     ركائبُهُ فالحبُّ ديني وإيمانــي

 

السلام عليك أيّها الكاهن المقتدر في "معبد الرّوح"، أيّها الكاهن الشّاعر العارف الحكيم، يا أديبًا نحن اليوم بحاجةٍ ملحّةٍ إلى حكمتك وإلى أفكارك النيِّرة، وإلى أدبك الذي يمتاز بأسلوبٍ رائقٍ تتمثّل البلاغة في كلّ فقرة من فقراته، وتكاد الأفهام تدركه قبل الأسماع. نحن بحاجة إلى هذه الأفكار التي تتدفق من فكرٍ صافٍ، وبخاصّةٍ في زمن العولمة هذا، حيث بدأت تغيب أنوار الفكر الثاقب، وأنوار الرّوح المنبثقة من شمس السلام التي لا تغيب، وكما قال صاحب "معبد الرّوح": "الشمس هي الهديّة التي أعطاها الله للبشر ولم يُحطِّموها. الشمس هي الأيقونة المقدّسة..." (ص 4) وكانت وصيّة أديب هذا المعبد وفيلسوفه أن يصنع النّاس السلام، السلام الحقيقيّ الذي يدوم لأبنائهم ولأحفادهم، مردِّدًا: "اِزرعوا في كلّ حقلٍ شجرة سلام، وأضيئوا في كلّ بيتٍ شمعة للسلام، وصلّوا صلاة المجد لإله السلام".



(Votes: 0)

Other News

إطلاق"الباهرة" لرجاء بكريّة، في رام الله بتوقيت المطر رواية " امرأة الرسالة" للأديبة، الروائية، والفنانة التشكيلية رجاء بكريّة !فوزي صادق / كاتب وروائي: أضبط ساعة عمرك! نصيحة لوجه الله د.عصام الحوراني : في الهجرة وأسبابها و تداعياتها في النفس، من خلال الشعر قصّة: رجاء بكريّة : ألتُيُولـِيـبْ، الجزء 1 د.عصام الحوراني: العربيّة، بين الفصحى والعاميّة- قضية الشعر قصّة: رجاء بكريّة:إوزّات سعيدة سليمان ابراهيم:"طائر الهامة" ينازع صاحبه بين هجرةٍ وعودة أنطوان حربيه: قصة "طائر الهامة" للأديب الدكتور جميل الدويهي.. دعوة إلى السلام بين الشعوب فوزي صادق/كاتب وروائي سعودي: الكلام في الممنوع والممنوع من الكلام "الباهرة"، في حكايا نساء الأحمر، الإصدار الجديد لرجاء بكريّة Poet Tony Hanna: I've Been Hurt فوزي صادق / كاتب وروائي سعودي: لا تضيّع الفرصة ! .. من الأدب الهجري فوزي صادق / كاتب وروائي سعودي: فنون أمريكي وجنون عربي ! حوار مع الأديبةالتّشكيليّة الفلسطينيّة رجاء بكريّة الأشجار تموت واقفة .. رسالة الصالون الثقافي لمنتدى الجامعيين العراقي الأسترالي في رحيل الشاعر الكبير سميح القاسم رسالة مهرجان الجواهري الثاني الى الشاعر الكبير مظفر النواب