د.عصام الحوراني: العربيّة، بين الفصحى والعاميّة- قضية الشعر

| 24.02,15. 06:22 PM |



العربيّة، بين الفصحى والعاميّة- قضية الشعر

                   
د.عصام الحوراني


                                                                                 
          اللّغة في جوهرها أصواتٌ ورموز، وكما قال النحويّ البصريّ ابن جِنّي(942-1002م): "حدّ اللّغة أصوات يُعبِّر بها كلُّ قوم عن أغراضهم". ومثلما يتوزّع الناس على الأرض، في أماكن متنوّعة، وبيئات متباينة، ومُناخاتٍ متغايرة، ومجتمعات متبدِّلة، فيتمايزون لوناً، وشكلاً، وجنسًا، وثقافة، هكذا تتبدّل هذه الأصوات التي يُصدِرونها من أجل التعبير والتواصل. ولقد أحصى الباحثون على الأرض أكثر من ثلاثة آلاف لغة. ولغتنا العربيّة هي واحدة من هذه اللّغات المختلفة الكثيرة في العالم، وهي مع أخواتها الساميّات، من أسرة اللّغات الأفروآسيويّة.
كانت اللّغة ولا تزال تخصّ الإنسان وحده، الذي يستخدمها في إطار مجتمع معيَّن، فتتحرّك وتتطوّر من مستوى إلى آخر، مع تبدّل المجتمعات، وامتزاج الشعوب، وتنوّع مجالات الحياة. هكذا تتشكّل اللّهجات في البلد الواحد، والمناطق الجغرافيّة المتجاورة، وكان العرب قديمًا يُطلِقون على اللّهجة اسم اللّغة، نظرًا للتّباين، ولو كان محدودًا أحياناً بين الاثنتين. وعندنا  الفصحى والعامية، اللّتان يُعبِّر الناس  بوساطتهما عن شؤون الحياة كلّها، إنْ في أثناء التعامل اليوميّ من تخاطب وتحادث، أو في الأدب، والفن، والفكر، والدّين، وغيره. ولقد أنتجت العاميّة كما الفصحى أدبًا، وتراثاً، ومأثورات، لها  قيمتها الكبيرة في إطار الأدب الإنساني الحيّ. 
الكلام على (اللّهجات) وتنوُّعها قديم جدًا، ويرقى إلى بدايات العصور الإسلاميّة الأولى، يقول ابن خلدون في الفصل الخمسين الأخير من مقدِّمته، في معرض كلامه على أشعار العرب: "فلأهل الشرق وأمصاره لغة غير لغة أهل المغرب وأمصاره، وتخالفهما أيضًا لغة أهل الأندلس وأمصاره... وأهل المشرق من العرب يُسمّون هذا النوع من الشِّعر بالبدويّ، وربّما يُلحِّنون فيه ألحانًا بسيطة لا على طريقة الصناعة الموسيقيّة، ثمّ يُغنّون به، ويُسمّون الغناء به باسم الحُورانيّ نسبة إلى حوران..."
وما يهمّنا ههنا، هو اللّغة العاميّة المحكيّة في لبنان، ومدى طبيعة ارتباطها بالحياة وتفاعلها مع الحداثة، ودورها في مواكبة العصر، وعلومه، وثقافته، وإمكانيّة حلولها محلّ الفصحى. بالنسبة إلى هذه التوجّهات، فلقد انقسم اللّغويون في العصر الحديث إلى ثلاثة  فرقاء: فريق يرى أنّ الفصحى لا تستطيع مواكبة الحياة المعاصرة، ذلك أنّه، بحسب آراء أصحاب هذا الفريق، لا تقبل التجدّد، ومواكبة العلوم العصريّة. بينما العاميّة تستجيب لنداء الحداثة والعصرنة. وقد مثَّل هذا التوجه عدد من الأدباء والمشتغلين باللّغة، نذكر منهم : الأب مارون غصن، وجورج كفوري، وأنيس فريحة، وسعيد عقل . ونادى الفريق الآخر باعتماد الفصحى في الحياة المعاصرة، لأنّها لغة حيّة، تقبل التجدّد ومماشاة العصر، لما تحويه من خصائص