الدكتور عادل عامر: إنهاء تنظيم داعش

| 01.01,15. 09:10 PM |



إنهاء تنظيم داعش




الدكتور عادل عامر




مالهم وما عليهم وتبيان توضيحي بصورة حيادية بالأدلة والبراهين قدر المستطاع

أولا : من هم تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش):

تسأل الكثير منا أمس واليوم عن "داعش" ... من هم ومتى ظهروا وما دورهم في سوريا والعراق ... وهل هو فصيل إسلامي حقا أم هو عمل مخابراتي ... أم هو فصيل إسلامي ولكنه متطرف !!!!! الكثير من الأسئلة سنجيب عليها بسرد قصة منبعهم الأصلي وتكوينهم ومشاركتهم ...

أسس أبي مصعب الزرقاوي (والذي كان قائد تنظيم "قاعدة الجهاد في بلاد الرافدين" الذي يتبع تنظيم القاعدة وولاءه لابن لادن ) جماعة التوحيد والجهاد في العراق ، وبعد ذلك جاء تأسيس مجلس شوري المحاهديين بالعراق الذي اتحد مع العشائر ونتج عنه تكوين حلف المطيبين.

وبعد مقتل "أبي مصعب الزرقاوي" في يونيو 2006 في ديالي بالعراق، ، تأسس تنظيم "الدولة الإسلامية في العراق" في أكتوبر 2006 بقيادة "أبي بكر البغدادي" وما لبث أن أعلن البيعة لأبي عمر البغدادي أمير مجلس شورى المجاهدين في العراق في ذلك الوقت والذي يتكوّن من ثمان جماعات مسلّحة تواجه أمريكا في العراق منذ بداية الغزو عام 2003 والذي كان أميره من قبل "أبو مصعب الزرقاوي. وبذلك فقد تم حل جميع الجماعات الجهادية وقتها بما فيها تنظيم القاعدة بالعراق ومجلس شورى المجاهدين وأعلن الجميع مبايعة تنظيم الدولة الإسلامية بالعراق كما أسلفنا. كما أعلن أبو حمزة المهاجر – وزير الحرب بالقاعدة مبايعة الدولة الإسلامية."

قُتل "أبو عمر البغدادي" في أبريل 2010 على يد القوات الأمريكية في العراق، ليُعلن تنظيم الدولة الإسلامية في العراق عن تولي "أبي بكر البغدادي" - أبو دعاء - إمارة التنظيم خلفًا لأبي عمر، والذي يعد أحد أبرز قادة القاعدة في العراق منذ عام 2006 وشكّل تهديدًا حقيقيًا للقوات الأمريكية بخبراته العسكرية العالية، الأمر الذي دفع أمريكا إلى محاولة اغتياله عدة مرات منذ عام 2006، إلا أنها فشلت على مدار خمسة أعوام واضطرت إلى الإعلان في عام 2011 عن مكافأة قدرها عشرة ملايين دولار لمن يقتله أو يدلي لها بمعلومات عنه، وعلى مدار فترة إمارة "أبي عمر البغدادي" كان "أبو بكر" هو القائد التنفيذي للتنظيم القائم على كافة أعمال التخطيط والتنفيذ للعمليات الميدانية في العراق مكبدًّا القوات الأمريكية والعراقية خسائر فادحة على مدار عدة سنوات، وهو ما استمر بعد خلافته لأبي عمر منذ عام 2010 حتى يوليو عام 2013 مع بدء دخوله ساحة القتال في سوريا.أبو محمد الجولاني (اسم غير حقيقي) مقاتل سابق في القاعدة شارك في القتال ضد القوات الأمريكية في العراق تحت إمرة تنظيم الدولة الإسلامية بالعراق وكان يعتبر جبهة تابعة لها ، واستمر كذلك إلى أن تم اعتقاله عام 2008 من قبل الحكومة السورية في سجن صيدنايا هو وابنه، ثم أطلقت الحكومة السورية سراحه بعد بداية الثورة في 20 يونيو عام 2011 في العفو الذي صدر عن بعض المعتقلين السياسيين فيما بقي ابنه في السجن، ليذهب فور خروجه إلى رفيقه "أبي بكر البغدادي" في العراق ليعرض عليه خطته في تأسيس "جبهة النصرة لأهل الشام" -ما تسمى اختصارًا بـ"جبهة النصرة" - وتوسيع العمليات الجهادية في سوريا، ليشجّعه على المشاركة في ساحة "الجهاد" في سوريا ضد نظام الأسد وطلب منه الدعم بالمقاتلين والسلاح، وهو ما استجاب له البغدادي ليتعاونا في تأسيس الجبهة في يناير 2012 ويتولّى الجولاني قيادتها من قوة تتراوح ما بين سبعة إلى ثمانية آلاف مقاتل، تكوّنت في بدايتها من المقاتلين الذين أرسلهم البغدادي إلى سوريا، ليكونوا نواة "الجبهة" تحت قيادة الجولاني، ثم خلال بضعة أشهر قليلة تم تطعيمها بمقاتلين سوريين جدد، ثم أضيف إليهم "المهاجرون" من مقاتلين القاعدة الذين كانوا تحت أمرة الظواهري وجزء أخر من تنظيم الدولة من عدة جنسيات مختلفة: عرب، أتراك، أوزبك، شيشانيين،وطاجيك، وقلة من الأوروبيين، ممن لهم باع طويل في الحروب ضد الجيوش النظامية في أفغانستان والشيشان، تتراوح أعمارهم من 18 إلى 50 عامًا، لتصبح الجبهة الفصيل الأقسى على النظام من حيث القدرات القتالية العالية والتسليح النوعي، وبدأت عملياتها في دمشق وحلب ثم توسّعت لتشمل أغلب الأراضي السورية، لتصبح الفصيل الأبرز على مستوى كافة الفصائل المسلحة داخل سوريا وتقود أغلب العمليات النوعية ميدانيًا.

