د.جميل الدويهي: فيصل جلول يطارد سعيد عقل إلى مثواه .. ودينا جابر اكتشفت أنّ الشاعر الكبير "بلا عقل"

| 27.12,14. 02:35 AM |



فيصل جلول يطارد سعيد عقل إلى مثواه

ودينا جابر اكتشفت أنّ الشاعر الكبير "بلا عقل"



بقلم د.جميل الدويهي

 

ينطلق فيصل جلول في مقالته "سعيد عقل مات عنصريا يحتقر العرب ولسانهم ويحلم بإبادة الفلسطينيين فعلام تضيروه (الصحيح تضيرونه) في مرقده الاخير؟" (صحيفة رأي اليوم، عدد 5 كانون الأول 2014) من جملة أفكار مسبقة كوّنها عن الشاعر الكبير سعيد عقل، وأيضاً من منطلق أيديولوجي وسياسي، ما يُظهر نأي جلول نأياً تاماً عن طبيعة النقد العلمي الذي لا يختلط فيه الحابل بالنابل، فالموقف السياسي والاجتماعي والديني لا يتعارض مع شعرية الشاعر، ولنا في التاريخ أمثلة عديدة على صحّة ما نقول، فكون امرئ القيس خليعاً متهتّكاً ومطارداً للنساء لا يلغي عنه أنه شاعر مبدع، بل هو أوّل الفحول وأعلاهم مقاماً، وأرهبهم سطوة، وكون أبي نواس ماجناً وزنديقاً (في التعريف الديني الضيق)، لا ينفي عنه أنه من كبار الشعراء، وما قصيدته "دع عنك لومي" إلا تحفة فنية نادرة، تحتوي على شذرات من علوم الاجتماع والكيمياء والفيزياء وعلم النفس. وكان أبو نواس كارهاً للعرب، محتقراً لهم، ولا يرضى العيش في خيامهم: "ليس الاعاريب عند الله من أحد" يقول. وفي قصيدته التي ذكرناها يقول: "حاشا لدرّة أن تبنى الخيام لها وأن تروح عليها الإبل والشاء". أي إنه يرفض أن تدخل الخمرة إلى الخيمة العربية حيث ينام الأعراب إلى جانب الإبل والأغنام. وكان الكثير من الشعراء العرب في العصر العباسي يوصفون بالشعوبية أي باحتقار العرب، واعتبار أصولهم أرقى من الأصل العربي.

ولكي لا نُفهم خطأ ويقال إننا ندافع عن هؤلاء الشعوبيين، نسارع إلى القول: إن التمييز بين الشعوب والأعراق أمر في منتهى القبح، فليس لأحد فضل على أحد، لكنّ العنصريّة موجودة في كل أرض ومهما وُضعت قوانين لمنعها فإنها ستبقى بنسب متفاوتة هنا وهناك. وفي الوقت نفسه نصرّ على فكرة أنّ السلوك الشخصي للشاعر ومواقفه لا تعني أنه ليس بشاعر، وأن تحقيره في موته ليس فضيلة إلا لدى من لا يحترمون الميت في لحده، وأن الحطّ من قدره ليس واجباً مقدّساً إلا لدى قصيري النظر، فكم من شاعر ماركسي دُرِّس في جامعات أوروبا، وكم من عازف موسيقي يميل إلى النازية الهتلريّة ما تزال أعماله مشعة في العصور، فها هو مكسيم غوركي الأديب البلشفي الأول حاضر في كل مكتبة، في الشرق والغرب، وها هو أرثر ريمبو، على ما ألصق به من تهم أخلاقيّة، صوت صارخ في ضمير الشعر، وها هو اللورد بايرون المعادي للعثمانيين يدرّس في جامعات أنقرة واسطنبول, وها هو عزرا باوند الشاعر العملاق المناصر لفاشيّة موسوليني يكرّم في الغرب، ولكن عندنا في الشرق، فطائر الهامة يصيح في كثير من النفوس على مر السنوات: اسقوني اسقوني، فالثأر من القاتل والقتيل على حد سواء، ومسلسل الرعب مستمرّ إلى ما لا نهاية، وعندما نثأر للدم البالي فنحن لا نغادر المآتم.

نعم، كرِه سعيد عقل اللغة العربية، وقد يكون لم يحبّ العرب، وبشّر بالحرف اللاتيني، وأحب ذات يوم إسرائيل، وأعلن حربه على الفلسطينيين، ولكنه لم يصافح الإسرائيليين ولا عقدَ معهم معاهدات سلام، ولا جالسَهم ولا شرب القهوة معهم. وهو ينطلق من فكر سياسيّ كونه الرجل خلال حياته الطويلة. وكان يقول جهاراً نهاراً: "ما بحبّش العرب". ولكن الشعر شيء والانتماء السياسي شيء آخر.