بارزة تتعلّق بالقياس، والاشتقاق، وتنوّع المفردات، شرط أن يعرف أهلها استخدامها. ومن الذين آمنوا بهذا الرأي: إبراهيم المنذر، إبراهيم اليازجي، أسعد داغر، أحمد رضا، عبدالله العلايلي، أمين ناصرالدين، ظاهر وأمين خيرالله. أمّا الفريق الثالث فقد كان رأيه  في التوفيق بين الفصحى والعاميّة، وهو الرأي الذي قال به محافظون من أمثال عبدالله لحود وغيره. إنّ الحجج والبراهين التي أوردها المنادون بالعاميّة كثيرة، منها: بما أنّ ثمّة مشكلة لغويّة يُعانيها العرب، فقد طالب أنيس فريحة بإحلال (اللّهجة العربيّة المحكيّة المشترَكة) محلّ الفصحى، ذلك أنّ العاميّة  تتميَّز بخصائص حيويّة كثيرة تجعلها قادرة لأن تحلَّ محلّ الفصحى(المشكلة)، ومن هذه الخصائص:
1.    سقوط الإعراب منها، أسوة بغيرها من اللّغات الساميّة" ولو أنّ للإعراب ضرورة للفهم والإفهام لبقي، ولحافظت عليه جميع اللّغات التي كانت معرَبة، ولكن لكونه غيرَ ضروريّ سقط".
2.    التطوّر الصرفيّ والنحويّ: يكون في اقتصار العربيّة المحكيّة على ثمانية ضمائر بدل أربعة عشر في الفصحى، وفي تصريف الفعل، واستعمال اسمَي الفاعل، والمفعول، وصوغ المجهول، وإهمال حروف كثيرة، والاستعاضة عنها بعدد أقلّ، وفي فكرة الزمن في الفعل. "العاميّة لغة مستقلّة لها صرفها ونحوها وأساليبها"
3.    خضوع العاميّة لنواميس لغويّة طبيعيّة: دليل على حيويّة العاميّة وتطوّرها مع الحياة.
4.    الإهمال والاقتباس والتحديد في المعنى: حرص العاميّة على إهمال ما يجب أن يُهمَل، واقتباس ما يجب أن يُقتبَس، لهو دليل على أنّ العاميّة لغة حيّة نامية متطوِّرة.(1)
وقال آخرون، بعمليّة تطوّر اللّغة وارتقائها ثمّ تلاشيها، تمشيًا مع نظريّة النشوء والارتقاء لداروين. وإنّ اللّغة العاميّة "يسهل عليها اقتباس الكلمات أيًّا كان مصدرها، ولو أجنبيًّا"(2)، بينما يصعب ذلك على الفصحى. وقال غصن أيضًا بوجوب كتابة الكلمة كما تلفظ. وغيرها من النظريّات المتنوِّعة التي لم تثمَّر على الصعيد التطبيقيّ والعمليّ. أمّا أهل الوسط في هذا الشأن، فلم يَروا غضاضة في أمر الازدواجيّة بين العاميّة والفصحى، واعتبروا ذلك طبيعيًّا، وله شبيهٌ في لغات عالميّة متنوِّعة منها: اليونانيّة، والألمانيّة، وبعض الفرنسيّة، وغيرها. وقال عبدالله لحود: "إنّ الكلام عن مفاسد الازدواجيّة اللّغوية في لبنان لا يخلو من مبالغة، وإنّ أخطر الإزدواجيّات إنّما هو في الأدب والبيان، بين أدب الحياة، وأدب الموميات، وبين دنيا الناس، ودنيا الأبراج العاجيّة، هناك الازدواجيّة الخطرة...!  "وأشار لحّود إلى رأي لحبيب جاماتي، ولجريدة المكشوف يقول: "أن يُعلى قليلاً بالعاميّة نحو الفصحى، وأن يُهبَط قليلاً بالفصحى نحو العاميّة، فتحَلّ بصورة طبيعيّة بسيطة مشكلة قد نعدّها من الهنات الهنات ... (3) إنّ الذي يتكلّم اللّهجتَيْن لا يرى أنّ التباين كبير جدًّا، فثمّة أشعار نظمها شعراء كبار، يمكن أن تقرأ بالفصحى وبالعاميّة في الوقت عينه. نذكر على سبيل المثال قصيدة (يا ورد من يشتريك) للأخطل الصغير، ومطلعها:

