قصّة: رجاء بكريّة:إوزّات سعيدة

| 26.01,15. 05:32 PM |





رجاء بكريّة
روائيّة وفنّانة تشكيليّة






إوزّات سعيدة
(من مجموعتها الجديدة الصّادرة حديثاً، الباهرة)




".. لم يحوّل بائع الياسمين الأسمر نظراته عن زهراتها، فوجئت به

تماما عند منعطف العودة، مقابل ساحة الحناطير ينحني أمامها،

ويهمس: أنت ساحرة كزهرات الكاميليا المتفتحة على ساقيك يا سيّدتي،

هل تقبلين هذا الطوق متوِّجًا حُسنكِ حُسنًا لهذا اليوم؟"

 

قصّة: رجاء بكريّة

هو.. مونولوج الذّعر يلاحِقُ قلبَها، منذ رأتهُ يُلاحِقُ رَدِفَي

جَارتِها "هَمْس"، حدّ أنّ التمتمة أصبحت بين أسنانها

رديفُ مسبّةٍ، تتهجّى غيظها تحتَ عينيهِ الغائبتين، بكثيرٍ

من الغيظ، "بدأتَ تحِّقُر شوقي وتتنمرد، لأن قلبي نَبَضَ في

كتفي..لا تبرر موقفك يا رغيد؛ لأنّي سأكرهك، وأنت تعرف

أنّ كراهيتي تعني، عينهُ، الهجر! هجرك دون التفات

لتحريض أمك ونَمِّ الجيران تحت إبطك. كُنْ واثقاً أنّ خُفّ

البيت لن ينتظرك ثانيةً عند السلّمة الأولى متخليا عن

بُكلته. سيرحل معي إلى بيت لا يسكن فيه واحد رجولته

في صدر أمّه. تعرف جيّدا أنّني جادة فيما أقول.

لا تتعب روحك يا سيدي، لن يُثِرنَ غيرتي نساءك الكثر.

أجل أعترف، مسحتُ بصري بقائمة أسمائهن داخل

الرزنامة الكحلية. يبدو على خطأ، تركتَها مستلقية تحت

لامبة المكتب، ودُهشت! لم تحدّد الألوان الباهتة بالذات

لونا لأشيائك الحميمية؟ هل يشبه عاجهن المختبىء دائما

في مكان لا أعرفه؟ كلّما تلوّينَ دلالا تلونت خيانتك. لا

أعرف كيف لا تَشبع من معاقرة الوقت مع فساتين النساء.

وكيف يهندِسُكَ الزمن بهذا القدر من الهذر؟!

ثلاث نساء دخلن دون موعدٍ مُسبق. لم أسأل كيف تستقبل

حالات استثنائية بهذا الزخم بضربة واحدة. لم أطلعهن

على هويتي. حين اصطففن على كنبة الانتظار؛ مثل سربِ

حمام سعيد، أحسستُ أنني الغريبة الوحيدة. ضحكتُ من

المرأة الّتي تحلف لها، كلّ صباح، بشاربيك أنّها أنثاك

الأجمل وتخرج. وتساءلت كم زوج من الشوارب يجب أن

تطلق في وجهك لتوزعها على حلفانك بالتساوي.

وشوشت الأولى صديقاتها حين لَمَحَتْني أَحتلُّ الكنبة

الداخلية، بعيدة عنهن مثل بطّة قبيحة: تُرى، كيف تسللت

إلى هناك؛ سيّد رغيد لا يستظرف أن يعتدوا على كرسيّه.

زمّت الثانية أطرافها اللحيمة، "تبدو  وقحة". أمّا الثالثة،

فقذفت إلى فم لصيقتها حصوة "قليلة ذوق"، وأسكتتها.

فكّرت أشجان في سرّها، ماذا لو أعلنت أنّها الزوجة غير

المتوقعة؟ سيُفلجنَ، دون شك، ومعهنَّ زوجها. ما الّذي

أتى بها إليه دون اتّفاق مسبق. لا تعرف، لكنّها قوّة لا

تُقاوَم أمسكتها من الإسفنجة الواقية على كتفيها، وقادتها

إليه.

رغيد مبعثر هذه الأيام ولو أنّها فهمت أن تراثه القومي

مستفحلا فيه هكذا، لكفّت عن النبش في أوراقه. تأتي

النساء إليه رزماً؛ مثل النقود.

همستْ لِعُبِّ قلبها على مضض، وأضافت "زوجي العزيز لديه

مشكلة، يُحبُّ الأشياء رزمًا مهما كنّ". واستنتجت؛ دون جهد "لن

يتنازل ولو هجرتُهُ". ضربتْ على جبينها وتنحنحت. أصغت

النسوة بحذر لخلجاتها، تهدّد هجومهنَّ المنظم على الرجل

الوسيم، زوجها. لماذا لا ترقص لهنّ رقصة الذئب لتُطمئِنَ

نفوسهن؟ أو جائز أن تَخَلِّيها عن مرتبة المنافسة في هذه

الوليمة الفاسدة أفضل.

