قصّة: رجاء بكريّة : ألتُيُولـِيـبْ، الجزء 1

| 15.03,15. 11:38 PM |




ألتُيُولـِيـبْ، (الجزء 1)
(من مجموعة الباهرة)   



قصّة: رجاء بكريّة



لبسَكِ بدني، واختفيتُ في خشب السرير. خفتُ أن يشي بكَ لمن ملأ المكان خطواً بحثا عنك! لو حكى الخشبُ آنذاك لأعلن أن بدني ملأكِ تحت جلده، وأسكت دبكَ الأحذية المتسارعة حول الموقع الفارغ، حيث وقف قطر صوتك ينتظر رجوعك. ذبابة زرقاء بطائرين برّاقين تلتصق بالكتف للمحة، تلبسه وتغادر، تَنَادى الحضور، هل رأيتموها؟
خفتُ على كتفي، حين لاحظتُ الرجال يهرولون مذهولين إلى أكتاف  تعلّقت في الهواء وتخلت عنهم إلى الأبد ربما، همستُ، وانكَمَشتُ في أخاديدِ نفسي. ليستْ واضحةٌ تمامًا لُعبةُ الأسيادِ والخدمِ في هذه الأمسيةِ الحافلة، همستُ بانزعاج لسيجاري، ثمَّ علّقتُ احتجاجي بفروة الكبوت الناعمة. لا أقبل سواكَ سيدا لها، قلتِ؛ وأنا التقط قفزاتك السريعة بين الكؤوس والشوارب.
    كان مساءً لجسدك أنتِ، عرسٌ لملوكية حضورك. فوحُهُ عشق يصيب من يقترب منك بالهذيان، وربّما لأجل ذلك اختطفتِهم بضربة حظ واحدة، وصرتِ ملكة لرجال، هيئاتهم ظلال تتعلق بأسقف الباحات الواسعة.
 تبتسمين بمكر شفاف وأنت تمرّين بجيوب عيونهم الممزوعة من شدة البحلقة، أو الإنتشاء. تماما، كما تفعل ذبابة زرقاء بعد أن تلسع أعداءها، تلبد في زاوية بلون جناحيها، وتطلق أغنيات مزعجة. أما أنتِ،  فتختفين لتتأكدي من افتقادهم لك، وحين تظهرين ثانية تتحصنين بالهواء، كما تفعل أجزاءهم المفقودة، ثم تطلقين صمتا يقلقُ حتّى الذّبابة الّتي تمسرحين دورها. كنتِ جميلة وفاتنة، لا تقاوَمين بسهولة. لا بل لا يعرف الرجال كيف يقاومونك، وكيف يدفعون ضوعكِ عن تفاح أعناقهم. ألغامُ العشق التي وزَّعتِها على مخابىء العتمة وتفجّرت خلفك كانت بارقة الجنون الأولى، التمعت على ذهب أزرارهم؛ صارخة، وتلفعت بِطانة القمصان. كانت صورتك داخل النبيذ الخمري سر رجال نفضت زوجاتهم حروف العشق سريعا عن ستائر خزائنهم ومن مكتّات سجائرهم. دبّقَ هذه الليلة على الملابس. انتشر بعد أوّل رشفة مع القهوة على طرف اللسان.
لم أجرّب مقاومة مكر شفّاف لذلك الحد. بل خفتُ أن أفعل. وقفت بعيداً، أراقب كيف تصرعين رجالاً أحاطوني قبلك بالسؤالات ويحيطونك من بعدي بالسخافات. ليس تماما، إطراء امرأة سخافة، لكنه حين يصبح حكاية الساعة يُبتذل ويلغي أبعاد الرائحة، ورائحتك كانت سيدةً حول الموائد وبِدَل الرجال.
كسّرَتِ الموائد، بعفويةٍ وصمت. كانت كلّك. حقا، لم أعترف لك قبل الآن أن ما يأخذني إلى امرأة جميلة رائحة صمتها. لا يستميلني جمال ثرثار. والصمت حين يفوح من تسريحة امرأة يرسل وميض قوّة. أحب المرأة القوية، ليس تماما، امرأة قوتها خلف رائحتها.
