جدِّي القديم شعر الدكتور جميل الدويهي

| 08.05,15. 08:30 PM |

جدِّي القديم



شعر الدكتور جميل الدويهي

خابيتانِ

خابيتانِ عيناهُ خابيتانِ، في عينيهِ من جمر المواقدِ في الشتاءِ ، وما يزال

الثلجُ منهمراً، يغطِّي شعرَهُ. جدِّي عصورٌ كلُّها برْدٌ، وأشكالٌ، أحاولُ أن

أفكَّ رموزها، فيطول تحديقي بهِ، ويجيبنـي صمتـي: لقد عبرت نساءٌ في

قصائده التـي يأوي إليها في المساءِ، وإنَّنـي أشتمُّ رائحةً من التفاحِ في

أثوابهِ. جدِّي القديمُ أراهُ مختلفاً، لقد هربتْ سفوحُ العشبِ منهُ، وفَرَّت

الأطيارُ عن أكتافهِ. كانت هناكَ صبيَّةٌ في الحيِّ، كان يحبُّها، وتحبُّه،

ويقول فيها"الميجنا"، لكنَّها ذهبت إلى بيروتَ، حيث تزوّجت رجلاً غنيّاً...

ثمّ عادتْ ذاتَ يومٍ، كان جدِّي حاملاً عقداً من الأمطارِ، منتظراً، فلم تنظر

إليهِ، فعاش مختبئاً وراء الحزنِ، واحترقت يداهُ، وقلبُه... من بعدها، ما

عاد يذكر كم أحبَّ، ومَن أحبَّ من النساءِ. لقد أراد الثأرَ، فلتسقطْ نساءُ

الأرض، وليبق النبيذُ، وصوته، وغناؤهُ:

"يــــا مـــــايــِـــــلِه عالعينْ، عينِك مائلِه

بحبِّك أنـــــا، وحبِّك لغيري، مــــــــا إلي

ومـــــا زال عندِك بعد نقطة مــــــــاءِ لي

كُـــــــوني كريمِه، وريِّحــــي أعصــابِنا."

 

يغفو على درجٍ من الحجر العتيقِ، ويمتطي في حلمه فرساً، ويقتحمُ

القرى، ويؤلِّف الأشعار في أعراسها. رجلٌ يحبُّ الميجنا، ويعمِّر الأبياتَ

مثل منازل العشّاقِ، فيها الحبُّ، والأشواقُ، والصبرُ الجميلُ. وحين يَنفضُ

ما تبقَّى من غبار النوم عن أجفانهِ البيضاءِ، يسرحُ في الفضاءِ، كأنَّه لم

ينتهِ من دهشة الأحلامِ. أعرفُ أنَّ في أفكاره امرأةً. يتمتمُ، ثمَّ يبحثُ في

فراغ العمر عن فنجانِ قهوتهِ، وعن كأسٍ، ومنفضةٍ، ويسأل عن عصاهُ،

لكي يسيرَ بها إلى ورد الحديقةِ، حيثُ يوحي للعصافير الصغيرةِ

بـالهـروبِ. لقد عرفتُ الأن كيف يعيش طفلٌ عاشقٌ، وأنا أرتّب ما تبقّى

من قصائده، وأقرأها على الشجر المزهِّرِ، فوق سطح البيتِ. أقرأها

لصورةِ شاربيه على الجدار، وأمسحُ العرقَ الذي يجري على خدَّيهِ، يسرحُ

في كهوفٍ أنجبت فيها القبائلُ، وانتهى التاريخُ في أصقاعِها. أصبحتُ

أعرفُ عنه أنّ الحبَّ عذّبَه، فكيف يعيشُ إنسانٌ، يموتُ، على جروح

الأمسِ؟ كيفَ يصيرُ الحزنُ بيتاً للذينَ تهدّموا؟ كيف استطاعَ بنبرةٍ أن يكرهَ

امرأةً، ويقتلَها، ويثأَرَ من خيانتها؟ وكيف تزوَّج امرأةً، وأنجبَ لي أباً؟

وأحبَّنـي، وروى كثيراً من أقاصيص الملوكِ عليَّ؟ كان، حقيقةً، مَلِكاً

عظيماً، عندهُ قصرٌ، وحاشيةٌ، وقد أحببتُهُ، وكبرتُ بين يديهِ مثل الحورِ،

كان يريدُني أن أكتُبَ الشعرَ الجميلَ، لكي أُضيءَ به القـرى، وأصيحَ: "