في أبريل 2013 "أعلن أبو بكر البغدادي" قائد تنظيم الدولة الإسلامية في العراق عن دمج تنظيمه مع جبهة النصرة ليصبح "تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام" ما يطلق عليه "داعش"، هذا القرار الذي يعد البداية الحقيقية لتنظيم الدولة المشاركة في الساحة الجهادية السورية - تنظيميًا - بعد أن وجد أن هناك حاجة لقيادة العمل الجهادي، والقضاء على الأطراف التي تسيء بممارساتها إلى الجهاد والإسلام (انتهاكات بعض الفصائل لحقوق المدنيين، وعدم الالتزام الديني أو تطبيق الشريعة في المناطق المحررة) وهو ما لقي رفضًا شديدًا من الجولاني الذي أصرّ على الفصل بينهما، واعتبر الدمج يضر كثيرًا بالتنظيم وبدور الجبهة على الساحة الجهادية في سوريا، إلاّ أنه أمام إصرار البغدادي انتهى الأمر بعدم التوافق، وبدء حدوث انشقاقات في الجبهة تلاه هجرة جماعية للمقاتلين خاصة الغير سوريين من النصرة إلى "داعش"، حيث عاد الذين أرسلهم البغدادي في بداية التأسيس إلى أميرهم الحقيقي، وقد كان هؤلاء يشكّلون القوة الرئيسة المتماسكة للجبهة، نظرًا لخبراتهم القتالية العالية، وانضباطهم العالي تنظيميًا؛ وهو ما أدى إلى تراجع الجبهة كثيرًا أمام داعش وانكماش قدراتها القتالية، وتصدّع تنظيمها بعد أن وجد الجولاني نفسه محاطًا بالمقاتلين السوريين والقليل من المهاجرين، الذين انضموا حديثًا بعد تأسيس الجبهة، هذا بالإضافة إلى فقده للدعم الذي كان يتلقاه باستمرار من البغدادي، فضلاً عن أن السوريين الذين انضموا إلى جبهة النصرة بعد تأسيسها أفسدوها بخبراتهم القتالية المحدودة وضعفهم التنظيمي وسوء انضباطهم، وقد تجلّى ذلك في ممارسة بعضهم بعض أعمال الاستيلاء على المعامل والمصانع والمنشآت الاقتصادية، مما جعل الحاضنة الشعبية لجبهة النصرة تتآكل تدريجيًا لصالح تنظيم "الدولة" الذي تميّز بالنظام والانضباط الشديدين، فضلاً عن الخبرات القتالية والتسليح العاليين، الأمر الذي زاد شعبيته بعد أن أثبت قدرته على توفير الأمن للأهالي وتيسير العديد من الخدمات المعيشية لهم (الخبز والوقود). بعد فترة قصيرة بدأت تظهر الممارسات المتطرّفة لداعش على مستوى تحكّمها في المناطق المحررة الخاضعة لسيطرتها وسعيها لتطبيق الشريعة الإسلامية وفق فهمها، لتحتل منابر المساجد وتبدأ في سن بعض القوانين "الشرعية"وفرضها بالقوة على المواطنين (فرض الحجاب، منع الاختلاط، تحويل كافة الكنائس إلى مقرات لهم، وبدء تطبيق الحدود) وهو الأمر الذي كانت الجبهة تمتنع عنه بدرجة واضحة إتباعا لقاعدة (لا تطبيق للحدود في غياب الحاكم)، وعلى العكس كانت تعتبر الدولة أن ما لها من تمكين على جزء من الأرض وما لها من حاكم يوجب تطبيق الحدود ، ومع استمرار تلك الممارسات التي كانت تتطور يوما بعد يوم، ويزداد توسعها لتنتقل أيضًا إلى بعض الفصائل المسلحة، التي كانت تراها "داعش" واقعة في مخالفات شرعية حادة تقتضي التدخل الفوري لتبدأ في مواجهتها .

كانت أول مواجهات لداعش في سوريا مع الجبهة بعد أن رفض الجولاني الاندماج، لتبدأ داعش في عملية "استعادة" الدعم الذي كان البغدادي يمد به الجبهة سابقًا، فستولى على مقرات الجبهة ومخازن الأسلحة، في محاولة لتثبيت نفوذها في سوريا في أسرع وقت، في البداية سعى الجولاني جاهدًا في محاولات تفاوض مع البغدادي للتصالح والوصول لتصور يرضي الطرفان ويمنع المواجهات بينهما، حيث كان يرى أن مواجهته لداعش فتنة كبرى تشغلهم عن عدوهم الحقيقي، كما كان قلقًا من فقده لرضا التنظيم الدولي للقاعدة الذي يوفر له مظلة شرعية يحتاجها على الساحة الجهادية إذا ما أعلن الحرب على داعش التي تمثل القاعدة منذ سنوات في العراق، ولكن باءت كل محاولات الجولاني بالفشل، حتى بعد تدخّل الظواهري في محاولة للإصلاح والتي كانت في صالح الجولاني، حيث رأى الظواهري أن يعود البغدادي للعراق ويظل تنظيم الدولة الإسلامية في العراق كما هو ويترك الجبهة كما هي تقوم بمهمتها الجهادية في سوريا، وهو ما لم يستجب له البغدادي، حيث رأي أن القاعدة نفسها بما فيها الجبهة قد بايعت تنظيم الدولة فلا يحق بعد ذلك الإخلال بالبيعة ، ودخل في مواجهات شرسة مع الجبهة ، وتبدأ داعش في محاولة ابتلاع الجبهة بكل شراسة.

قبل اعتقال الجولاني عام 2008 ومنذ عام 2004 مع بداية عمله مع تنظيم الدولة الإسلامية في العراق بقيامه بإمداد التنظيم داخل العراق بالمجاهدين، كان يقوم بهذا العمل تحت أعين المخابرات السورية ومن عاصر تلك الفترة شهد أنّ كل المجاهدين التابعين لتنظيم الدولة في العراق كانوا يأتون إليها عبر سوريا مباشرة من عدة دول، لا يواجهون أية عقبات سواء في دخول الأراضي السورية أو منها إلى العراق بمساعدة الجولاني في سوريا والبغدادي في العراق وقامت الحكومة السورية بالإفراج عن الجولاني مع الاحتفاظ بابنه في يونيو عام 2011 كما ذكر من قبل بالرغم من علمها التام بتاريخه الجهادي في القاعدة، ليذهب بعد ذلك إلى "البغدادي" في العراق طالبًا الدعم العسكري لتأسيس الجبهة، كما أسفلنا.

منذ أن بدأ الخلاف بين البغدادي والجولاني تغيّرت ممارسات النظام السوري مع داعش، لتتحوّل إلى تقديم الدعم الغير مباشر لها سعيًا في تثبيتها على الساحة "الجهادية" السورية، بعد أن أصبحت طرفًا أساسيًا في قتال "النصرة" وأغلب فصائل المقاومة السورية، لتشكّل بذلك عصى غليظة لها على الثورة السورية، تمثّلت تلك الممارسات في إيقاف استهداف مواقعها العسكرية ومقرّاتها بهجمات الجيش السوري -إلا فيما ندر- فاتحًا لها المجال في عدة مناطق للحصول على الأراضي السورية، واستيلائها على عدة مخازن للسلاح التابعة للنصرة ولبعض الفصائل الأخرى بل وللجيش السوري نفسه، وذلك عبر عملياتها التي كانت تتم بمقاومة متواضعة من الجيش السوري، بل وصل الأمر إلى دعمها عسكريًا في قتالها للجبهة وحلفائها، مستخدمًا القصف الجوي لتوفير غطاء لها، ويمهّد لها الاستيلاء على مناطق محرّرة تحت سيطرة غيرها من الفصائل، حيث تستهدف داعش بالأساس مقرات الجبهة ومخازن أسلحتها (قام طيران النظام بقصف قوّات الفصائل المسيطرة على مدينة الباب في حلب والتي كانت تحاصرها قوات "داعش" في محاولة لاقتحامها والسيطرة عليها، وهو ما مهّد الطريق لها بالفعل لتنجح في ذلك) هذا بالإضافة إلى استهداف طيران النظام لقوات "جيش المجاهدين"، جبهة ثوار سورية" و"الجبهة الإسلامية" (الفصائل الرئيسية التي تواجه تنظيم الدولة) في مناطق متفرّقة في ريف حلب وإدلب، لتقويض قدراتها وإضعافها لصالح "داعش" وتكثيف استهدافه مقراتها ومواقعها العسكرية.