يا  ورد  منْ   يشتريكْ       ولِلحبيبْ ......     يهـديكْ
يهدي    إليهِ     الأمـلْ            الهــوى .......  والـقـُـبـَـلْ
                        يـــــا   وردْ .....
أبيضْ غار النهارْ  منُّه            خجــول .....    مُحــتــار
باسُـه  الندى في  خــدّه           وجارتْ عليـهِ  الأغصان
راحْ   للنسيـمْ  واشتكى           جَرّحْ   خـدوده   وبــكـى
أفدي     الخدودَ   التي            تعِبـتْ   في   مُــهْــجـتي
يـا  ورد  ليهِ   الخجـلْ                فيكَ    يـَحْلـو   الــغَــزَلْ
                         يــــا    ورد ....

ونذكر زجلا فصيحاً لفرحان العريضي:
قابلت  ليلى  بعد  طول   غيابها      ورويت روحي من رحيق رضابها
وتشنَّفت عند  الحديث  مسمعي       من عذب  نغمتها،  ولطف  عتابها

        هكذا تفاوتت الآراء وتضاربت بين مناصري اللّغة الفصحى وتغليبها على العاميّة، ومؤيِّدي اللّغة العاميّة وتغليبها على الفصحى. وثمّة من سعى إلى التقريب بين اللّهجتين أو اللّغتين، وبقيت اللّغتان أو اللّهجتان على حالهما. وبقي على العرب أن يُتقِنوا استعمال الفصحى والعاميّة التي تخصّ كلّ بلد، وأن يكون لهم أدبٌ فصحويٌ نخبويّ مشترَك، وأدب شعبيّ خاصّ، وكلاهما يُؤدّي دوره المميَّز في الأداب الإنسانيّة. وإنّه لمن غير الممكن أن تتوحّد اللّغة في مناطق متباعدة من نواحي المكان، والمجتمعات، والتراث، والتقاليد، والإيديولوجيّات التي تفرض خصوصيّاتها، وتتحكّم بالعقلية العربيّة المتناثرة. كما أنّه من غير الممكن أن تسيطر لغة(الكأكأة، وتكأكأتُم) الفصحويّة الثقيلة القديمة،على لغة(وتجمّعتم)(4) الفصحويّة المعاصرة. إنّ في التنوُّع حياة، ومرونة، وطلاوة، وعلينا أن نقبل الفصحى والعاميّات  معًا بصدر رحب وبمحبّة، ففي كلّ منهما جماليّاته الخاصّة، وإبداعاته الرّاقية، وتنوُّع في ضروب الجمال المعنويّ، واللَّفظيّ، والأسلوبيّ، والموسيقيّ. وإنّه مِن غير الممكن فرض لغة عاميّة واحدة على شعوب عربيّة مختلفة العادات، والتقاليد، والمعتقدات وغيرها. يقول أنيس فريحة: "ونحن من المعجبين باللّهجة المصريّة، وكنّا نتمنّى لو كان العرب شعبًا خضوعًا للنظام، مُذعِناً للأوامر، أن تفرض علينا لهجة كهذه، تُوحِّد لساننا، ولكن، أيرضى اللبناني عن لهجته بديلاً؟ هلْ تعترف بغداد بأفضليّة لهجة القاهرة؟ وهل يقبل الدمشقيّ أن يتخلّى عن (شْلونَكْ سيدي؟) ويحل محلها(إزَّيَّك يا أخي؟) "(5) ونرى، كما يرى عدد من الباحثين، أنّ اللّهجة اللبنانيّة هي أقرب اللّهجات إلى العاميّة، وبخاصّة في الشِّعر، بعد أن أدخل أمير الزجل وليم صعب إصلاحات كثيرة على أوزان الشعر الشعبيّ، وقوافيه، وأساليبه، واللّغة المستعمَلة فيه، وهو الّذي دعا الشعراء لأن يبتعدوا عن التعابير المحليّة الضيِّقة، والانطلاق بالزَّجل والشعر الشعبيّ في فضاء أرحَب، يتناسب والفصحى، كما اللّهجات العربيّة المتنوِّعة، من ضمن دعوته المشهورة إلى (توحيد العاميّات العربيّة)، وذلك من خلال مقالاته الكثيرة في مجلته (البيدر)، وفي المؤتمر الأدبيّ العربيّ للزّجل، الذي أقيم بهمَّته سنة1945، وقد وُضعت معايير معيَّنة، وقواعد خاصّة، سار على هديها عدد كبير من شعراء الزّجل في لبنان، وقد عُرفت هذه القواعد ﺑ(دستور الزجل). وكتب وليم صعب إلى رؤساء المجامع العلميّة العربيّة، يدعوهم إلى إدخال بعض التعابير العاميّة القاموس، وأكثرها كان أفعال رباعيّة من مثال: شرْقط، شوْهَرَ، طرْطش، ترْغل، سَوْسَح، وغيرها.  ونقرأ آراءَه الكثيرة بالنسبة إلى هذه الثورة الإصلاحيّة التطوّريّة النهضويّة، في كتابه (حكاية قرن)، الذي أصدره مشكوراً ولده الأديب الباحث الدكتور أديب صعب عن دار النهار للنشر سنة2001
  سوف أحاول ههنا أن أقدِّم نماذج من هذا الأدب الحيّ المنظوم، على تنوّع وسائل التعبير، والذي يحاكي الإنسانيّة في أعماقها، من خلال صوره المتناغمة، وتعابيره المبدعة، وموسيقاه الرقيقة، وأبعاده في عالم الخيال والرؤى.         
قال الشيخ خليل تقي الدّين في الذكرى الخامسة لوفاة الشاعر رشيد نخله:" فأوّل ما يسترعي النظر في حياة رشيد نخله وفي أدبه، أنّ الناس قبله كانوا ينظرون إلى الشعر العاميّ على أنّه مظهرٌ من مظاهر الانحطاط في الأدب، والضعف في الشعر . فلمّا أرسل رشيد نخلة أزجاله النابضة بالحياة، وغنّى أناشيد الحبّ والوطنيّة والأرض، غناء قرويٍّ خالٍ، يصدر عن طبيعة سمحة، ونطق بلسان الرّاعي السائر مع الفجر وراء  قطعانه، والفلاّح المنحني على الأرض فوق محراثه، والجبليّ العائش في إطار الطبيعة الفتّان، تغيّر رأي الناس في هذا الشِّعر، وبدأوا ينظرون إلى الزَّجل نظرهم إلى فنٍّ من فنون القول الجميل".(6) ويُذكر أنّه يوم زار الشاعر(موريس بارس)Maurice Barres رشيد نخلة في الباروك، جرى بين رشيد نخلة والكاتب الفرنسي المشهور حديث شائق حول الأدب، وبخاصّة الشعر العامي(7). وممّا رواه(بارس) عن حديثه مع رشيد نخلة: "لماذا اختار رشيد بك نخلة هذا السبيل، بدلاً من أن يكتب بالعربيّ؟ ! يقول رشيد بك: إنّ الشاعر العربيّ يتخيّل  فكرته بلغته الإقليميّة، ثمّ يترجم تلك الفكرة إلى الفصحى، في حين أنّ الشاعر الشعبيّ يُخرِج فكرته، وهي بعد حامية طلقة، كما تمخّضت بها قريحته".