ويرفض جلول مسامحة الرجل، بل يصر على عدم الفصل بين موقفه السياسي وشعره، فيقول: إن الفصل بين مواقف سعيد عقل وشعره تشبه "بأن يعفو قاض على مجرم لأنه عازف بيانو جيد أو ناظم أشعار جميلة". ويتضح من هذا الكلام أن جلول يسعى إلى محاكمة سعيد عقل في قبره، وهنا نسأله: لماذا لم يتوجّه إلى بيروت ويرفع قضية ضد سعيد عقل وهو حي بتهمة التحريض العنصري؟ ولماذا انتظر الرجل حتى يموت لكي ينقض عليه ويهشمه؟ ونحن لم نرَ جلول يكتب مقالة واحدة في زمن سعيد عقل ضد سعيد عقل، فهل كان أطرش وأصم، وفجأة تفتحت أذناه وانطلق لسانه بعد وفاة سعيد عقل؟

وينتقد جلول الصحف التي تدّعي الدفاع عن "المقاومة اللبنانية" في وصفها لسعيد عقل بأنه "كريستال الصالون، أناقته لا تضاهى، قطعة الزمرد، لم يلتوِ له غصن... إلخ". وفي رأينا كان على تلك الصحف أن توضح لجلول أن كتابها محترفون، ويفهمون الأدب والشعر، ولا يحكمون على الوردة من خلال شوكها بل من خلال عطرها ورونقها. جميع اللبنانيين يعرفون سعيد عقل واتجاهاته الفكرية، والرجل ليس جباناً بل كان يقول كلمته بصوت عال وفي وضح النهار، واللبنانيون لا يثأرون من الموتى. وهكذا كنا نشتهي أن يفعل السيد جلول، فالأعداء في المآتم يتصالحون، والأحياء لا يدينون لكي لا يُدانوا ذات يوم.

ويستشهد جلول بأقوال لسعيد عقل تبدو أغلبها مأخوذة من فترة الحرب اللبنانية، وبعنصريته ضد الفلسطينيين، وسعيد عقل كما هو معروف الأب الروحي لحزب "حراس الأرز" الذي كان يعادي الفلسطينيين (في لبنان فقط). وما أدراك ما الحرب وما فيها من فواحش: "وما الحرب إلا ما علمتم وذقتمُ          وما هو عنها بالحديث المرجَّم". وقد عفا اتفاق الطائف عما مضى، فلماذا لا يعفو جلول ويريد أن يطارد سعيد عقل ذي المئتين واثنين من الأعوام إلى مثواه الأخير؟

وينتقد فيصل جلول كلام الشاعر طلال حيدر الذي طالب بأن يُعلن العالم العربي الحداد على سعيد عقل. وطلال حيدر شاعر شفّاف أنيق، متسامح، لا يمثل بالجثث، ويرفض طعن الموتى بالسكاكين وهم في أكفانهم... وطلال حيدر شاعر يتخطى مشاعر العداء والنفور ليقف بجلال أمام هيبة الموت، وطلال حيدر يفهم فقط سعيد عقل شاعراً ولا يحكم عليه إلا من خلال شعره، وشتّان بين أحاسيس طلال حيدر ومن هم مثل طلال حيدر وبين إنسان مملوء حقداً وانتقاماً ورغبة في التشفي.

ويتعمد جلول استخدام لغة أدبية لكي يدغدغ المشاعر ويحرّض على الشاعر الميت: "في الحدائق العنصرية والفاشية والنازية تروى النباتات بدماء الضحايا وآلامهم وصراخهم. وفي "حديقة" سعيد عقل، نبتت شقائق النعمان على دم طفل فلسطيني قتله شعار "ادفع دولارا تقتل فلسطينيا" وعلى دموع امرأة لبنانية فقيرة ذبحت ميليشيا الشاعر عائلتها في صبرا وشاتيلا". ونحن نترك للقارئ اللبيب أن يكشف مقدار الإفراط في تصوير الشاعر سعيد عقل، وبلغة أدبية ضعيفة، وكأنه مسؤول عن المجازر والكوارث جميعاً. كما نترك للقارئ أيضاً أن يكتشف "الحيدية" في كلام جلول، حيث لا يريد أن يعطي أي انطباع بأن مجازر أخرى غير صبرا وشاتيلا قد ارتُكبت.

وكم كنا نتمنى أن يبرهن لنا جلول مواطن الضعف والركاكة في شعر سعيد عقل، وأن يكتب لنا مقالة عن سرقات سعيد عقل (مثلاً)، بدلاً من أن يدفعنا إلى الغثيان بحقد أعمى، وانتقام فظيع...

ومثل جلول فعلت دينا جابر، التي كتبت مقالاً بعنوان: "الجنازة حامية والميت "بلا عقل"" (شبكة قدس، 30 تشرين الثاني 2014)، وجميع العرب يعرفون كيف حوّرت جابر، حاملة الماجستير، مثلاً شائعاً يُحقّر الميت لتطلقه عنواناً لمقالتها. وتنطلق لينا أيضاً من مجزرة صبرا وشاتيلا، وهي كما يعرف جميع الناس ليست مجزَرة يتيمة في تاريخ الحرب اللبنانية لكي يتم التركيز عليها باستمرار، و"تحييد" الأنظار عن غيرها من المآسي والمآتم، فالروح البشرية هي روح إلى أي جهة انتمت، وليس في الأرواح تفضيل.