تلك الملابسات فسّرها البعض وفق نظرية المؤامرة الكلاسيكية بأنها ظاهرة مخابراتية بالأساس أطلقها النظام السوري والمخابرات الأمريكية (على غرار ما فعلته الحكومة العراقية والمخابرات الأمريكية في العراق مع المقاومة العراقية) ليشق "الصف الجهادي" ويثبت تهمة التطرّف على المعارضة في سوريا مما يعزّز موقفه التفاوضي خاصة قُبيل جنيف  إلّا أن إشكالية هذا التفسير أنه لا ينتبه لحقائق هامة ويختزل "داعش" في بعض الممارسات ويجعلها مجرّد "أداة" يستخدمها النظام السوري في ترجيح كفّته ودعم موقفه السياسي والعسكري، وهو ما يدفع بعيدًا نحو تجاهل جذور المشكلة الحقيقية حتى يمكّن من بناء استراتيجيات متماسكة واضحة في مواجهته، كما أن هناك عدة شواهد تُضعف فرص هذه الرؤية أهمها: ما حدث في العراق بين تنظيم الدولة والمخابرات الأمريكية ، والتوسع التنظيمي لداعش من خلال سعيها لضم بعض الحركات الجهادية في المنطقة لتعزيز موقفها ، فضلاً عن أن جبهة النصرة كانت ستكون الأحق بإلقاء تهمة كهذه على "داعش" بالتأكيد، وهو لم تشر إليها بأي طريقة مطلقًا، حيث عاصرت تمامًا تاريخ تنظيم الدولة منذ نشأته وحتى تحولها تنظيميًا إلى داعش، تعلم جيدا ظروف النشأة والتكوين لها وطبيعة موقفها من النظام السوري وأمريكا، هذا بجانب الاهتمام الذي حظي به هذا الانقسام من القيادة العليا للقاعدة متمثّلة في "أيمن الظواهري" الذي حاول عدة مرات حل الخلاف بين داعش والجبهة، وهو ما انتهى إلى تصوّر يصب في مصلحة النصرة وهو ما رفضته داعش تمامًا وأصرّت على مواقفها، وقد تدخّل الظواهري لإدراكه مدى خطورة مثل هذا الانشقاق.

بالتأكيد لا يمكن إنكار حجم استفادة النظام السوري من ظهور داعش وسعيه لاستغلال هذا الوضع لصالحه بما يشوّه الثورة السورية ويُضعف كثيرًا الموقف التفاوضي للمعارضة، وقبل ذلك يقوّض الإنجازات العسكرية لها ميدانيًا، إلّا أنه لم يتّبع الطريقة المخابراتية الكلاسيكية على غرار نشأة "الصحوات" السنيّة في العراق، بل اتبع سياسة مغايرة تمامًا وهى سياسة التحكّم وليس الامتلاك أو السيطرة، التحكّم في توجيه "الأهداف والطموح" لدى البغدادي والتركيز على المساحات المشتركة في الأهداف بغض النظر عن الدوافع والأسباب، وعمل على تحقيق ذلك عبر التحكم في معادلتين رئيسيتين هما: معادلة التسليح، والنفوذ على الأرض، وقد نجح حتى الآن إلى حد كبير في توجيه الصراع بما يضمن تكبيد الجميع أكبر قدر من الخسائر، ليُلحق ضررًا بالغًا بكافة مسارات القضية: الحراك الثوري، العملية السياسية، والعمل العسكري، بل أصاب الثورة بالفعل بوصمة التطرّف وأصاب أغلب الفصائل المسلّحة في مقتل بالدفع بها في صراعٍ شرس للغاية يستنزف مواردها ويوقف تقدّمها.

يمتلك النظام السوري خبرة عالية في التعامل مع الجماعات الجهادية على غرار "داعش" وجبهة النصرة، تلك الخبرة التي اكتسبها مؤخّرًا منذ بداية غزو العراق وما بعده، وشارك تنفيذيًا في إحياء ودعم عدد من تلك الجماعات، ،.تكرار سيناريو العراق.

يوجد تشابه كبير بين طبيعة صراع "داعش" مع الفصائل الأخرى - وعلى رأسها النصرة - وبين صراعها السابق في العراق مع العديد من فصائل المقاومة العراقية، على مدار عامين كاملين منذ نهاية عام 2006 وحتى نهاية 2008، دارت رحى المواجهات بين تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والذي كان يقوده آنذاك "أبو عمر البغدادي" - كما ذُكر سالفا - وبين عشائر الأنبار، مثل: الجيش الإسلامي في العراق، حماس العراق، جماعة أنصار السنة، كتائب ثورة العشرين، جيش الراشدين، وغيره من فصائل "الجبهة الإسلامية للمقاومة العراقية" بالإضافة إلى أجنحة "الإخوان المسلمين.

اشتعلت تلك المواجهات بسبب إفراط تنظيم الدولة الإسلامية تعمّد استهداف المتطوعين في الجيش العراقي والشرطة العراقية، واستهداف أي فصيل يتعاون مع الحكومة العراقية على أي مستوى واتهامه بالعمالة والخيانة، الأمر الذي دفع "ابن لادن" في ذلك الوقت إلى التدخّل ومطالبة "البغدادي" بالتراجع عن مثل تلك الممارسات ونبذ التعصب والتطرف وهو ما فعله "الظواهري" أيضًا، إلّا أن ذلك لم يلق صدى لدى البغدادي الذي استمر في ممارساته لرؤيته في ضرورة القضاء على الخونة.