(8)   ذكر رشيد نخلة في مذكّراته هذا الحديث، وأشار إلى أنّ )بارس( حدّثه عن شعر فردريك ميسترال(9) إمام الزجّالين في فرنسا الذي نال جائزة نوبل للآداب سنة1904 وقال له: "أرى عند ميسترال من الحرارة أكثر ممّا عند شعرائنا الآخرين، من ذوي الفصاحة، فهو يُعبِّر عن خواطره باللّغة التي كانت تتكلّم بها أمّه!... وأردف بارس: الآن عرفتُ ما كنتُ أجهله. فإنّكم، أنتم جماعة الشعراء الشعبيّين تعيشون في بيوت الناس، ونحن نعيش في كتبهم ... فلا بدع إذ نراكم أشدّ حرارة منّا !!". (10)
مع كلامنا على الزجل عند رشيد نخلة نسمعه يتحدّث بنفسه عن هذا النوع من الشعر فيقول:"...وهو ما يقوم في الأذهان من أنّ الزجل بمثابة حرب على الفصحى. فأستغفر الله ألف مرّة! ما كان الزّجل في الأندلس أمس، ولا في مصر، ولبنان اليوم، ليزجّ بنفسه هذه الزجّة! فإنّما الزَّجَل، فخره كلّه، في أن يرى وجهه في زاوية من مرآة الفصحى، ويكون عليه شيء من روعتها، وشيء من طلاوة ألفاظها، وحلاوة حواشيها، ولباقة الأخذ بين خافيها وباديها! والعربيّة محاسنها لا تعدّ، وحسناتها، إلى صاحبها، لا تحصى. وإذا كانت هذه حسنة الزَّجَل إلى الزجّال، فما ترى يُقال في حسنات الفصحى إلى الشاعر، وعنده منها كفَّتا ميزان العرب: البلاغة والفصاحة! ... فالزّجل، إذن، عيال على العربية، من قديم الزّمان إلى اليوم، فضلا عن كونها هي لسان الأمّة، والزّجل لسان طوائف منها، يوم تترك فصاحتها بعض الأحايين، وتقبل على عاميّتها! وإنّي ما اخترت العاميّة، بدلا من الفصحى، كما وهمت(الجريدة الفرنسيّة)، بل أراني أقبل على العاميّة، حين أترك الفصحى، وأقبل على الفصحى، حين أترك العاميّة، ميلا مع الخاطر العارض، أو المناسبة الحاتمة".  (11)
    في زجل رشيد نخلة عدا الصور الأدبيّة الراقية، عمق وفكر، فشعره يتفجّر من أعماق النفس الإنسانيّة المضطربة المليئة بالقلق، والرُّهاب، والتوتُّر، والخوف، والشعور بالذنوب، والملامة... إنه يسعى نحو الذّات متسائلا، مستفسرًا، ومقدِّمًا الحلول، منطلقاً خارج عالم الظنون في سجن الذّات المظلم، مندفعًا بالنفس نحو عالم الحبّ، والسلام الدّاخليّ، والحياة  فيقول :
        لا  أنــا  وْلا  إنْتِ  كـوَّنَّـا  الهــوى 
        وْلا  ابتدعْنا حِسْنِ وشعور وْغِوى
        الله  خلــقْ  عينِكْ   وِقلبي   لِلْغرام
        وْساقبتْ  وِقعوا  بـِهالبَلوى  سـوى
        الله   خلقْ   عينِك   وِقلبي   لِلْغرامْ 
        لا عْليّي  وْلا  عليْكِ  ما  في  مَلامْ
        وِنْكــان حَدا بيقولْ شي في هَلكلامْ
        قِـلّــو  تفضَّـلْ  هــات   لِلعِلِّــه  دوا ! (12)