لم تفكر طويلا حين لمّت كاميليا فستانها الكرزي، وخرجت

بقامةِ زرافةٍ رشيقةٍ. خطواتها الراقصة، زفّة الحقد اليومية

الّتي تمنحها النساء لظهورها العابر في الصالونات الرسميّة

واللاهية على حدّ سواء. منحت هواجسها للشارع، وهي

تجتاز البوابة الرئيسية؛ سريعا ما أمكن وأصغت لشخير

الملل تحت القطعة التي تحتضن رأسها أثناء النوم.

قلب رغيد استبدل النبض بالشخير، "واضح"، تشقلبت الكلمة

بين أسنانها، "منذ علف حظيرته بإوزّات لحيمة كتلك". أجل،

"لم تخطىء، قلبه رَهَنَ حسّه لمخلوقات الحظيرة المرعبة،

وحقيقي لا يتقن غير أصوات المعاء والهواء، وما جاء على

نهجها". هزّت رأسها هزّاتٍ عنيفة كادت تصدمها بالرؤوس

الّتي تحيطها في مركز المدينة. ومن حين لآخر تتوقّف

وتستدير إلى الخلف، كأنّها بانتظار رفيق درب. قاست

المسافة الّتي عبرتها بعينين مشكّكتين، أحقّاً اجتازت هذه

المسافة بنَفَسٍ واحد؟!

ارتبكت زهرات الكاميليا على فستانها الواسع وهي تجتاز

شجرة الموز العملاقة المُعَنِّقَة في منتصف الساحة، وتتملل

تحت نظرات الرجل الأسمر الّتي تثقب ظهرَها. وخيّل إِلَيها،

ربّما سيمدُّ يده مباشرة إليها ويضَمِّمُها. كان يبيع أطواق

ياسمين تتضوع بروائح الحبّ الأوّل. لا تتذكر تماما رائحته،

ولكنّها لا تنسى عطر رغيد حين مسّ إبهامه خدّها أوّل

قبلة. ذلك اليوم لم تقترب من حنفية الماء بل نامت دون أن

تغتسل. استَبْقَتْهَا يوما كاملا، ولو لم تخدعها المخدّة حين

كفأت وجهها ودعكته انتشاء بمسحة سبّابته، لَهنِئَت يوما

آخر بوصالها الوهمي.

 

لم يحوّل بائع الياسمين الأسمر نظراته عن زهراتها،

فوجئت به تماما عند منعطف العودة، مقابل ساحة

الحناطير ينحني أمامها، ويهمس: أنت ساحرة كزهرات

الكاميليا المتفتحة على ساقيك يا سيّدتي، هل تقبلين هذا

الطوق متوِّجًا حُسنكِ حُسنًا لهذا اليوم؟!

تلعثمت، واحمرّت بشدّة. تراكمت فردة حذائها الأولى فوق

الثانية، وكادت تسقط حين أحاطها ياسمينَهُ. أخذت الطوق

وشكرته على عجل. تعثرت قليلا وهي تتخلص من نظرات

الناس حولها. رأسها عَرِقت بكلامِ منْ رآها بُرقوقيّة، نقيض

الطوق الّذي تركته يتدلى زاهياً حول ابتسامتها الضائعة:

لو أن رغيد مكانها وجاءت إليه بائعة القرنفل تلك، قرب

دكان الزهرات، لضمّها مباشرة إلى سرب الإوزّ المرابط أمام

غرفته. تنهَّدت، وأسقطت ابتسامة ليلكيّة أسفل شفتها.

 ارتفعت جلبة المسافرين حول سيّارات الأجرة. ساحة

الحناطير مزدحمة اليوم أكثر من العادة، وبائع الفلافل،

أبي صابر، نفذت أقراصه أمام تدافع الخلق، الهاجم مثل

غارةٍ. تسمعه يستحثُّ صبيّة كي يأتي بسحّارة الخبز؛ هكذا

يسميها.

لسبب ما انشرحت، وهي تلاحظ انشغال الناس بهمومهم

الصغيرة. رغيد إذن ليس أصعب همٍّ ألمّ بها، ويمكن أن

تزيحه عنها، هكذا، كما تزيح خصلة الشعر اللولبية التي

تقفزُ فوق جبينها. أمسكت طرفها الأشقر، وردّتها برفق

إلى الوراء. نظرت إلى وجهها في مرآة سيارة مرّت

بمُحاذاتِهَا، فوجدته مشرّبا بعشق سرّي، لمن؟ تساءلت

بخفر، لبائع الياسمين؟ للحياة؟ ربّما. بدا جميلا أكثر مما

اعتقدت، كأنّما تراه للمرّة الأولى منذ زمن بعيد. أهي مُلفتة

مثل المرأة الّتِي تقلّدها في المرآة؟ استنتجت في الحال،

وقررت، "يجب أن تسلك هذا الطريق مرّة واحدة في الأسبوع

على الأقل"، ثمّ لاطفت زهر الكاميليا بخنصرها الدقيقة،

"ليظلّ وجهها جميلا هكذا". 