كان هذا الصراع على أعين القوات الأمريكية، التي وجدت استفادة كبيرة من تأجيج الصراع بين تنظيم الدولة التي كانت ترى فيه خطرًا وتهديدًا حقيقيًا عليها وبين باقي فصائل المقاومة، التي أيضًا كانت تُكبّد القوات الأمريكية خسائر فادحة، ورأت أن استمرار هذا الصراع يحقق لها عدة مكاسب أهمها:أنه يخفف وطأة المواجهات عليها، ويحد من الخسائر التي تلقاها على أيدي تنظيم الدولة والمقاومة العراقية، بما يعطيها متنفسًا لإعادة تنظيم صفوفها.

وضرب المقاومة العراقية في مقتل بتثبيت تهمة التطرف عليها، وتفتيت المقاومة باستنزافها في صراع داخلي يبعدها عن مهمتها الأساسية في مواجهة القوات الأمريكية. ولم تكتفِ المخابرات بالمشاهدة فقط بل قرّرت التدخّل في هذا الصراع بما يضمن استمراره حتى يتحقق لها مرادها، فقامت بتطعيم الطرف الذي يواجه تنظيم الدولة بقوات "الصحوات" وهي مجموعات مسلحة - منها بعض البعثين - كانت تقاتل مع القاعدة ومع فصائل المقاومة الأخرى منذ بداية الغزو وليس لها انتماءات أيديولوجية أو تنظيمية متماسكة محددة، وقد نجحت المخابرات الأمريكية في استقطابهم عبر دفع "السلطة العراقية" إلى دعوتهم إلى "مصالحة وطنية" بموجبها تسقط عنهم كافة التهم وتقدم لهم دعمًا يصل إلى دمجهم في القوات العراقية ليكونوا جزءًا من مستقبل العراق، وهو ما قاومته بعض الأجنحة داخل الحكومة العراقية في ذلك الوقت إلا أن المخابرات الأمريكية فرضت ذلك عليها وبدأت في تقديم دعمها لتلك الصحوات، والذي وصل إلى 200 مليون دولار شهريًا، لتبلغ قواتها مائة ألف مقاتل في أواخر عام 2008، كل ذلك في مقابل محاربة تنظيم الدولة وحلفائه (الفصائل الجهادية التابعة للقاعدة فى بلاد الرافدين والتي بايعت البغدادي أميرًا لها)، لتصبح "الصحوات" أكبر اختراق حقيقي للمقاومة العراقية، في ذلك الوقت.

 وها هي الأيام تمر لتدور الدائرة مرة أخرى على تنظيم الدولة بنفس الأسباب الرئيسة، الصراع الذي لا يصب سوى في مصلحة النظام السوري، الذي يجد في استمراره مكسبًا حقيقيًا له، وهو الأمر الذي دفعه إلى التدخل الغير مباشر فيه لمحاولة ضمان استمراره بين داعش والنصرة وحلفائها أطول فترة ممكنة، هذا التدخل الذي لم يتّبع فيه النظام السوري أو المخابرات الأمريكية ذات السياسة الكلاسيكية - كما ذكر سالفا -، وهو ما يحقق لها ذات الأهداف وبكُلفة أقل بكثير عن كلفته في العراق، لذلك يجب التعامل مع أطراف الصراع في سوريا بواقعية وإدراك أن هناك تنظيمات "مستقلة" لها طموح حقيقي واضح في المنطقة وتسعى لتحقيقه بكل ما تمتلك من قدرة، وكون هناك تقاطع في الأهداف والمكاسب فهذا لا يبرر مطلقًا اختزال الصراع في نظرية مؤامرة بحتة بأيدي النظام السوري أو المخابرات الأمريكية.

وبذلك يتضح أن "داعش " ليس بنشأته ولا بتوجه الفصائل المتعارضة معه يعتبر فصيل خائن أو مخابراتي الصنع ، ولكنه لا يزال يتمتع بكثير من الخطورة إذا أستلم زمام الأمور لما يتمتع به من تطرف في وجهة نظر البعض..ولكن في النهاية وصل التخويف بداعش حده الأقصى وإذا كان لبشار السبق في طرح القضية أو ممارسة تلك اللعبة على دول الإقليم ، فقد وسعها المالكي ودفع بها دفعا لتصبح في ذروتها ، إذ خوف المالكي كل دول الجوار والعالم بأن خطر داعش يتخطى حدود العراق وسوريا ودول الإقليم ويصل حد العالمية .

وقد نشرت مؤخرا أحد الخرائط التي قيل أنها ترسم خريطة الدولة الإسلامية التي يسعى لإقامتها المقاتلون وتشمل دول في الخليج وذكرت بعض الأخبار أن الأمر احدث تقاربا من بعض الدول التي وردت داخل الخريطة والحكم الراهن في العراق ، وطرحت مسألة التنسيق بين أحد أو بعض دول الخليج والحكم الراهن في العراق في مواجهة داعش، وهو ما يأتي في ظل حالة الانهيار لجيش العراق بما يفتح له أفق غير منظور أو متوقع للنفاذ مما يواجه.

 ولا تزال الدعاية تتوسع محاولة استبدال خطر تنظيم القاعدة المنزوي بتنظيم داعش المتوسع خطره إعلاميا.حالة التضخيم في داعش تبدو حالة تخويفية ولعبة سياسية وإعلامية هدفها صناعة عدو وإعادة ترتيب التحالفات في الإقليم وفقا لحالة عداء مستحدثة وربما مصطنعة.

ثانيا : هل تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) خوارج:

لفظ ( الخوارج ) قد شاع استخدامه في الآونة الأخيرة كثيرًا، حتى تساهل البعض في وسم المخالفين له به دون تدقيق أو تحقيق لما يصدق عليه هذا اللفظ، حتى رأينا من يتهم غيره بأنه خوارج، في الوقت الذي يُتهم هو نفسه بهذا الاتهام!!وربما سمعنا أيضًا من يردد أن الدولة الإسلامية أو ما عرف إعلاميًا بـ (داعش) تعد دولة خوارج، وقد دارت في ذلك مناقشات وحوارات كثيرة بين مؤيد ومعارض لذلك.فهل تنظيم الدولة الإسلامية خوارج حقًا؟

 للإجابة على هذا السؤال ينبغي أن نعلم المقصود أولاً بالخوارج من الناحية الاصطلاحية.إن الخوارج إحدى الفرق البدعية المعروفة التي نشأت نشأة مبكرة في عهد صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولها أصول ومعتقدات معلومة تميزت بها كقولهم أن الإيمان شيء واحد لا يتركب ولا يتجزأ، وأنه إذا ذهب بعضه ذهب جميعه، وتفرع عن ذلك تكفيرهم لمرتكب الكبيرة وقولهم بخلوده في النار، كما قالوا بوجوب الخروج على الأئمة الظلمة وقتالهم، وأن الإمامة جائزة في غير قريش، وأنكروا حجية السنة (انظر: الملل والنحل 1/105، والمغرب 1/194 ، الفصل 2/113، ومجموع الفتاوى 3/355).

