Farah News Online

  http://www.farah.net.au/


حوار مع الأديبةالتّشكيليّة الفلسطينيّة رجاء بكريّة

| 29.11,14. 03:01 PM |





حوار مع الأديبةالتّشكيليّة الفلسطينيّة رجاء بكريّة

 على بعدِ خفق من إصدارها الجديد "الباهرة"



التقتها: ابتسام أنطون


كلمة حق:   "رجاء بكرية هي أنثى الإيقاع الصاخب ،تلازم المسافة الابداعية ليكون زمنها فارق لا يشبه سواه , مرحلية الابداع تطوع انتاجها ليكون حاضرا في المغيب وترفض ان تكون مرحلة تسعى لتكون مرجعية ،

آسيانة الصمت في نبرة تمرد , خافتة العشق , تتحلى بنَفس عميق طويل  ،تربطها  صداقة مثينة وشفافة

تمنح الزهور الوانها الطبيعية ،والحجارة حركتها الترابية ،تختار أجسام ريشتها بأحجامهم الكبيرة لتكتمل الرمزية ،هي أديبة وروائية فلسطينية من حيفا وفنانة تشكيلية ,لها العديد من المقالات الأدبية ،السياسية والاجتماعية،أولى رواياتها عواء الذكرة وإمرأة الرسالة،التي طافت العالمين العربي والغربي،كان لي شرف الحوار مع إحدى الهامات الفلسطينية  الكبيرة كشأن رجاء بكرية."


حوار الألم، هكذا أسمّيهِ!

كانت حربُ غزّة على بُعدِ طلقة حين بدأتُ هذا الحوار، لكنّي لم أتوقّع أبدا أن أخجل لهذا الحد، وأنا أقارن فلسفة مشاعري بتلقائيّة أحاسيسهم، أولئك الصّغار. ظلّ بكاء النساء وصراخ الأطفال التلقائي كابوساً مرعباً يُلاحقُ نهاراتي. الموت يمشي في الشوارع، وفوق أسطح المنازل، المشافي، والمدارس،  كأن لا علاقة له بما يتركه خلفه من أسرّة مكتظّة بالنّوم. ولا أذكر أنّي بكيت بمثل تلك الحرقة. أحيانا كنتُ أفقدُ توازني، وأنهار، أعيش إنسانيّة قلبي بعيدا عن القوّة الّتي أطلقها في

كلماتي. لي قلبان، واحد فقدته قبل شهور من الآن، والآخر الباقي كثير الدوخان كلّما فجّت جمره، صورة طفل مدمّى الوجه تحت ركام غزّة وشوارعها. أكره الحروبات البشعة، وكلّها كذلك! لكنّ حرب غزّة كانت أبشعها في فقر أُناسِها، وحدتهم، عُزلتهم، غربة واقعهم، وظُلمِها. في ظروف استثنائيّة كهذه، وفي جبلٍ لا يمكنُ إلا أن يشتعلَ نارا كان لا بدّ للمقاومة من خوض هذه المعركة، فالمعركة لم تكن  لفصيل واحد، ولكن لكلّ التيارات والفصائل المُقاوِمة معا. للشّعبِ برمّتهِ. ولم يعد ممكنا، وفق معطيات المعركة، إطلاق يد القذائف والأباتشي على غاربها، لتحصد الأجساد والكرامة معا. وما كان ممكناً أن يَلُفّ المُقاتل سلاحه تحته ويقف متفرّجا على موته.

 لقد تجاوزت الخروقات الإسرائيليّة البشر والحجر، وحصدت بهستيريّة فائقة أخلاقيّات الحرب لحدٍّ لا يمكن تصوّره، لا تكافؤ بين المعسكرين، لكنّ ذلك لم يمنع دولة "أخلاقيّة" جداً من إنجاز مهمّة المسح على أحسن وجه. ولو اقترحتُ عنوانا لهذا الحوار سأسمّيه حوار الألم! 


الكاتبة الروائية رجاء بكرية ..ما هو الظرف الذي منحك هذا المنحى من الكتابة؟ من هي امرأة الرسالة؟

لا نكتب غالبا لأنّ ظرفا ما يفرض علينا أن نفعل، ولكن لأن تراكمات التجربة الّتي نخوضها تستدعي ابتكار تكنيك مختلف لفرض حضورنا. واليوم علينا كأقليّة في دولة محكومين فيها لمعايير غير مفهومة ضمنا ولكن فرضا، أن نحدّد خيارات الكتابة. وعليه فمشروع هذه الرّواية يندرج تحت ما يسمّى كتابة الفرض. فرض الحالة، بالرّسم والإسم مكانا وزمانا، فكرا وحسّاً، بحرا ويابسة. نشوة في روايتي تحاول أن تسجّل على شطّ السّماء أفقا اختصاره، "هذا المكانُ لي". إشكالية المكان بموروثها التّاريخي والجغرافي، والإنساني، والنّضالي إذا استدعت الحاجة. أرادت أن ترفع عَلَمَ مُدُنٍ تعيش نفَسَهَا وجسدها عبر اختلال المسافة بينها وبين آخرين، الحاضر في واقع السياسة، والمغيّب عنها جهلا، هو الشَعب العربي بدُوَلِه ومدنه.

