أنطوان حربيه: قصة "طائر الهامة" للأديب الدكتور جميل الدويهي.. دعوة إلى السلام بين الشعوب

| 04.01,15. 12:55 PM |



 قصة "طائر الهامة" للأديب الدكتور جميل الدويهي
دعوة إلى السلام بين الشعوب



بقلم أنطوان حربيه-ملبورن




قرأت على موقع الغربة قصة "نبيل الساعاتي" للدكتور جميل الدويهي، فاستوقفني فيها مشهد الحرب التي فرقت بين حبيبين، وفهمت أن الكاتب يدعو إلى السلام في العالم وفي وطنه الذي عاش تجارب الحروب ودفع ثمنها غالياً.

وفي كتابه "في معبد الروح" مقاطع كثيرة عن الحرب والسلام، وعن المسامحة وعن قيمة الحب. وآخر وصية في الكتاب هي: إصنعوا السلام.

ولا يختلف "طائر الهامة" عن "في معبد الروح" من هذه الناحية، حيث يبرهن الكاتب بشاعة الحروب والانتقام ويدعو إلى واقع جديد يسود فيه العدل والسلام: "وتلك الحرب التي التي اشعلت حرائق في الأرواح ليتها كانت وهماً عابراً في بال او هاجساً مخيفاً ما لبث ان امّحى عند طلوع الصباح! لكنّ الحروب تترك أجنحة مخضّبة بالدماء عند كل باب واعراساً مذبوحة في الشوارع ورجالاً ماردين يحملون الجروح في ضمائرهم ويطلقون الرصاص في البراءة. البراءة وحدها هي ضريبة الدم" (ص 5).

ويصور الأديب معاناة فؤاد السرنوك الذي شارك في الحرب، فقد أصبح مجنوناً: “كيف لمجنون ان يفصح عن ثورة جنونه؟ نعم... مجنون يتكلّم، والجنون مثبت بشهادة من طبيب.” (ص 5). و"يقولون في القرية إنني فاقد لعقلي، وإنني أهذي في كثير من الاحيان. هذا ما فرضه القدر علي” (ص 53). ويواصل الدويهي تصوير السرنوك في هذه الحال: “لقد بات السرنوك أسيراً لحقبة سوداء وحكم على ذاته بالسجن المؤبد في شرنقة صغيرة. كانت ذكرياته تخاطبه فيجيبها، ويفشل في إبعاد صورها ومشاهدها وأصواتها عن رأسه”(ص 14). وهو يصرخ:  "ماذا جنت يداي؟" كما صرخ هابيل (ص 22) . ولماذا يريد السرنوك أن يتخلص من ذكرياته؟ "علي ان اتجرد من الذكريات. الذكريات جريمة. الذكريات تعطيني حبلاً لاقتل نفسي. وعلي أن اقتل الذكريات قبل أن أموت بدقيقة واحدة (ص 91).

وفي "طائر الهامة" شصية سلوى التي تسعى إلى الانتقام، لكن حبّ ابنها رياض لسعاد ابنة فؤاد السرنوك هو انقلاب على منطق العنف. وزيارة رياض لسعاد في المستشفى ليست فكرة عابرة عند الدويهي الذي يقول في كتابه "في معبد الروح": "عندما تسامحون فانتم ترتفعون إلى الله بأجساد من نور وتدوسون على الكواكب” (ص 92).

وفي ص 35 من "طائر الهامة" يناقض رياض أمه التي تريد الثأر من قاتل زوجها، فيعتبر أن الزمن كفيل بمداواة الجروح، و"ليس علينا ان نتساوى مع القاتل"... و"إذا لم نغفر خطايا البشر أصبح العالم غابة للثأر وتحول الإنسان أيضاً الى طائر مفترس.” ونسمع في مكان آخر الطبيب رياض غاضباً على الجيل الماضي الذي أشعل الحرب: “إنني أشفق على نفسي عندما أستمع إلى رجل لا يقوى على السير يحاضر في غزو الكواكب... إن الذين فاتهم القطار لا يحسنون إصلاح المحطّة، والذين ينتظرون على

حافة القبر لا يصنعون الولادة” (ص 48). وهل أبلغ من هذا الكلام في وصف جماعة من السياسيين الذين صنعوا الحرب ثم جعلوا من أنفسهم رموزاً لوطن وقيمة لإنسانه؟ هؤلاء يقول عنهم الدويهي: “لقد بالغ هؤلاء في التمثيل حتى أصبحوا شخصيات على مسرح فيضحكون من غير سبب ويُضحكون من ينظر اليهم. وقد خاضوا خروبا كثيرة وقتلوا ودمروا المنازل وأصبحوا اغنياء في غمضة عين... وحين انتهت الحرب خلعوا جلودهم وتستروا بربطات عنق فاخرة وتحولت مهمتهم من السفك والتدمير وتعليق الجثث على الأعمدة إلى تحقيق السعادة الأبدية، فاخذوا يتمثلون بأفلاطون واحفاده من الفلاسفة المثاليين في التبشير بالخير والحق وفي اصلاح العالم الذي أفسدوه وجعلوه ركاماً فوق ركام (ص 103).

ويدعو الدويهي الى تحطيم هؤلاء الرموز: “هناك مطرقة واحدة لتحطيم صروح الجهل، وعلينا أن ننزلها على آلهته القديمة، ونحظر على الناس عبادة الأوثان (ص 73).

وعندما يعرض الكاتب قصة العم سالم في "طائر الهامة" وكيف خسر ثروته والمرأة التي كان يحبها فلم يتزوج بعد ذلك، نتذكر قصّة نبيل الساعاتي الذي خسر أيضاً حبيبته بسبب الحرب وظن أنها ماتت، ثم التقيا وكان قطار الزمن قد فات. غير أن الأديب الدويهي لا ييأس، فهو يبشر بالأمل ويختم قصته بانتصار الوردة على السكين "حيث لم يعد للموت مقعد، ولا لطيور الظلام غصن في غابة. لقد عبرنا على الخيل من الليل إلى النهار، وماتت كل الكلمات الحمراء” (ص 109). إنها أنشودة للسلام وللشعوب التي تحب السلام وتكره الحروب. وإن قصة "طائر الهامة" ليست قصة عادية، ولا تصويراً لواقع، ولا مسرحاً للرمز والرموز، بل هي دعوة إلى السلام من أديب لبناني كبير يحبّ السلام ويريده أن يكون عنواناً للحياة
 

 



(Votes: 0)