وأبرز ما تميز به فكر الخوارج تكفيرهم لمرتكب الكبيرة وقولهم بخلوده في النار من جهة، وتساهلهم في اتهام البعض بارتكاب الكبائر من جهة أخرى، حتى أنهم قالوا بكفر بعض الصحابة ممن تواتر فضلهم كعثمان وعلي وطلحة والزبير رضي الله عنهم؛ لأنهم توهموا أنهم من أصحاب الكبائر!وفرقة الخوارج لم يعد لها وجود سياسي إلا في بعض فرقها كالإباضية التي تنتشر في سلطنة عمان وجنوب ليبيا، وبعض مناطق المغرب العربي، كما تمثل جماعات التكفير امتدادًا لبعض أصولها كالجماعات التي انتشرت تحت مسميات التكفير والهجرة، والناجون من النار، والتوقف والتبين، والشوقيين وغيرها.فهل تعد جماعة الدولة الإسلامية التي اشتهرت إعلاميًا تحت اسم (داعش) من الخوارج بهذا المعنى؟إن كثيرًا من البيانات والتصريحات الصادرة عن قيادات الدولة تنفي تمامًا كونهم من الخوارج أو يتبنون فكرهم، وينفون أنهم يكفّرون أحدًا بالكبيرة، أو أنهم ينكرون شرط قرشية الإمام، أو ينكرون حجية السنة، كما أنهم يعلنون ولاءهم وحبهم لصحابة النبي صلى الله عليه وسلم ولا يكفرون أحدًا منهم، بالإضافة إلى أنهم لا يتبنون كتب الخوارج في الأصول أو الفروع، بل يعلنون البراءة من الخوارج ومعتقداتهم، ويعدون اتهامهم باعتناق فكر الخوارج اعتداء وتجاوز وظلم لهم، في الوقت الذي يعلنون فيه انتماءهم لأهل السنة والجماعة، ويرجعون في الجملة لكتب أئمة السنة ومصنفاتهم في الأصول والفروع.فهل يعد هذا كافيًا لنفي التهمة عنهم؟قبل أن نجيب على هذا السؤال ينبغي أن نشير في المقابل إلى أن المخالفين للدولة ممن يتهمونها باعتناق مذهب الخوارج قد بنوا هذا الاتهام على مشاهدات وتجارب ووقائع ثبت فيها تسارع بعض أفراد الدولة في اتهام غيرهم بالردة والكفر الأكبر والخروج من الملة، ثم أقاموا على هذا الحكم أحكامًا في استحلال دمائهم وأموالهم والوقوع في أعراضهم طعنًا واتهامًا.فهل هذا يجعلهم من الخوارج؟حتى أكون منصفًا أقول أن المعنى الاصطلاحي للخوارج لا يصدق على تنظيم الدولة الإسلامية؛ لأنهم كما أسلفنا لا يتبنون أصولهم، ولا يدينون بمعتقداتهم؛ بل إنهم يفارقونهم في أشهر أصولهم، ويعلنون البراءة منهم، ويعلنون ولاءهم لمذهب أهل السنة والجماعة، يرجعون لأصولهم ويتبعون أئمتهم في الجملة.

لكن هذا لا ينفي في المقابل وجود غلو لدى بعض أفراد الدولة - وربما قياداتهم وشيوخهم أيضًا - في تكفير المسلمين، وتساهل في إطلاق ألفاظ الردة، والحكم بالتالي بجواز قتالهم واستباحة دمائهم وأموالهم، وهذا مخالف لمنهج علماء أهل السنة وطريقة السلف الصالح رحمهم الله. فحقيقية الخلاف في الغالب لا تقع في أصول المسائل أو ما يمكن تسميته بوصف الفعل، فكثيرًا ما يقع الاتفاق في أصول المسائل، ولا يُختلف على وصف بعض الأفعال بالكفر، كالحكم بشرائع الطواغيت، والرضا بالمذاهب الكفرية الشركية، وموالاة الكافرين على المسلمين في حربهم للدين.

لكن يبقى الخلاف في حكم الفاعل لا حكم الفعل، وأعني بذلك الحكم على المعين بوصف الكفر، بما يقتضيه من توافر الشروط وانتفاء الموانع من جهل وتأول وإكراه وخطأ ونحوها.وهذه النقطة هي التي وقع فيها الخلل والشطط والغلو عند بعض أفراد الدولة ففارقوا طريقة أئمة أهل السنة ومنهجهم في الحكم على المعينين وفق الضوابط والقواعد الشرعية.

ويمكننا أن نعزو هذا الغلو في التكفير والتساهل في الحكم بالردة إلى أسباب أبرزها عدم وجود ارتباط وثيق بين مجاهدي الدولة من جهة وبين المقدمين من أهل العلم من جهة أخرى، وقد أدى وجود هذه الفجوة إلى خروج جملة من المواقف والتصرفات التي تفتقد إلى عمق علمي وتأصيل شرعي، حيث إن مسائل الحكم على المعين، وتحقيق مناط الأحكام، وإقامة الحجة من الأمور التي لا ينبغي أن يرجع الأمر فيها لآحاد طلاب العلم، وإنما للراسخين في العلم من العلماء العاملين وفق الضوابط والقواعد الشرعية.

 لذلك فإن أول طريق الإصلاح أن نوجد تقاربًا حقيقيًا مثمرًا بين العلماء والمجاهدين، وهذا يحتاج إلى تحرك ومبادرات من الطرفين، وربما إلى قدر من التنازل والتواضع الذي يؤدي إلى المودة والتراحم والانسجام.

ونخلص من ذلك إلى أنه لا يصح وصف أن الدولة الإسلامية (داعش) بكونهم خوارج بإطلاق إلا إن قُصِد بذلك غير المعنى الاصطلاحي وعندها يجب بيان المعنى المقصود.

لكن العدل والإنصاف أن نبين في ذات الوقت أن بعض أفراد الدولة قد خالفوا طريقة أهل السنة والسلف الصالح بغلوهم، وتساهلهم في تكفير الآخرين والحكم على أعيانهم بالردة والخروج من الملة دون مراعاة الضوابط والقواعد الشرعية في الحكم على المعين. وأخيرًا أسأل الله أن يشرح قلوبنا وقلوب إخواننا للحق، وأن يهدينا لما اختلف فيه بإذنه، وأن يجعل لنا فرقانًا، وأن يرزقنا العدل والإنصاف والقسط.