ونجحت لحدٍّ بعيد. أردتُ أن أذكرَ عكّا فينهارُ جسرَ الحنين حيثُ يسقُطُ ذاكرة وجسداً، تاريخا وإسمنتاً!

ولذلك جنّدت قصاصات من الواقع المعاش حول أسطورة الإرهابي الّذي سجّلهُ اليهودُ على مزاجهم في كشاكيل مفاهيمهم ووثّقتُ سردا حالة نموذجيّة لتشويه الذّاكرة والأمكنة، وتطرّفتُ فيها حدّ تطرّفهم، فكان غسّان الفنّان المُرهَف، هو ذات غسّان الواقعِ المجني عليه في حادثة الكابري. مسرَحْتُهُ كحالةٍ استثنائيّة ليحشدُ القاعدة بمنطق الرّفض والبقاء.   


الكتابة صيغة مباشِرَة للكاتب, كم أنت مباشرة حين تصوغين ذاتك حين تكتنين؟

غالبا، لستُ مباشرة حتّى في مقالتي النّقديّة، فكيف سيكون عليه الحال لو أنّا تحدّثنا عن لغة الأدب؟ لا بدّ أن أعترف أنّ المباشرة آخر معاقلي, فالأدب لم يكن يوما لغة اعتراف. في كتابات الإعترافات يحدث أن نكون مباشرين لأبعد حد لإقناع من نحاورهم عبر نصوصنا، لكنّ صناعة الأدب تحتاج خطابا آخر أساسه أفحاخ السّحر، وهذه الأفخاخ تحتاج لكثير من الحيلة والصّدق، والإستدارج المباغت للمُخيّلة، وفقط عند هذا المنعطف يجتهدان كليهما، الأفخاخ والسّحر معا في كتم سرّ هذه الصّداقة المشبوهة.


كيف تكتبين؟ أفي يقين تام أم أنّ اللامعقول هو اليقين عندكِ؟

تقصيدين باليقين الحالة العقلانيّة! من غير الممكن للعقلانيّة البحتة أن تصنع أدبا لافتا، وهي تصبح عقلانيّة حين تتجاوز أبعادها باعتقادي. الإبداع يحتاج أن تتحلّل من كلّ أسباب المعقول وغير الجائز، وتصغي لصوت واحد يوجّهك، هو رقيبك الدّاخلي! المطلق هو حالة اليقين الممكنة لإنجاز أبسط نص!

ألا يمكن للإبداع أن يتحقّق بمعزل عن الدّراسة الأكاديمية؟

هوَ سُنونو حُرّة لا يرغمها غير هَوى الحالة للخضوع، ولا تخضع لخلاف الكلمة، كالسّنونو تماما، فهي عصفورة بريّة أنيقة ورشيقة وحرّة، حين تنطلق فكالصّاروخ دون أن تتوقَّع، ولو شبهُ احتمال للإيقاع بها، لكن أمومتها تجعلها بيتيّة جدا، تسخّر كلّ ما تعرفه عن الأمومة في هندسة بيتها الجميل الأنيق، هي أبدا لا تتنازل عن مواصفات العشّ المُنمَّق المحسوب كالإبداع تماما، فهو يفكّر بتقنين هواهُ فقط حين تستدعيهِ ضرورة الكتابة، لكنّ الدّراسة أبدا ليست شرطا للإبداع، وسرّ الإبداع أنّه بعلا، لا يروي عطشه إلا من غارات المطر المواسميّة، لكنّني بالمقابل أجد الكتابة مشروعا يستدعي كمّاً هائلا من الثّقافة، ولن أجتهد في الإشارة للبون الشّاسع بين الكتابة والإبداع، هما ليسا مفردتين لحالة واحدة.  