وماذا إذا كان سعيد عقل يؤمن بالقومية اللبنانية؟ إنّ أحزاباً عربية قامت على فكرة الفينيقيّة التي تستثني دولاً عربية من إطار الوحدة. وأيّ وحدة؟! وهناك فئات تطالب بأن تكون القومية إسلامية لا عروبية، وفئات في مصر طالبت وتطالب بالفرعونية, ولسنا في حاجة إلى أمثلة على صحة ما نقول.

ثم هل عند جابر مقياس للعقل شبيه بمقياس ريختر لكي تميز بين العقل النيّر والعقل الضعيف؟ وهل هي أكاديمية فعلاً لتقول عن إنسان إنه بغير عقل؟ وهل ثقافتها ومعرفتها أعمق من معرفة سعيد عقل؟ وهل شعريّتها رائدة ونثرها جليل؟ وهل تستطيع أن تحاضر في العلوم والحضارة والدين والفكر ارتجالاً كسعيد عقل؟ إنني أراهن بأن جابر لم تنظم بيتاً من الشعر في حياتها، وإن كتبت بيتاً فهو ركيك.

لقد أعمى بصرها الحقد على الرجل، ولكن ويبقى سعيد عقل فوق الفوق - كما قلت في قصيدتي عنه- فمهما لعلعت الرياح يظلّ الجبل واقفاً ولا يموت. وإذا كان جلول وجابر يريدان نبش القبور والعودة إلى الماضي، فمن حقّ اللبنانيين أن يطالبوهما بصفاء الذاكرة، والحكم بالعدل الذي هو سيّد الأحكام.
وتطلب جابر في النهاية أن ندخل إلى محرِّك غوغل لنعرف من هو شاعر الأمة العربية، سعيد عقل أم محمود درويش؟ وهذا الطلب لا يعنينا لا كمثقّفين ولا أكاديميين ولا أناس عاديين، بل هو يدل على سذاجة لدى من تطلبه، فهل التفضيل بين إدغار ألن بو ومحمود درويش يجب أن يقوم على الترويج للقومية العربية؟ إنّ سعيد عقل لم يبنِ عمارته الشعرية لا على القومية العربية ولا على القومية اللبنانية. لقد بناها بشعر راقٍ، هو فعلاً "كريستال الصالون، وأناقته لا تضاهى، وهو قطعة الزمرد، ولم يلتوِ له غصن"... وبلغة عالية لا يبلغ شأنها لا القليلون




(Votes: 0)

Other News

انطوان القزي: من نينوى إلى أربيل طوني حنَّا (النسر) :حـــبّـــــك الشاعر الدكتور جميل الدويهي:إلى الشاعر الكبير سعيد عقل في يوم رقاده الشاعر طوني حنا (النسر): ضــــــــــــــــــاع الـــــمـِــــــــــــرســــــــــال Tony Hanna: Darkness الشاعرطوني حنَّا (النسر) : بْــــــعِـــــــدْنـــــــا Tony Hanna: What Can I Do? الشاعر طوني حنَّا (النسر): طـــــــلِّــــي قـــبـــــالـــــــي Tony Hanna: Drifted عاشق فلسطين، سميح القاسم للشاعر الدكتور جميل الدويهي طوني حنَّا (النسر) : كلـــــــمـــــــا بِـــــتــــْــأمَّــــــل فــيـــكــــي طوني حنَّا (النسر): طــــــعــــــم الســــهـــــــــره حـــلَّـــيـــتـــــي الشاعر طوني حنَّا (النسر): أحــــــــــــــــــــــــــــلام Tony Hanna:Away أبو الطيّب المتنبّي وأعداؤه الكثيرون .. علامات استفهام على قصائده واحترام لشعريّته ودوره طوني حنَّا (النسر): نُـــــــــــــــــور الــــــعــــــيــــــــن Tony Hanna: Cuddling Her Feet Tony Hanna : Born To Know أحـــــــلام: طوني حنَّا (النسر) Tony Hanna: Symptoms فؤاد مغامس: تحية للجيش اللبناني د. جميل الدويهي: الأرض مستطيلة طوني حنَّا (النسر): رحْــــــــــتـــــــــــــــي لـــــبــــــعـــــــيــــــــــد Tony Hanna: Marry Me طوني حنَّا (النسر): بْـــفـــكِّـــــــر فِــيــكـــــــــــي Tony Hanna: Morning الشاعر طوني حنَّا (النسر): غِـــبـــتــــي Tony Hanna: Blind لور بشور يونس: د.جميل الدويهي شاعر التأمل والحرية الشاعر طوني حنًّا (النسر) : ويـــــن رحــْــتـــي ويــــن؟