سليمان ابراهيم:"طائر الهامة" ينازع صاحبه بين هجرةٍ وعودة

| 20.01,15. 01:44 PM |






"طائر الهامة" ينازع صاحبه بين هجرةٍ وعودة


 

بقلم سليمان ابراهيم
عنايا- لبنان


 


يحزم الرّوائي جميل الدّويهي أَمتعته، على جنح "طائر الهامة" – روايته الأخيرة- عائدًا إلى الوطن، متأبّطًا من قعر غربته بعض الدُّر: كُتُبًا كان قد حاكها للوطن وأهله ملاءاتٍ وأخمارًا من خلف نقاب غيومٍ مُحمَّلةٍ بالحنين؛ وقد خطَّها بحبر دموع الشَّوق لحلول موعد الإياب إلى أَرض الميلاد... بعد أن كانت سنوات الخيبة بمستقبل وطنٍ أحبَّه، قد أُرغم على هجره والذّهاب بعيدًا... غير أنّ الحنين، بقي يدقّ على باب صدره بإلحاحٍ، إلى أن صدحت في فضاء نفسه أَجراس العودة بصخب الشَّوق! 


رجع، والحلم الأخضر بوطنٍ غادره عُنوةً وهربًا من اندثار قيمٍ، يُحاكي عينيه ويضجّ في فسحات نفسه، التي تأبى العيش إلاّ في وطنٍ سامق الحضارة مُتجذِّرها، بعد أن ضربت عروقها الحيّة فيه عميقا لتضجّ في عينيه حيرةً، وتُقلِقُ نفسه وجعًا، على مستقبل إنسانه الّذي جُرَّ استزلامًا لمتزعِّمين، وانزلاقًا في دهاليز تصرُّفاتٍ مُهينةٍ شائنةٍ بحقّ أَخيه الإنسان؛ وهي بالأصل، لا تنتمي إلى منظومة القيَم ومظاهر السّلوكيات الخلوقة الّتي نُشِّئَ عليها أساسًا. 


  غدت شخصيات الرِّواية كلُّها أبطال مواقفها، متحمِّلة تبعات تصرُّفاتها، مع أَنِّي وجدتها جميعًا لا تغدو سوى حُطام حروبٍ توالت على أرضنا الطَّيبة فهدَّتْنا ولم تنهَدّْ. 


فسلوى، زوجة سعيد الدّروبي، ظلَّ طائر الهامة يُلحُّ عليها انتقامًا لمَقتَل زوجها، وانتهت مسجونةً، عقابًا لتحريضها شفيق على قتل سُعاد ابنة السّرنوك الّتي باتت كنَّتها، بالرُّغم من عدم رضاها. في حين أنّها صرفت العُمر، تحقيقًا لرغبة زوجها القتيل: فخرَّجت ولدهما رياض طبيبًا، وعاشت على الوفاء لسعيد، فلم تتزوّج أو تُحبّ سواه، بالرُّغم من أنّ الحياة أَفسحت لها المجال لخَوض تجربة حبٍّ جديدةٍ. فؤاد السّرنوك: بقي حاملاً تَبِعَة مَقتل سعيد، طيلة فصول الرّواية بعد أن ابتلعت الشّائعة حقيقةَ الحادثة؛ كما وقع الكثير من الحقائق التي اغتيلت بطغيان الشّائعة أَثناء الحرب... ولمّا بانت الحقيقة، غدا السّرنوك غير قادرٍ على الدِّفاع عن نفسه أو الشّهادة للحقّ، نظرًا لِما ناله من أزمةِ نفسيَّةٍ أَلمَّت به. أَمّا شفيق، رفيق عُمر سعيد وصديقه الأوحد، فكلّ ما ظنّته سلوى فعلَ وفاءٍ منه، حِفظًا لذكر صداقته لزوجها، لم يكُن سوى تكفيرٍ وتمويهٍ لِما اقترفت يداه، كما ظهر في الفصل الأخير من الرّواية، حيث أَفصحت وردة زوجته عن سرِّه الدّفين! وصولاً إلى رياض، ابن سعيد، الّذي بات طبيبًا. حاول طويلاً إقناع والدته بالإقلاع عن فكرة الثّأر الذي لا يجرّ إلاّ ويلاتٍ إثر ويلاتٍ، فلم ينجح. وهذا، ما دفع بشفيق إلى تهديد سُعاد بالقتل وإِجهاضها جنينها بتحريضٍ من سلوى، أُم رياض! ورياضُ هذا، عاد ليؤكِّد نبذه للعداوة والثَّأر باقترانه فعلاً بابنة فؤاد السّرنوك، وإن كان إصرار أُمِّه على حسابٍ وثأرٍ، أَدّى إلى فقده عُنوةً جنينًا، كان سيملأ عليه حياته... وتُختتمُ الرِّواية على مشهد صحوة الضّمائر ووصول العدالة على الموعد المضروب للِّقاء، وجهًا لوجه، مع جمهرة الحقائق الّتي تمتطي لسان هُدى زوجة السّرنوك سؤالاً بصيغة تجاهل العارف، إضافةً إلى تصريحٍ مُسهَبٍ من وردة، زوجة شفيق، توسَّلتهما الحقائق تلك لإسقاط الحُجُب عنها، جلاءً لكلّ رَيب أو زيَف أو زندقةٍ، إن قولاً أَم فعلاً أَم مُمالقةً بموقفٍ أو بإفصاح... 