فكرتُ بكِ كأُنثى، لا يُمكِنُ أن أكذبْ. ليس فقط، لبِسَكِ من بعيد بدني. لا يحدث أن تلبس أبدان الرجال نساء لم يتبادلوا معهنَّ أشواقا. أما أنا ففعلت، بعد أن أحدثتُ غيوما لسماء تسريحتك وتخللتُها، وجلبتُ لك شتاء تلقائيا أدهشك. لم تتنبهي إليه قبل أن يغلقَ الرِّجال جَرّارات غزلهم على ردودك المختصرة ويحلّقون فوق رأسك. ارتعبتِ قليلا، أعرف. لم يلاحظ غيري رعشة فكك الأسفل. كنتِ تستعيدينهم لأقل من خمس ثوان، ثمّ يصعدون إلى فوق حيث الغيوم الملونة تدوّخ المطر المُعوِل حولك.
لبِسْتُ الشِّتاءَ معكِ ولففتُ نصفَ دائرةٍ باتجاهكِ. اصطدمتُ بنصفِ ارتباككِ الجميل. أبصرتِني للمرَّةِ الأولى إذّاك مع الشتاء الذي ألقيتُه عليكِ. لم تكوني في تلك اللحظة لغيري. كنا تحت الغيم الذي تسلّقوه أنا وأنتِ فقط. لا... أنتِ وأنا فقط ، هل سيهمُّ رائحةَ عينيكِ من يسبقُ الآخرَ ونَحنُ رأسانِ لِجسد! آسف هذا كل ما أفهمه من أدوات التدلّه باحتواء امرأة.
ظل السيجار ممسكا بفمي يحتجز التفاحة التي بدأت تلعب في حلقي وتخنقني. فهمتُ من زهر القندول، الذي تهلّل في وجنتيك، أنَّك مجنونة بالشتاء فازددتُ له استمطاراً ولكِ احتلالا. حَبُّ الكرز فزّ أخضرا من أرنبة أنفك المدورة، مخالفا عدّ فصول السنة. عجراً أفاق كرائحتك، فحين تغيظ الردهات، تصبح ذكية وساحقة.
لا أعرف كيف تخربط امرأة عدّ الفصول، هكذا، دون أن تقاضيها قوانين الطبيعة، أم أنّك من صنعها؟ تخيلتك دائما عجرة؛ كثمر الشتاء دون سبب. اختنقتُ بكِ، كنت الوحيد الذي يسمعك. فوحُك هذه المرة كان دربكة عنيفة، كلّما سمعها رجل صار عشرة رجال، وتمنّى أن يلبسك في النصف الأعلى من جسده، مثل ساعته أو ربطة عنقه.
 قد تخنقه، لا بأس ما دامت تبقي مسافة أطول للعناق بينهما. هل فهمت أنني أتيتُكِ بشتاء عاصف لأعانقك كل المسافة التي تفصلني عنك؟ لا يحترق الرجال كثيرا بسيجار مزخرف كالّذي اخترتُهُ للمناسبة، لكنّهم يحترقون من هول المفارقة التي يتسبب بها جسم أصم يأتي كي يحرقَ فيحترقَ في فم حامِلِه. أردتُ أن أتخلَّصَ من حرارتِهِ المتزايدة في فمي، فأنساني الشتاء الّذي دفعني نحوكِ أنّ أسناني تسخنُ أيضا، وأنّنا؛ أنا والشتاءُ، نعصف من مسافة الخطوات القليلة مثل زوبعة بخلق المكان.
تقدمتُ خطوتين فقط. ارتسمَ وجهي في عُيونِ الحضور، مثل مسبة أو إهانة، أو يجوز خيانة. حارقاً مثل شعطة قبلة يخطفها غريبان في قاطرة، وتنابتُّ فيها بسرعة القبلة تلك، قرونَ فلفل أحمر. سقطتْ تلك الآلة بين الأقدام. صوت ارتطامها العالي بالبلاط أفهمهم أنها مصدر غيمهم. بهذه الحيلة السريعة استنزَلْتُهُم من الغيم إلي. نظرتُ إليك بدونها، فخُيِّلَ إليَّ أنّ ملابسي سقطت معها، وأنّك تحدِّدين دون جهد المواضع التي تمنّتك.