نعم، لقد ارتفع رشيد نخلة بالزّجل إلى مصاف الأدب الرفيع، الغنيّ بمعانيه وبلاغته، وأبعاده الإنسانيّة، وصفائه، وطلاوته، وسلاسته، وجماله. وقد قال مارون عبود في (دمقس وأرجوان)، وهو يُقارن بين بيتين من الشعر، واحد لرشيد نخله بالعاميّة، والآخر لدِعبل الخزاعي(765-860 م) بالفصحى: قال رشيد نخله:
قلبي وعيني ضْعافْ مِنْ غَيْر شي     في  كِلْ  يـوم   بْيفتحوا  وَرْشِي
العين   تِعشـقْ    كِلمـــا   شــافت      والقلب لاحِقهــا على  الطَّحشي
وقال دِعبل :
    لا   تأخــذا   بظلامتي  أحــدًا       قلبي  وطرْفي في دمي اشتركا

ويُعلِّق مارون عبود قائلا: "ولكن أسألك أن تحكِّم عقلك وذوقك في ما قاله الشاعران، ليبدو لك غنى الشاعر العاميّ، وفقر الشاعر الفصيح، وإن كان هذا الأخير هو السابق إلى هذه الصورة". (13)

    يقول الأمير نديم آل ناصر الدين: "إنّ المتفوِّقين من شعراء العاميّة، لا يقلّون عن المتفوِّقين من شعراء الفصحى، في ضروب الجمال المعنويّ والموسيقيّ... على أنّ شعراء العاميّة يبذّون المعدودين من شعراء الفصحى، إذا كان شعر هؤلاء مقصورًا على الوزن والقافية..." ويذكر الأمير نديم أبا خليل الغَريب، الذي كان شاعرًا أميًّا، وقد جمع في شعره العاميّ البسيط من لطائف المعنى، وبراعته، وجمال الموسيقى، ما لم يجمعه شعر الكثيرين من شعراء الفصحى، فيقول: "حدّثني بعض معاصريه أنّه مرّ يومًا أمامه سربٍ من الحِسان الجميلات البارعات الشكل والقدّ، وهنّ في طرب ومَرَح، فوقعت عينُ إحداهنَّ عليه... فأجفلت هذه الحسناء إجفال الظبية، فقال مرتجلاً :
    غِزلانْ  مَرْجعيونْ  مَرّوا عَالنَّفل         غذّوا المنافِسْ مِن رَواسي عْشابها
    مِنهُم غزالي شاردي جاها الجَفل         غطّى البَرَدْ  لَمَّنْ  طبَــقْ  عِنـّـابها

والبيت الثاني الذي هو لشاعر أمِّي من كفرمتّى، يُذكِّرنا ببيت لابن المعتز في العصر العبّاسي القائل:
فأمطرتْ لؤلؤًا من نرجسٍ وسقتْ       وَرْدًا  وعَضّتْ على العنّاب بالبَرَدِ

لا بدّ أن يكون القارىء لهذين الوصفين قد لاحظ الفرق في الجماليّة بين (الطبق)  عند الغريب، و(العضّ ) عند ابن المعتز، فالصورة الأولى قد تكون أكثر رقة وحضاريّة من الثانية. ويردف الأمير آل ناصر الدّين: "لعمري إنّ هذا الشعر العاميّ البسيط، ليفوق ألفَ مرّة، ما يُسمّونه الشعر الفصيح، إذا كان هذا الشعر، لا ينطوي على شيء من الجمال في مختلف ضروبه".(14)

نذكر في هذا السياق بيتين من قصيدة طويلة  بالعاميّة لأمير الزّجل رشيد نخله :

     لا عِدتْ  تِقْشَعني  ولا عِدتْ  إقشعَكْ     ولا عادْ ينفعْني البِكِي ولا يِنفعَكْ
      بُكرا متى قبالك مَرَق نعشي الحزينْ     مِنّو  لحالو  بْينْحِني   تا  يْوَدِّعَك

وقال الأخطل الصّغير في ما يجاور هذا المعنى:
      واذكروني   لها   بكلِّ  جميلٍ        فعساها  تبكي عليّ  عساها
      واصحبوها لتربتي، فعِظامي        تشتهي أن  تدوسَها  قدماها