وبالعودة إلى أماكن الأَحداث، نجدُ الرّاوي يتّخذ من قرية "غابة الخروب" من جهة، وقرية "الدّهَينة" من جهةٍ أُخرى مرسحًا لأحداث الرِّواية، حيث يعيش أَبناء البلدتين بوئامٍ ومحبَّةٍ بعد مُصاهرةٍ؛ يتبادلون بينهم ما يحتِّمه الواجب الإجتماعي في مُناسبات الحزن والفرح... إلى أن دخل الغُرباء المرفوضون بين أَبناء القريتين وعاثوا قتلاً لأحد السُّكان، وإفسادًا للودّ القائم بين ناسهما. باختصار، القريتان ترمزان إلى وطننا ما قبل الحرب من جهة، وإلى الوطن المفكّك الأَوصال المتباعد الأطراف بين مختلف شرائح أَهله، وما جرّ عليه هذا الوضع من موبقاتٍ وويلاتٍ أثناءها... 


أَمّا الرِّوائي جميل الدّويهي، فلا يحيا بعيدًا عن أَجواء شخصيّاته وفضاء الأَحداث، بل هو مزروعٌ في دقائقها والتّفاصيل؛ على لسان المتكلِّمين تارةً، وناقلاً لمُعظم أَفكار فؤاد السّرنوك تارةً أُخرى... ناقدًا تبدُّل المفاهيم للعيش الإنساني السّليم، نتيجةً لتحطُّم سُلَّم القِيم بعد أَن فغرَت الحرب فاهًا مُزدردةً كلّ الخير، زارعةً الدَّمار في البيوت والنُّفوس معًا... ولكن، في نهاية المطاف، تنتصر إرادة العيش على إِعصار الموت الّذي عصف بالوطن وأَهله... بالرّغم من أنّ النَّاجين كانوا قِلّةً وعوا الحقائق، وبثّوا أَفكارهم تنويرًا للأجيال القادمة، علَّهُم يثورون في وجه الظُّلم وأَسياد الموت المجاني، رغبةً بتطوير مفاهيم وتحديث ذهنيّات، تقوى على مواجهة الحياة بشجاعة الواعي وليس بتهوّر الغافل عن جزيرة القتل والدّمار والتّهجير... في سبيل حفظ مصالح القاتل، على حساب حقوق القتيل، وصون أَنانيّة الفرد، على حساب رَغد إنسانيّةٍ بمُجملها.


أَجدُ الكاتب ثائرًا على المجتمع التّقليدي الّذي يقيم وزنًا للتّقاليد البالية على حساب كرامة الإنسان، مانعًا عنه التّنعُمَ بقيمة التواصل بما يفرضه العقل ويحتِّمه المنطق.  


يتخلّل الرِّواية الوفير من أَفكار الأديب، من مثل بُعدِه عن مُخالطة أَصحاب السِّياسات الهابطة الـمُسيئة للوطن وناسه... كما وأَنّهُ ينظر إلى المستقبل بإيجابيّةٍ، علَّه يساعد الجيل الجديد على الإيمان بوطنٍ تحلم به عيونهم ولا زالوا ينظرون إليه ببعض أَملٍ، ووفير شوقٍ! 


  إِنَّ "طائر الهامة" أَلح على مُعظم شخصيات الرّواية، إمّا ثأرًا بمُبادلة قتلٍ بقتل، أَم بإفصاحٍ عن حقيقةٍ واقعةٍ، بدل التمنطق بأَقمطة الكذب والمُداهنة، كشفًا لمستور يُسيء إلى نقاوة الإنسان فينا...


  شُكرًا له طائرًا ملحاحًا، قض مضجع الدكتور جميل الدويهي، حثًّا له للعودة إلى ديار وطنٍ يعتزُّ به، وينتظر من نزف يراعه والفكر الكثير، تنويرًا على دروب جيل من المثقّفين الّذين يعشقون الوطن ويحتارون في كيفيّة التّعبير الصّادق عن حبِّهم له وتعلُّقهم به.




(Votes: 0)