أردت اجتياز الأشبار القليلة الباقية، لأقول لك أنني هو عاصف إقبال، الذي لا بدَّ أسمعك زوارك قصته معك. مقاول العواصف التي تأتي من الغيم. غيم ملون يستخرجه بتلقائية فاتنة من خشبة صغيرة متعرجة. لا يحتاج احتياطي رجال البترول المُصنَّع الّذين يطوّفون حولك، كي يعصف مواسم بجسد امرأة كلّه مواسم. هذه حقيقة! التملق في وطن يشبَع من طول السواعد، ويموت جوعا من فقدها يصبح بترول الرجال المصنّعين، دون حاجة لتدقيقات طويلة، وربّما لذلك ليس غريبا في زمن الجوع هذا أن تتعثَّرَ الأقدام بالجواسيس والقردة.
 أردتُ أن أؤطرك مثل تويج توليبة، لتظلي هناك معتقلة. بغيمي الساحر وحده، وألفّ بك.. ألفّ بك؛ كما ترقص جنيات الأساطير مع عشاقهن، لفّة بعيدة ساحقة مثلهن. ألفّ محتقنا برائحة عينيك وبوسة الخال التي تَفرِقُ جبينك، كهنود المهاتما.
كل شيء فيك، يا سيدتي، لغة لرائحة. تمنّيتُ عناقك، لا شيء آخر، وقبلة مستعجلة تدوّخ تسريحتك، تفكّكها هكذا كالرغبة من المشابك. وبدل أن أصل حيث أنت اندفعت إلى مدخل جانبي، قادني إلى غرفة أنيقة واسعة، وسطها سرير من الخشب. ميزت في إنتاجه خشب الآلة الصغيرة التي تصنع في فمي العجب.
    السرير بلا مفارش، وبلا وسائد. خشبة سميكة مالسة، تعرف كيف تخبىء الأبدان فقط. بعد تردد وافقت أن تبتلعني بك، حتى تعود إليّ آلتي الخشبية، ومعها ترتديني ملابسي. كان يجب أن أُفهمك عن تَمردي المفاجىء، على شتاء صنعتُهُ خصيصا لكِ أنني غير الرجال، ولو بابتلاعي الوهمي لك.
عاصف إقبال؛ مقاول شاعر سمع عنك، سنوات طويلة، خلف البحار من رجال أتوه لإبرام عقود وصفقات رابحة. من خارج وطن طرده، بعد أن بصق على فقره. رجل لا تعرفينه، يحفرك لعواصم مضاءة في إسمنت جدرانها الجاهزة. مقاول عقارات، كتبَ على جميعها خواطر غير مرتبة لصورة وصلت ببريده المستعجل. قاهرة الرجال، قيل، فقهرتُ بك كل الزبائن. خدعتهم بعقارات مستعملة تعزل قلوبهم؛ شأن جدرانهم عن الصوت وتقرّبهم من الموت. تعزلهم فيكِ. مملكةً صرت، قوتا للصمت.
لم أفهم، حتّى الساعة، لماذا يكتئب الرجال حين ينفردون بك، ويغادرون سريعا إلى بيوت أبدية. هل كان كلامي المدسوس في عازل الجدران الجبصية عازلا أيضا لأنفاس الحياة؟ قولي، هل كانت رائحتك تخنقهم أثناء النوم، أم أنها مشابك تسريحتك المبعثرة؟ كلهم حالات اختناق ليلية. إحكِ لي كيف حدث أن أفقرتهم واغتنيت بكبرياء لا تشبعه العبادة؟ وأخذت كل ما لهم وأرسلتهم بملفات أسرّتهم إلى جحور الفئران ومواكر الأرانب. لا أذكر أنّ كبرياء امرأة قهرني، لكنَّك فعلتِ قبل أن أراك.
هناك، في عواصم مضاءة بشهرة النجوم، بدأتُ أخربشَكِ غصنَ لوز خجل الإزهار يستحي من لحظة بلوغه. وكنتُ هيأتُ لمشاريع عزوبيتي الطويلة هواية لأجلك، تجفيف ورق الشجر. لم يكن لمدن هجمت عليها صناعةُ الكبرياء أن تتقن صناعة الورق.