ثالثا : هل تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) تنظيم مخابراتي :

كما أسلفنا فإن ربط تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) بأنهم تنظيم مخابراتي لم تقم عليه الحجة والدليل مطلقا ، بل لم يقل به من كان على مقربة منهم ومن نشأتهم وهم الآن خصومه (جبهة النصرة وتنظيم القاعدة)، ونرى أن هناك فرق بين أن تتطابق أهداف نظم عميلة وأنظمة أمريكية أو أوروبية مع أهداف داعش في النتيجة التي قد نراها في بث الفرقة والصراع بينها وبين باقي فصائل المقاومة ، وفرق في إثبات شبهة العمالة لمخابرات أمريكية مثلا ، فكما نعلم ان تنظيم القاعدة نفسه بقيادة مؤسسه الشيخ أسامة بن لادن رحمه الله ، قد قيل عنه نفس الكلام دون دليل وتم ربط ذلك بنفس الشبهة الزائفة في تطابق الأهداف إبان الصراع  الروسي في أفغانستان .

فهنا نفرق بين أن تكون النظام السوري نفسه أو المخابرات الأمريكية تستفيد من هذا الصراع فتعطي المساحة لتحرك تنظيم معادي للفصائل ظنا منها أنها تصل إلى أهدافها بالقضاء على الثورة نفسها ، وهو ما اثبت فشله من قبل بتوسع تنظيم القاعدة بعد الصراع الأفغاني وتشكيل خطرا مباشرا على النظام الأمريكي وقتها ، وهو ما قد يتكرر بصورة أكبر الآن في تشكيل نفس الخطر على النظام السوري وما نراه في العراق اكبر دليل على التدخل الأمريكي هناك لحماية مصالحها وكذلك تدخل النظم الشيعية  والمتمثلة في إيران .

من أين جاء الخلاف :

لنعلم تحديدا من أين جاء الخلاف لابد ان نوضح النقط التالية ولكن لنحدد الآن النقط الثابتة:

 أ‌- إعلان الشيخ الظواهري بوضوح انه لا يوجد قاعدة في العراق وإنها اندمجت في الدولة الإسلامية اندماج كامل وبايعتها بيعة كاملة

ب‌- تنظيم القاعدة ليس دولة وليس له مكان ثابت ولكن الظواهري يعلن بوضوح بالخلافة في دولة العراق ويقر بها كدولة

هل تنتمي دولة إلى تنظيم أم ينتمي تنظيم إلى دولة؟

مما سبق نستطيع ان نحدد ان إقرار الظواهري بحل الدولة وهو كتنظيم قاعدة ليس بدولة إقرار باطل أراد به فقط رأب الصدع ونبذ الخلاف الذي اشتد بين الدولة الإسلامية وجبهة النصرة   لماذا يصر تنظيم الدولة في كل من العراق و الشام علي تفتيت الصف الجهادي رغم إدراكه تطابق هذا الهدف مع أهداف العدو الرئيسي (أمريكا و الأنظمة العميلة) ،،، بما يحقق إضعافا للمقاومة ضد العدو الرئيسي!!

من وجهة نظر الدولة الإسلامية في العراق والشام  هم يرون الأتي :

1- ليسوا هم من يفتتون الصف الجهادي بل غيرهم هم من يقوم بهذا فهم قد أعلنوا الدولة والخلافة وهي ان لم تكن خلافة على منهاج النبوة للبعض فقد تكون خلافة الحاكم المتغلب وبذلك هم من خرجوا عن نطاق التبعية وخاصة جبهة النصرة التي يرون هم أنها كانت تابعة لهم بشكل مباشر في العراق وهم من قاموا بإنشائها في سوريا عن طريق السماح لهم أولا ثم إمدادهم بالمجاهدين ثم إمدادهم بالسلاح.

2- هم يروون ان الجبهات الأخرى مخترقة من الصحوات ومن إتباع النظام السوري.

3- لهم منطق خاص وقد يكون صحيحا ان عقيدة الجهاد يجب ان يتم قبلها عقيدة كاملة لا يشوبها شائبة وهم يروون ان الآخرين يشوبهم عيوب كثيرة تخرج البعض خارج الإسلام وخاصة من يكفرونهم .. فهم بالطبع يروا أنفسهم مسلمين وبالتالي من يكفرونهم ويقاتلونهم يصبحوا هم أيضا مرتدين.

وإن لم يصل إلى هذا مع بعض الفصائل الأخرى  ولكنهم يرون أن البعض الآخر يسيء بممارساته إلى الجهاد والإسلام (انتهاكات بعض الفصائل لحقوق المدنيين، وعدم الالتزام الديني أو تطبيق الشريعة في المناطق المحررة)

رابعا : مآخذ على تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام :

أ‌- إعلان الخلافة والبيعة عكس أراء فقهية كثيرة ترى عدم أحقيتهم في ذلك : رغم اختلاف العديد من العلماء مع إعلان الخلافة والبيعة ،  الا أن هذا الإعلان  يستند  على آراء فقهية واجتهادات نرى انه من الإنصاف ان يتم دراستها حتى وان اختلفنا معها ، والرد عليهم بطرق شرعية مثيلة.

ب‌- عدم ارتضائهم بالتحاكم في الخلافات بينهم وبين فصائل المقاومة في سوريا :

 رفضت الدولة الإسلامية القبول بالتحاكم في الخلافات بينها وبين الفصائل الأخرى ، على الرغم من تقديم عديد من مبادرات التحكيم وكان السبب الرئيسي هو اشتراطها على ان يعلن الخصم بداية رأيه في مواضيع كفرية في وجهة نظرها مثل الديمقراطية وتعاملهم مع الأنظمة العالمية العميلة كمجلس الأمن وغيرها ، فإن أقرت الخصوم بتراجعهم عن هذه الكفريات رضيت بالتحاكم معهم وإلا فأنهم يرون ان الخصم هنا لا يخضع لمعايير شرعية.

 وحقيقة لا نرى في هذه الجزئية خاصة الا ان التشدد في فرض الآراء على عدم قبول التحكيم هو ما يظهر بوضوح ، وإلا فكان يجب على الدولة الإسلامية ان ترجع كل هذه الشروط ليقر بها القاضي الذي يفصل في النزاع القائم .