إنّ القارىء إزاء هذين التعبيرين، يستطيع التمييز بين الأسلوبين، ومدى ما يحمل كلّ منهما من المرونة الفنيّة، والبعد الأدبيّ، في استخدام الاستعارات،  وكيف إنّ النعش الحزين الذي ينحني ليودّع الحبيب، فيه من الصور، ما يشابه، بل ربّما يتفوّق أدبيًّا، على الصُّور الماديّة التي ترسم البكاء واشتهاء العظام أن تدوسها قدما الحبيب. وكما يقول جورج زكي الحاج: "فماذا يمنع تفوّق أدب بالعاميّة على آخر بالفصحى، عندما يكون الأوّل إبداعًاً والثاني تقليدًا؟ وهل ينحصر إبداعنا الفكريّ والثقافيّ والشعريّ باللّغة الفصحى فقط ؟... لذلك نجد أنّ صور شاعر العاميّة، لا تشبه صور شاعر الفصحى، وإذا تشابهت، فذلك يكون بأسلوب مختلف، وبتراكيب  لغويّة مختلفة، وبطابع مختلِف".(15)
وقد تلتقي العاميّة بالفصحى، من خلال أسلوب رقيق جميل، فيه تجاذب وتناغم محبَّبيْن، فيتعانق النَّوعان بقوالب شعريّة تحوي الأوزان عينها، والإيقاع نفسه، كما عند شاعرنا الدكتور منصور عيد في قصيدته (رقصة الميجنا)، من ديوانه الأخير(ألحان الكروم):
هبّت إلى الإنشاد  لحنــًا  موزنــاً       "مين كلَّفَكْ يا زيْن  يا  بو الميجنا"؟
فتهــوجُ في عزم الجماعة  كفّهم         بالضربِ، بالتّطبيل، يوقِعُها الغِنا
وتضجُّ في غمرِ الحناجر صيحَة ٌ      "مينْ كلَّفِ الزّيْناتِ  ترْقص بيننا"؟

ونقرأ الدكتور جميل دويهي، في قصيدة له بعنوان: (جَدّي القديم) من ديوانه (وقلتُ: أحبّكِ):
"... لكنّها ذهبت إلى بيروتَ حيث تزوّجتْ رجلاً غنيًّا... ثمّ عادتْ ذاتَ يومٍ. كان جَدّي حامِلا عقدًا من الأمطارِ، منتظرًا، فلم تنظرْ إليهِ. فعاش مختبئًا وراء الحزنِ، واحترَقتْ يداهُ، وقلبُه...من بعدها، ما عاد يذكرُ كَمْ أحبَّ، ومن أحبَّ من النساء... لقد أراد الثأرَ، فلتسقطْ نساءُ الأرضِ، وليبقَ النبيذ، وصوته، وغناؤهُ :
يا رايحه عالعين ، عينِكْ  مائِلِه        بْحِبِّكْ أنا، وْحُبِّكْ  لغيري ما  إلي
ما زال عِنْدِك بعدْ نُقطة ماءِ لي        كوني  كريمِه، وْرَيِّحي أعْصابنا 

ومن أجل أن نتذوّق أيضًا الجماليّة في الصور، والإيقاعات المحببة في الشعر العامي، نسمع على سبيل المثال ميشال طراد يقول في ( جلنار):

قدَّيش هالوردي عَمِ  تكثـِّر حَكِي ،
وبتضلْ هِيّي  وهالكنار  بْوَشْوَشي ،
مْبارحْ خَمَشْ عِنقا بضِفرو الليلكي،
واليومْ بقّحْ صِدِرها مْنِ الخرْمشي،
•    شو باك، يعني شو؟
•    وْإنتِ شو بكِ؟
•    حسّيتْ دخلك هَيْك مِتْلي بْنعْمَشي ؟ (16)

ونسمع جوزيف حرب يقول في ( مقصّ الحبر):