هل تولي رجاء بكرية لحيثيات زمكانيّة؟

أنا امرأة تُرابيّة، لكن أمتلكُ بعض الهواء والنّار، غير أنّ مرجعي تُرابي، والمرجعيّات الترابيّة تحرص على أرض يدعسُ فيها الجسد. فالمكان لديّ موطء شوق وشوك في آن. ولا يهم تاريخه ولا جغرافيّته، المهم أن أعشق مناخاته، حينها يصير لي، وملزَمَةٌ أن ُأَعَرّفَ بالتّزامُنِ مع حضوره. غالبا لا أوثّق كتاباتي غائبة عن زمانها ومكانها، لأنّه من غير الممكن أن أكتب دون مرجعيّة حسيّة لقلبي ومخيّلتي، منه أشعُلُ أو أشتَعِل، وعكّا واحدة من أشدّ أمكنتي سحرا وانسحارا بشخوص قصصي! أحبّها كما هي وكفى! لكنّ حيفا تنافسها بلا آخر على التنابت فيّ.

هل للأحلام  قيمة أخرى في كتابتك؟

من الحلم تأتي النّبوءة لدي! نبوءة الكتابة، الشّخوص، الأبطال، الأحداث. انعدام مساحة الحلم فيها نسف لمثيرات الجمال في الحياة، فمنه نستمدّ نكهة السحر كما نستمد الشوق من نكهة قهوة أخَذَنَا هَالّها. فالحُلُمُ إذن هالُ الكينونة، وبدونه لا نكهة للعيش. وإذا أردتِ أن تعرفي ماذا يفتنني في القهوة، سأخبرك نكهة الهال الذي يتخلّلُ بُنَّها. وأستطيع أن أنقطع عنها لأيّام إذا لم أعثر على ما يفتتني في مذاقها. هكذا أنا امرأة من أحلام متداخلة، متناقضة، متقاتلة، المنتصر الوحيد فيها ألوانها، ولا أعترض. 

فالكثير مِنِّي نسجَهُ الحلم، ابتداء بأبطالي، وانتهاء ببطولاتي المُتخيّلة والحقيقيّة، وأفكار قصصي إذا لم تراود حلمي شأن يقظتي لمرّات أُسّقطها من اعتباراتي. لكنّ المشكلة، أنّنا لا نصغي لهمس أحلامِنا بما يكفي لنصنع أمجاد حاضِرِنا!


أين ترشفين راحتك حين تتعبين؟

أسافرُ حينَ أتعب، ولمدّة طويلة غالبا ثلاثة أسابيع على أقلّ تقدير، في الماضي كنت أغيب لشهر أو شهرين. لا أحبّ السّفر، ولكن حين أتعب لا أفكّر إلا به، وأبعد أمكنة في العالم. أستجم وأقلب كلّ زاوية في المناطق الّتي أصلها. أبدأه سفرا منظّما ثمّ أنفصل لأكتشف العالم الّذي أحب بمفردي. زرت معظم دول العالم، وبعضها زرته لمرّات كفرنسا مثلا.

ماذا يعني لك العمر؟كيف تعيشين ولماذا؟

كلّ يوم أعيشهُ ملزمة بالعُثُورِ على مُحرّضاتٍ لإثارَتِه. يجب ألا أتوقّف عنِ الدّهشة من زهرة في كأس، فكرةٌ في كتاب، صورة في موج بحر، عطر في مخابىء قلب، شوق إلى سيجارة في منفضة، أو بطل رواية قادمة، وإلا فأنا في مشكلة. فأنتَ حين تتوقّف عنِ الإِدهاشِ والإندهاش يَبرُدُ يَومُكَ، ويتناثرُ عُمرك كَوَرقِ جوريّةٍ ناشِفة. أيّامي عَبِقةٌ بقرنفل التحدّي، توجدُ توابل خَليطُ القُرُنفُلِ بأنواعِهِ تحرّضُ القلبَ عَلى القفزِ تحتَ قَصفِ المُفاجأة! وأعتبر نفسي الأجمل كلّما تقدمتُ سنة، وأزداد اعتناء بمظهري، وقلبي وعِطرِ وَرَقِي، فالزّمن لا يقاسُ بالسّنوات ولكن بلحظات بَوحِهِ، وإنجازات روحِه!

ما هي الانسانية حسب وجهة نظرك؟

الإنسانيّة مفردة غاية في الشّفافيّة، ولذلك، فأنا أعتبرُ وجودها نادر في أيّامنا، وبرأيي حتّى نكون إنسانيّين يجب أن نمتلك إصبعاً سادِسة تلهمنا قراءة الآخر، غريمنا في الحضور. قلّة منّا تجيد ذلك، وقلّة تفعل، كأن تفتّش عن الجمال في كلّ ما تراه حولك، حتّى لو كان في عيني سواك بشعا, في البشاعة أجد مسربا للجمال، ولذلك أُلامُ أحيانا لأنّي لا أجيز إسقاط تسميات تؤذي سواي، على بشاعتها إلا في النّقد. لكن قد يصدر منّي صدّا مضاعفا يعادل إنسانيّتي الّتي أغفر بها للآخرين حدَّ سَحقِه إذا مُسّا اثنين، كبريائي، وذكاء ذائقتي! 