جدِّي شاعرٌ ، وأنا أغنِّي مثلَهُ، فتحبُّنـي امرأةٌ، وتتركنـي، فأثأرُ من نساء

الأرض، فلتسقطْ نساءُ الأرضِ ، وليبق النبيذُ معي ، وأبقى مُدمِنا ."

 

لمَّا بكيتُ عليهِ، كان البردُ في شفتيهِ، كان يحبُّ أن يُلقى عليه الثلجُ، مثل

حمامة بيضاءَ. كانت حولهُ امرأةٌ تحرِّضه ليخرجَ من فضيحةِ موته.

ركضت إليهِ من المدينةِ، شعْرُها نهرٌ طويلٌ، ثغرُها كرزٌ، وفوق ثيابِها عقدٌ

من الأمطارِ. لم ينظر إليها... كان مهجوراً، ومحتاجاً إلى كأسٍ من العرقِ

المثلّثِ، كي يُشاغبَ في الصباحِ، ويشتهي امرأةً، يقبِّلها، يغازلُها، ويسخر

من حقيقتِه... ويضحك مثل طفلٍ، وهو يغرق في جنون غنائه:

"حاجِه سعاد تقول: قَصْـــــدي جـاهِله

مــا في مصاري بجيبتـي، وْلا جـاهِ لي

وتا يعيِّروني الناس: نـَـــــوْري، جاهِلي

خَزْقِتْ قميص النَّــــوم، تـَهْمِتْنـي أنا. "

من مجموعة "وقلت أحبُّكِ" جميع الحقوق محفوظة



(Votes: 0)

Other News

الشاعر جورج منصور: ضو السراج عباس علي مراد: هل أكثر من هذا هوان؟ الشاعر جورج منصور: ضو السراج الشاعر جورج منصور: يا بيت سطحو تراب الدكتور جميل الدويهي: يوم ضربني والدي على رأسي طوني حنَّا (النسر) :كتابي الشاعر الدكتور جميل الدويهي: رقص الطغاة الشاعر طوني حنَّا (النسر): حــــبّـــــيـــــتـــــا الشاعر طوني حنَّا (النسر) :حبّينا Poet Tony Hanna: A Woman المحامي شادي خليل أبو عيسى: ارتجَّ الصخر الشاعر طوني حنَّا (النسر) : راح العمر Poet Tony Hanna: I Went Away الشاعر طوني حنَّا (النسر): اللي شافِــــــك Poet Tony Hanna: Sailing الشاعر طوني حنَّا (النسر) : كبرتي د.جميل الدويهي: فيصل جلول يطارد سعيد عقل إلى مثواه .. ودينا جابر اكتشفت أنّ الشاعر الكبير "بلا عقل" انطوان القزي: من نينوى إلى أربيل طوني حنَّا (النسر) :حـــبّـــــك الشاعر الدكتور جميل الدويهي:إلى الشاعر الكبير سعيد عقل في يوم رقاده الشاعر طوني حنا (النسر): ضــــــــــــــــــاع الـــــمـِــــــــــــرســــــــــال Tony Hanna: Darkness الشاعرطوني حنَّا (النسر) : بْــــــعِـــــــدْنـــــــا Tony Hanna: What Can I Do? الشاعر طوني حنَّا (النسر): طـــــــلِّــــي قـــبـــــالـــــــي Tony Hanna: Drifted عاشق فلسطين، سميح القاسم للشاعر الدكتور جميل الدويهي طوني حنَّا (النسر) : كلـــــــمـــــــا بِـــــتــــْــأمَّــــــل فــيـــكــــي طوني حنَّا (النسر): طــــــعــــــم الســــهـــــــــره حـــلَّـــيـــتـــــي الشاعر طوني حنَّا (النسر): أحــــــــــــــــــــــــــــلام