إنهاء تنظيم داعش

وكان زعيم تنظيم “القاعدة” أيمن الظواهري، أعلن مؤخراً ان الاختلاف بينهم وبين “تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش)، اختلاف منهجي وليس شكلي، متهماً “داعش” بـ”إتباع هواها، والتهاون في دماء المسلمين”. الارتباك الذي بدا عليه تنظيم "بيت المقدس"، كشف عن حقيقتين مهمتين. الأولى، أنه وأمثاله، من نوعية "أجناد مصر" ستار تستخدمه جماعة الإخوان، في معركتها مع الدولة، وأثبت أيضا أنه غير بعيد عن بعض أجهزة المخابرات العالمية، التي تحرك هؤلاء جميعا لخدمة أغراضها البغيضة. والثانية، أن أجهزة الأمن تمكنت من اصطياد عدد كبير من قيادات وكوادر هذا التنظيم، وهو ما أظهره مرتبكا ومترنحا، ولا يستطيع اتخاذ القرار الصحيح. فالمبايعة والتراجع كشفتا عن حجم الاهتزاز، الذي أصاب هياكله الداخلية، وأن الضربات الأمنية التي تعرض لها كانت مفجعة، عكس ما يحاول توصيله للناس. في المقابل، لا يدقق البعض في تصوراتهم وتصريحاتهم. ففور صدور بيان المبايعة، نفى عبدالفتاح حرحور محافظ شمال سيناء، وجود "داعش"، أو أي أثر لكوادره في سيناء، بينما كانت أجهزة الأمن قبل يومين أعلنت عن كشف خلايا إرهابية، بينها منتمون لهذا التنظيم. ربما يكون السيد المحافظ محقا، لأن المسألة اتخذت شكل "فوبيا" لدى البعض، وأراد أن يطمئن الناس باستقرار الأمور، وأنها تحت السيطرة. كما أن ظهور عنصر أو اثنين أو حتى عشرة، لا يعني إطلاقا أن "داعش" بدأ ينشط في مصر، وتمكن من الوصول إليها. المشكلة الحقيقية، أن من ينفون أو يؤكدون وصول فلول "داعش"، تحكمهم حسابات سياسية أكثر منها أمنية، وجرى توظيف بياني "بيت المقدس"، لجهة المبايعة أو نفيها، لهذا الهدف. لذلك من الواجب أن يتم وضع النقاط على وأسفل الحروف، بلا مبالغة أو تهوين. وإذا كانت المبايعة وسحبها لعنة على "بيت المقدس" وحلفائه، ولغما كاد أن ينفجر في وجوههم، نتمنى أن تكون جرس إنذار لمن يهمهم الأمر، حتى لا نفاجأ بظهور شبح يزعم أنه يحمل توكيل "داعش" في مصر. تباينت آراء عدد من قيادات الإسلام السياسي حول الرسالة التحريضية التي أطلقها اليوم الاثنين، محمد العدناني المتحدث باسم الدولة الإسلامية في العراق والشام " داعش"، للإرهابيين في سيناء لتكثيف عملياتهم ضد الجيش المصري، ففي الوقت الذي يرى فيه البعض أنها رسالة مغازلة من أجل الحصول على البيعة، يرى البعض الآخر أنها رسالة موجهة للجيش المصري بأنه في حال المشاركة في تحالف الحرب على داعش، سيقابلها بأعمال إرهابية ضد عناصر الجيش داخل مصر.

 أن هناك أسباب من شأنها أن تدفع " أنصار بيت المقدس" للتخلص من بيعتها للظواهري، ومبايعة البغدادي، يأتي في صدارتها حالة الضعف والارتباك، التي أصابت تنظيم القاعدة، بسبب الضربات المتلاحقة لقوات الجيش، وتصفية والقبض على عدد كبير من أعضاء التنظيم، في ظل قلة الدعم المرسل من الظواهري للتنظيم ، أما مبايعتهم للبغدادي، سوف تساهم في دعمهم مادياً ومعنوياً، بل وربما يصل إلى دعمهم بالسلاح والعناصر الإرهابية، فمبايعة " أنصار بيت المقدس " للبغدادي تمثل خطورة بالغة على أمن مصر. تحاول قوات الأمن العراقية أن تثبت موطئ قدم لها في تلعفر غرب الموصل لتكون بذلك أقرب بكثير من جهة الغرب، في حين تستمر قوات البيشمركة الكردية بالتقدم في سنجار غرب الموصل، حيث لم يبق أمامها للسيطرة على كامل القضاء سوى تنظيف بعض الجيوب التي يحتمي فيها عناصر من تنظيم داعش المتطرف. يأتي هذا في وقت أفادت فيه أنباء باستمرار هروب عناصر داعش إلى سوريا وإلى عمق الموصل. كما يعيش عناصر التنظيم حالة من الارتباك بعد مقتل نائب البغدادي واثنين من مساعديه، إضافة إلى كثرة الضغط العسكري المتواصل والخسائر التي تعرض لها في أكثر من مدينة عراقية. منذ أن بدأ الخلاف بين البغدادي والجولاني تغيّرت ممارسات النظام السوري مع داعش، لتتحوّل إلى تقديم الدعم الغير مباشر لها سعيًا في تثبيتها على الساحة "الجهادية" السورية،

بعد أن أصبحت طرفًا أساسيًا في قتال "النصرة" وأغلب فصائل المقاومة السورية، لتشكّل بذلك عصى غليظة لها على الثورة السورية، تمثّلت تلك الممارسات فى إيقاف استهداف مواقعها العسكرية ومقرّاتها بهجمات الجيش السورى -إلا فيما ندر- فاتحًا لها المجال في عدة مناطق للحصول على الأراضي السورية، واستيلائها على عدة مخازن للسلاح التابعة للنصرة ولبعض الفصائل الأخرى بل وللجيش السورى نفسه، وذلك عبر عملياتها التى كانت تتم بمقاومة متواضعة من الجيش السوري، بل وصل الأمر إلى دعمها عسكريًا في قتالها للجبهة وحلفائها، مستخدمًا القصف الجوي لتوفير غطاء لها، ويمهّد لها الاستيلاء على مناطق محرّرة تحت سيطرة غيرها من الفصائل، حيث تستهدف داعش بالأساس مقرات الجبهة ومخازن أسلحتها (قام طيران النظام مؤخّرًا بقصف قوّات الفصائل المسيطرة على مدينة الباب في حلب والتي كانت تحاصرها قوات "داعش" في محاولة لاقتحامها والسيطرة عليها، وهو ما مهّد الطريق لها بالفعل لتنجح فى ذلك) هذا بالإضافة إلى استهداف طيران النظام لقوات "جيش المجاهدين"، جبهة ثوار سورية" و"الجبهة الإسلامية"

(الفصائل الرئيسية التي تواجه تنظيم الدولة) في مناطق متفرّقة في ريف حلب وإدلب، لتقويض قدراتها وإضعافها لصالح "داعش" وتكثيف استهدافه مقراتها ومواقعها العسكرية.تلك الملابسات فسّرها البعض وفق نظرية المؤامرة الكلاسيكية بأنها ظاهرة مخابراتية بالأساس أطلقها النظام السوري والمخابرات الأمريكية (على غرار ما فعلته الحكومة العراقية والمخابرات الأمريكية في العراق مع المقاومة العراقية) ليشق "الصف الجهادي" ويثبت تهمة التطرّف على المعارضة في سوريا مما يعزّز موقفه التفاوضي خاصة قُبيل جنيف 2، إلّا أن إشكالية هذا التفسير أنه لا ينتبه لحقائق هامة ويختزل "داعش" في بعض الممارسات ويجعلها مجرّد "أداة" يستخدمها النظام السوري فى ترجيح كفّته ودعم موقفه السياسي والعسكري، وهو ما يدفع بعيدًا نحو تجاهل جذور المشكلة الحقيقية حتى يمكّن من بناء استراتيجيات متماسكة واضحة فى مواجهته، كما أن هناك عدة شواهد تُضعف فرص هذه الرؤية أهمها:

 ما حدث فى العراق بين تنظيم الدولة والمخابرات الأمريكية ، والتوسع التنظيمي لداعش من خلال سعيها لضم بعض الحركات الجهادية في المنطقة لتعزيز موقفها ، فضلاً عن أن جبهة النصرة كانت ستكون الأحق بإلقاء تهمة كهذه على "داعش" بالتأكيد، وهو لم تشر إليها بأي طريقة مطلقًا، حيث عاصرت تمامًا تاريخ تنظيم الدولة منذ نشأته وحتى تحولها تنظيميًا إلى داعش، تعلم جيدا ظروف النشأة والتكوين لها وطبيعة موقفها من النظام السوري وأمريكا، هذا بجانب الاهتمام الذي حظى به هذا الانقسام من القيادة العليا للقاعدة متمثّلة في "أيمن الظواهري" الذي حاول عدة مرات حل الخلاف بين داعش والجبهة، وهو ما انتهى إلى تصوّر يصب في مصلحة النصرة وهو ما رفضته داعش تمامًا وأصرّت على مواقفها، وقد تدخّل الظواهري لإدراكه مدى خطورة مثل هذا الانشقاق.

بالتأكيد لا يمكن إنكار حجم استفادة النظام السوري من ظهور داعش وسعيه لاستغلال هذا الوضع لصالحه بما يشوّه الثورة السورية ويُضعف كثيرًا الموقف التفاوضي للمعارضة، وقبل ذلك يقوّض الإنجازات العسكرية لها ميدانيًا، إلّا أنه لم يتّبع الطريقة المخابراتية الكلاسيكية على غرار نشأة "الصحوات" السنيّة في العراق، بل اتبع سياسة مغايرة تمامًا وهى سياسة التحكّم وليس الامتلاك أو السيطرة، التحكّم فى توجيه "الأهداف والطموح" لدى البغدادي والتركيز على المساحات المشتركة في الأهداف بغض النظر عن الدوافع والأسباب، وعمل على تحقيق ذلك عبر التحكم في معادلتين رئيسيتين هما: معادلة التسليح، والنفوذ على الأرض، وقد نجح حتى الآن إلى حد كبير في توجيه الصراع بما يضمن تكبيد الجميع أكبر قدر من الخسائر، ليُلحق ضررًا بالغًا بكافة مسارات القضية: الحراك الثوري، العملية السياسية، والعمل العسكري، بل أصاب الثورة بالفعل بوصمة التطرّف وأصاب أغلب الفصائل المسلّحة في مقتل بالدفع بها في صراعٍ شرس للغاية يستنزف مواردها ويوقف تقدّمها. يمتلك النظام السوري خبرة عالية في التعامل مع الجماعات الجهادية على غرار "داعش" وجبهة النصرة، تلك الخبرة التي اكتسبها مؤخّرًا منذ بداية غزو العراق وما بعده، وشارك تنفيذيًا فى إحياء ودعم عدد من تلك الجماعات، ،.تكرار سيناريو العراق.


كاتب المقال
دكتور في الحقوق و خبيرفي القانون العام

ومدير مركز المصريين للدراسات السياسية والقانونية والاقتصادية

 عضو  والخبير بالمعهد العربي الاوروبي للدراسات الاستراتيجية والسياسية بجامعة الدول العربية


محمول
01002884967
01224121902



(Votes: 0)

Other News

د.عادل محمد عايش الأسطل: حكومة الوفاق بين الأوامر والنواهي ! د.ابراهيم حمامي: أهداف رام الله من زيارة جماعة الحمد الله العلامة الحسيني :إحتفالات رأس السنة محاسبة النفس ام إطلاق عنانها ستراون استيفنسون: يجب علينا أن نحارب داعش في العراق - ولكن ليس بمساعدة من قوات إيران الخبيثة والمرتزقة الدكتور عادل عامر: أهم الأحداث الاقتصادية التي وقعت في مصر 2014 بقلم د. مصطفى يوسف اللداوي: اللغة العبرية في الشوارع العربية هل يكفي لكي تكون مسلماً أن.... العلامة الحسيني: نظام ولاية الفقيه وحرب المقدسات! د.عادل محمد عايش الأسطل: حماس: الرحيل إلى إيران الدكتور عادل عامر: أهم الأحداث السياسية التي وقعت في مصر 2014 والأحداث المتوقعة العام القادم محـمد شـوارب: مصر تحسُّن حالتها وتحوُّل مكانتها العلامة الحسيني: ملاحظات حول إحتفالات أعياد رأس السنة الميلادية الدكتور عادل عامر: مصر عادت إلي خريطة العالم السياسية والاقتصادية العلامة الحسيني: نرفض سب الصحابة و نؤکد على عدم جواز المس بأمهات المؤمنين و جعل وحدة الامة الاسلامية فوق کل إعتبار آخر د.مصطفى يوسف اللداوي: رحلات طيران سرية بين تل أبيب وعواصم عربية د.حسن طوالبه: ملالي ايران توسع امبراطوري د.عادل محمد عايش الأسطل: المسيحيون يمنعون كسر القواعد ! د.إبراهيم حمّامي: الشباب والثورة المضادة فلاح هادي الجنابي: ملف إنهاء الاستبداد الديني في إيران د.مصطفى يوسف اللداوي: البكاؤون على أسواق النفط الدكتور عادل عامر: معاونو الأمن في ظل القانون د. موفق مصطفى السباعي :ماذا لو كانت الثورة السورية .. ثورة شعبية عارمة ؟؟؟!!! العلامة الحسيني: ولادة السيد المسيح (ع) كانت الخلاص والفرج للمستضعفين يجب الحفاظ على التعايش الاسلامي اليهودي المسيحي د.عادل محمد عايش الأسطل: شوكة دحلان ! الدكتور عادل عامر: المعايير الدولية والدستورية في تقسيم الدوائر الانتخابية د. مصطفى يوسف اللداوي: نتنياهو الرئيس والوزير الدكتور عادل عامر: أحوال الزواج في مصر د.مصطفى يوسف اللداوي: حقيقة التحقيقات العسكرية الإسرائيلية أنطوان القزي: عولمة التطرّف‏ حسن محمودي: لا يمكن شد الشمس بالوثاق