أحيانا تكونين ضد الطروحات النسوية لقضية المرأة ..ألذلك علاقة بإيمانك بعدم جواز انفصالها عن الرجل كقضية؟

غالبا، لا أستسيغ الطّروحات النسويّة، لأنّها تجنح للتطرّف والمبالغة. أن أتطرّف بمواقفي في إطار طروحات فرديّة مجاز، لأنّني من يقرّر منطق الموقف، بينما في إطار المجموع النّسوي، فلا أحتفي بها، خصوصا وأنّها فريسة سهلة لمصادمات بلا آخر، وعدم وضوح رؤيا, فالمواقف وخلفيّاتها يجب أن تعتمد على  ثقافة واسعة مهما بدت صغيرة وهامشيّة، وهذا ما لا تمتلكه هذه التجمّعات غالبا. القضيّة الأخرى تتعلّق بالصّورة الّتي ترى المرأة نفسها من خلالها! هل تمتلىء بحضورها الذّاتي في واقع ما تعيشهُ وتعايشهُ؟ غالبا تصدر الطّروحات النّسويّة كتحصيل حاصل لفراغ حسّي، وارتباك فكري وفق النّماذج الّتي صادفتها. ولأنّني لا أرغب بفكرة تهميش المرأة لإنجازاتها أعوّل على بقائها ضمن المنظومة العامّة للأدب، لها ما للرّجل من حقّ وحضور، فكلّ عمليّة انقطاع إلى المجموع النّسوي كظاهرة استثنائيّة تؤدّي بها غالبا لتهميش مجحف، وإهمال صفيق. يضاف لما قلته  فأنا لا أؤمن بالعمل الجماعي في نطاق المشاريع الأدبيّة النسويّة والرّجاليّة إلا فيما ندر، وأعتبرها رخوة، وعاقر، بل بالمشاريع الفرديّة. وواقع التّجارب الثّقافيّة تثبت أنّ العمل الأدبي هو نتاج فرداني بحت مصدره تفكير ومخيّلة وشعور صانعه، واجتهاداته. 

اين تجدين مساحتك الابداعية اوسع في الرسم ام في الكتابة؟

لعلّها جدليّة الحضور والغياب هي ما يفرض سؤالك هذا! كم أحضر في الرّسم مقابل الأدب؟ لكنّ الحقيقة أنّني أمارس رياضة حرّة في المياة الإقليميّة لكليهما، ولو أنّي منذ سنوات لا ألاعبُ اللّون، أو أغمس قلبي بزيتِ رَهفِه. أشعر بهذه الحاجة، لكنّ تكاتف مشاريعي الكتابيّة تبعدني، لأنّ اللّون يحتاج لتفرّغ حسّي كامل، هو يأخذك لمستويات لا علاقة لها بالواقع، وأنت حيث تكون معه تنسى الزّمان والمكان، وعليك أن تمنحه ذاتك، لا تجوز أنصاف الحالة معه، بينما الكتابة هي مساحة أشدّ اتّساعا للغياب الحاضر مهما ابتعد، وأعني أن مسافات الغياب تسطو عليكَ في جولات قصف سريع غالبا، وإن طالت يمكنك أن تفاجىء نفسك بمقالة تناصر فيها حياتك. لقد ابتكرتُ مشروع سفر جميل من خلال رسم مشاريعي الرّوائيّة والقصصيّة، لا أشعر أنّني أكتب بقدر ما أرسم، وعن غير تخطيط مسبق. أصابعي تلوّنُ مساحات البياض وتقرّر أبعاد قلبها. لذلك أعتبر نفسي غالبا محظوظة، كأنّي لم أبتعد عن الرّسم أبدا, لكن يجوز أن أعترف أنّي أحتاج هذا التفرّغ الحسّي الزخم للأقمشة والألوان بعيدا عمّا يجري

كيف تجنّسين كتاباتك؟ وهل للفكر جنس ,أنثوي أو ذكوري؟

لا أميل للتّجنيس. وعليّ أن أقتنع أوّلا بحضور واحدهما منعزلا عنِ الآخر! لكن أعترف أنّ للكتابة النّسائيّة نكهة ورائحة ودفء لا تعرفه كتابة الرّجل مهما اجتهدت في ابتكاراتِها، لأنّ هذا التفرّد يولدُ معها، ويأخذ من خصوبة جسدها ورائحته!


Farah News