لم تتنبه إلى الوقت الّذي مّر وهي واقفة، تتأمل شكلها

وتهمس لأزهار فستانها. داعب وجهها الهواء حين هبّت

من غفلتها وفهمت أنّها لا تزال بين الناس مأخوذة

بِجَلَبَتِهم. هل تعود إلى المكتب؟ هوَ لا يبعد كثيرا عن

موقف السيارات. ولن يكون ثمّة مفر، سوف تحاذي بائع

الياسمين مرّة أخرى، ابتسمت للفكرة. تذكرت عينيهِ، "لقد

رسمت لروحها غدا أجمل". ستستقلُّ سيّارة أجرة إلى البيت،

ابتسمت ثانية مثل طفلة تحلم بلعبة تحبّها، وأضافت،

وسوف تمرّ من أمام بائع الياسمين، وتراه من حيث لا

يراها. مرّت السيّارة من أمامه، ورأته من بعيد يتابعها، لكن

دون أن تمتلىء بعذوبة بنفسجه تماما. لا بأس، لقد فسّر

لها بنفسجه، على الأقل.

لكن، لماذا نظر سرب الأوزّ إليها بحقد؟! هو سبب كاف

لإحساسها الثمل بالسعادة. 

 الشوارع الممتدة على أجساد الناس، أغرب ما فهمته عن

مدينتها في ذلك اليوم. هنا، الأجساد امتداد للشوارع، كيف

أحبّت أن تجهل؟ وهنا لا شوارع عاطلة عن الأكتاف

المتلاصقة. عبست قليلا، حين اقتربت شجرة التفاح

المتعانقة منها. شكلها المتداخل يوهم من يراها أنّ عائلات

سعيدة تعيش خلفها. وكل ما خلفها بيوت واسعة بأسوار

وأبواب مذهّبة وحدائق تغني لها عصافير ملوّنة. حنّت،

دون سبب، لأزقّة عكا. هناك كبرت، وكانت أمام العتبة

العالية أشدّ سعادة ورغبة في الانطلاق، مثلها اليوم أمام

بائع الياسمين. شقيّة، بلا حدود، هكذا تصفها أمّها، حين

تلح على طفولتها.

وماذا أيضا؟ لم ترافق غير الأولاد؛ البنات لعبن لعبة

عريس وعروس. هي تسللت إلى الأعراس؛ كي ترى

المشاهد حيّةً. لم يعجبها ما أعجب الآخرين. انكمشت

خصل شعرها الفوضوية. لحظات قليلة ستمر، وتجلس

بعدها أمام اسطوانة رغيد اليومية ومثل كلّ يوم سيقلب

رأسها بما يتناقله أصدقاءه من بدع حول أسرار الذباب

الأزرق. "يختطفه رجالات السياسة، سيتباهى، كي يخيطوا

من أجنحته ربطات ذهبية لأعناقهم"، كأن المعلومة

اكتشافه الشخصي. قد تغضب، ككلّ مرّة، وتشتمّ خرافات

أصدقائه. وقد.. فكّرتْ بخبث، تسأله إذا كان ريش الإوزّات

اللحيمة يصلح لابتكار يقترحه على رجال الأعمال أمثاله.

وقد يسألها ماذا تعني؟ ستبتسم، وتترك خيالها يسبح خلف

إوزّات زوجها النزيه!!

  

قلبي يدق بعنف ويوشك على خيانتي، سيغادرني ويترك مكانه

جرابا تمتلئ بالوحل والأوساخ، فمن سينبض بي عنه؟ تشنجت،

وهو يتهدّج ويقترب من أنفاسها. يمرر أصابعه الرشيقة فوق

كتفها العارية ويحاول أن يكون لها وحسب. لكنّ الإوزات الثلاث

لا تغادر مجاديف عينيه. هي لا تلمح غير قمصانهن القصيرة

على ركبتيه. اختفت رائحة العطرِ الّذي تحبّه تحت ياقته المدوّرة،

وتسللت مغامراته نافذة إلى أعماقها.

 

حين جذب نفسه إليها، جذبت نفسها هي أيضا، بقسوة منه،

وهمست بانسحاق: أرجوك.. لا تقترب.. أرجوك؛ ستقفز الإوزّات

من هناك، وأشارت إلى عينيه، وسوف تلطخ أزهار فستاني

بالوحل. وإذّاك تأمّلها رغيد بشكٍ، وأسرع إلى مرآة الحمّام كي

يتأمل شكل الإوزات الّتي سحرت زوجته لهذا الحدِّ في عينيه!

حين عاد عثر في الصالة على فستان زوجته ممزقا بدونها.    

حيفا
[email protected]

 



(Votes: 0)