    مْرايي البحرْ،
    والشمسْ شِرْبَتْ قهْوِتا،
    وْقعدت تمشِّط شعرها، وساعا شفافا،
تحمّرُن، ساعا،
ترتِّب كِحْلِتا،
تا شافتا ريح الشِّتي،
    اﻠ وَلّعتْ بِقلبا غيرِتا،
وصارتْ  بقضبان الهوا وِالغَيْمْ  تِضرُبْ
هالبحر،
تا كسَّرَتلا مْرايتا. (17)

والياس لحّود، يقول في ( جسْمِك عِرِسْ) :

    باقي  عسلْ عَشفافهُن،
    باقي عِطِرْ  دافي
    شو عمّروا  جْناينْ  هوى
        وشو هبّطوا  ْحفافي
    مِشيوا  سَوا
    وْضاعوا  سَوا
    والناس  لقيوهن  سوا
    هُوّي عَصيْفا  مِتِّكي
    وهِيِّ  قمَرْ غافي .   (18)

نعم، هذه هي جماليّة الشعر العاميّ وفرادته، وإيقاعاته الخاصّة، وللشعر الفصيح جماليّة أخرى خاصّة لا يُنازعه عليها أحد. ولو حاولنا ترجمة الشعر العاميّ إلى الفصحى، أوالشعر بالفصحى إلى العامية، لفقد هذا الشعر في كليهما جماليته، وطابعَه المميَّز، وأسلوبَه الخاص، فلِماذا لا يبقى الاثنان؟ فإنّ التنوّع محبَّبٌ وجميلٌ، وفيه طلاوة وحياة. 
...................................
الهوامش :
1.    د. أنيس فريحة، اللهجات وأسلوب دراستها،  دار الجيل، ص104
2.    مارون غصن، حياة اللغة وموتها، المطبعة الكاثوليكية،1925 ص10
3.    عبد الله لحّود، لبنان عربي الوجه عربي اللسان، دار العلم للملايين، بيروت1993 ، ص126
4.    قال العرب قديماً،كما هو مشهور: "لماذا تكأكأتم عليّ كتكأكئكم على ذي جنّة؟ إفرَنقِعوا عنّي... " واليوم نقول المعنى نفسه : "لماذا تجمّعتم حولي، كتجمّعكم على واحدٍ مجنون ؟ اِبتعدوا عنّي ... "
5.    د. أنيس فريحة، نحو عربيّة ميسَّرة، دار الثقافة، بيروت1955، ص175
6.    خليل تقي الدّين، من مقال في جريدة المكشوف، عدد10،1944، ص8
7.    Barres, Une Enquete Aux Pays du Levant  ، وأيضاً فقد نشرت جريدة Les Nouvelles Litteraires في عددها الصادر في 22 أيلول سنة 1934 مقالاً بعنوان: (ميسترال لبناني) بحثت فيه عن الزّجل في لبنان، وأشارت إلى الحديث المذكور بين باريس ورشيد نخله، ولماذا اختار رشيد نخله هذا السبيل.
8.    من المقال نفسه في الجريدة الفرنسيّة .
9.    رشيد نخله، كتاب المنفى، المكتبة العصريّة، بيروت 1956، ص129
10.    م.ن.
11.    م . ن. ص 130-131
12.    Dr. Jabbour Abdel Nour, Etude Sur La Poesie Dialectale Aux Liban, Publications de L,Universite Libanaise,1966 p.130 
   13- مارون عبود، دمقس وأرجوان، دار الثقافة، بيروت 1966، ص43
   14- الأمير نديم آل ناصر الدّين، من مقدِّمة لديوان (الذخائر) لفرحان العريضي ص4-5
   15- جورج زكي الحاج، الإبداعيّة بين الفصحى والعاميّة، لا. ت، ص78
   16- ميشال طراد، جلنار، ص30
   17- جوزيف حرب، مقص الحبر، ص15
   18- الياس لحود، جسمك عرس، ص78



(Votes: 0)