يمكنني أن أعترف لك أنني كنت أمهر مجفف لشجر المدن المهملة، هكذا سماني رجال الصناعات الكبرى واندهشوا. عليها خربشتُ لوزك. ألذلك سمّوك نوّار! ألنفس السبب رفضتُ أن أسوّق خبرتي الجديدة، أخوفا من الابتذال؟ أَعليكِ أم على مواسم اللوز؟ تهامسوا بك وأضافوا، "نوار معلم مديرة شركة رائدة في صناعة البورسلين، كل ما يعرفه الوطن عن إزهار الأيام". أخرستهم بأدب من فم السيجار، "وكل ما ستعرفونه عن إزهار اللوز"، قلتُ وآنغمرت بتصميماتك آلمدهشة. لستُ متأكدا من علاقتك باللوز. لكنني أتذكر، جيداً، أننا أسمينا زهره صغاراً نوّار. كان ينتشر يومها في الحواكير المهملة وليس على نهود النساء، لاحقناه خارج حدود المدن؛ لئلا تقبض علينا عصيّ مخضِّري الأراضي. لغاية واحدة فتشنا عنه، كي يعترف لنا بمستقبل عشيقات المدرسة. ننتِّفُه ورقة ورقة "بتحبني، بتحبنيش"، وغالبا كان النوار ينتهي بنا إلى اعترافات مظلمة عن العشيقة. هل تكونين واحدة ممن أغفلتْ شفاهُ الصبيّ الَّذِي كُنتُهُ مسَّ تُويجهنَّ، أو ربما النوارة التي سقطت من لفَّةِ القميص وكبرت في العراء؟ لأبرِّر لفَّ قميصي حول بتلاتها في هذه اللحظات.       
    حذروني من إصراري عليك. من غيرتهم، يجوز. لكن حين انتقلتُ بمشاريع عزوبيتي وأعمالي إلى الوطن بدأت أفتِّشُ عن وقت أنكِّلُ بهِ أمامَكِ. لماذا؟ لا تسأليني، كُلُّ الرجال ينكلون بشيء لتقويم وجه رجولتهم.
عدتُ إلَى وطنٍ مُطفأَةٌ فيه أضواء الداخل والخارج،  حتى أضواء السيارات والمراكب كانت بعيون مظلمة. شعرتُ بأنَّنِي استُدرِجتُ إِلَى خَديعةٍ، وكرهتُ الوطن دفعة واحدة. حين تذكّرتُ أيّامَ بصق على فقري كرهتُهُ أكثر. رحلتُ إلى نفسي، ومنها غرفْتُ لوقتي الفارغ ضجيج عواصم نمّيتُ فيها موهبة تجفيف النبت الأخضر، و.. تجفيفك. من شدة قهري أردت أن أجففه، هذا الوطن القاهر مثلك، بقي أن أعترف أنه قاهرٌ بوضاعته، وأنت قاهرةٌ بكبريائك.
تُرى، لماذا يظل في مدن الإثارة توق ومحور قداسة. لماذا يصبح حين نعود مبغى لا سيادة فيه لغير العهر. ماذا نفعل بالعهر، ولا أسواق مؤهلة تماما لشروطه؟ كان الجلوس في وطن غير معنون يعني الشقاء. بل أكذب، كنتِ هوية وحيدة لكل العناوين الملغية. لم أفتش شقاء غيرك. كان ضوع رائحتك من ذقون الرجال يوطنني بيتا لا أطيقه، وتسلية صارت فروضا وسطور ولاء كاذبة. هل يأتي الوطن إلى الناس أم يذهبون بأعضاء فالتة إليه؟ تدريسه العبث كانت كل ما فهمته عن قانون التواصل به. جدرانه زنزانة لا يفكها مجيء الموت. لا شيء فيه غيرك. كرهته.. كرهته. هل سمعت رجلا يولول مثلي؟ فسّري انتمائي كما شئت، فالحقيقة أنَّكِ أنتِ، من أقفل عليّ جدراناً عادَيْتُها كُلَّمَا فَكَّرتُ بأسطرةِ رجوعك. تتوترين مكان الساعات المفقودة؛ حلماً بوجه مشروع اغتراب.

حيفا، فلسطين
  (من مجموعة الباهرة)




(Votes: 0)