لور بشور يونس: د.جميل الدويهي شاعر التأمل والحرية

| 27.07,14. 06:31 PM |


د.جميل الدويهي شاعر التأمل والحرية




بخضاب الورد غمس ريشته الذهبيَّة ففاض المداد جورياً ، وجُنّ العبق بين القوافي ، وماج شعراً وردياٍ . فبين رقصة الفجر الطروب وتنهيدة الغسق السكوب ، يطل الشاعر رسول جمال وحرية ، وفنان كلمة وصورة وإيقاع عبر انثناءات وجدانه وطقوسية خياله الشعري .

فردوس ميثولوجي رؤاه ... شرفات حنين قصائده ، ولقاء عنادل في رحاب الياسمين ... وعلى دروب شاعريته مجامر شوق نوراني ، تلفح الوجنات بوهجها القدسي ، فتلمع الأنسنة نجوم ألوهية في سماء الكلمة - الذات.

مَن قرأه سكن الأسطورة ، واستوطنه مفتاحها السحري ... ومن سمعه ورنا إلى إيقاعاته الموسيقيةالمسترسلةوأوزانه الشعرية الرشيقة ، أيقن أنّ لسلالم الشعر أربابها الخلاقين ، وأن مناخ شعره يطغى عليه النغم الليثورجي ، فتلتمع أبيات من قصائده هيولى لمزامير عصرية ، ونايات لتجليات سماعية... وأنت تسمع أشعاره تأسرك سمفونيات جمال وترحال. تلملم في أسفاره أوتاراً منعتقة من بيوت العناكب، وتفك أوثاق كلمات غارقة في عتمة العدمية .

الدكتور جميل الدويهي قلم أسطوري يستقرئ مراسيل الملوك والعظماء أراجيز شعرية ، ويستنبط كتب التاريخ بحدسه الشعري منحوتات وأيقونات ، فترقص الحضارات في محرابه الشعري ، وتتحول مراثي الأوطان أهازيج فرح وحرية ...في دواوينه يطل الشاعر على حصانه فارساً نبيلاً يتشح باللازورد ويعتمر قبعة من نور الشمس . يلمع بيمينه سيف فضي منارة جمال وحق وحرية . في صحراء الفكر يشقّ أعنان الضبابية ، ويقطع أعناق القماقم الرمادية، فتتفتح الواحات كوثراً لجينياً . حيث يحمل الشاعر قلبه الماسي قنديل أمل ورجاء يمحو ظلمات اليباب ويبدد سرابية الغربة ، ويزرع اللقاء والتواصل سنابل طيب ، وإذذاك تدوزن سنونوات الناردين كمنجاته لتسكر عند الظهيرة ، فوق شباك عرزاله الصوفي. الشعر عند الدويهي ملك شرقي ، وشاحه نسائج ذهب ، وتاجه ترصيع لآلئ ، وصولجانه أبجدية نور . لكنه يأبى الجلوس على عرشه قبل إعادة إظهار نفسه إنساناً ماورائياً ميثولوجياً ، امبراطوريته طروحات إيديولوجية تنتقي العولمة الجمالية جغرافية لامتداداتها ، وتحتضن الشرق حجر أساس لتطلعاتها وتجلي شاعرها . ولا نبالغ إن قلنا : إن شعر الدويهي يتبلور ميثولوجياً نصف إله ، أسطوري الطلعة ، ثوروي الهامة ، غرائبي الجمال ، مآثره من لدن الغيب والماورائيات ، لكن وقع خطواته على التراب مرئي يترك نقوشاً ورسومات من كهوف التاريخ ومغاور الحضارات . مملكة الفينيق في إغفاءاتها الرمادية ، هجعت أرجوانية المآقي تستلهم من فهرسه الثوروي أسرار اليقظة وعناوين انبعاث . إن الدكتور جميل الدويهي شاعر كليم بليغ ، أنيق الديباجة ، رقيق المشاعر ؛ أسلوبه من الطراز الرفيع . قاموسه الشعري مزدان بروحية التامل ، ومعانيه مفعمة بمناخ الفلسفة وزخم الشمولية . تتسم مواقفه بالجرأة والنبل . في بستانه الشعري كم حمل النرجس والمنثور توقيع خياله الشفيق ! وفي ممرات الريحان والعنبر ، كم تدثرت الخمائل بغلائل حواريه ! وكم ترنحت الزنابق والورود أراجيح انتظار ! هو شاعر المرأة – الإلهة الطالعة من بحيرة النور ، العابقة بضوعة الطيوب ، المتفتح قلبها أريج بنفسجة . في قاموسه الغزلي يتعمد الحب بضوئية الروح، ويتأنسن الجسد ويرتقي مستدفئاً بلهب الفكر الصوفي . يتقد قلب الحبيبين جمراً تحت رماد ، لا تبعثره أو تذريه رياح الشغف الحسيِّ ، ويغدو وجه الحبيبة منارة شاطئ لازوردي يحتضن اللقاء النبيل .

تتبلور القصيدة عند الدويهي في معظم نماذجها عبر اتساق مدارها وتكامل عناصرها ووحدتها الموضوعية عمارة فنية استوحى هندستها من هيكلية التراث وروحيتها من مخزوناته الثقافية وأبجدية العصر ؛ إذ بين عامودية الشعر وأفقيته تترنح الشاعرية بين خلفية تراثية أصيلة وأسلوبية مشرقة غارقة في التحديث والعصرنة . أما الإبداعية فترتسم كوناً شعرياً يكرِس بتفرد جمالاته هوية خاصة تساهم في توسيع دائرة النهضة الأدبية وإغنائها ، حتى أنه يمكننا القول : إن القصيدة عند جميل الدويهي هرم جمالي ، والشاعر على قمتها في استشرافه الوجود تأسره شعرياً ثنائية وحي وصنعة حتمية غير مفتعلة ، أو قل : جدلية وعي ولا وعي عبر تصاعدية في الارتقاء الهندسي والجمالي .

الصور الشعرية عنده فردوس مشبع بالإيحائية والرمزية وعبر علاقات جديدة بين مفردات الشعر وتراكيبه ، يبحث الشاعر عن

ألوان جديدة ... عن فراديس مفقودة ، موجودة في لاوعيه الشعري ، يطلقها في قصائده نماذج خلق وإبداع . الشعر هنا يتبلور فعل تغيير : نغماً غيبياً ينبئ عن الغد ويستلهم دقائقه وثوانيه...وهنا القصيدة مرآة تعكس الرؤيا المستقبلية عبر الحدس الشعري . هي ليست ترجماناً للتجربة الشعرية الآنية فحسب ، بل هي أيضاً تجسيد لأبعادها ومفاعيلها الرؤيوية . فالشاعر في تخطيه الواقع يصبح هو ضمير الأمة، يزرع في باطنية الروح الجماعية بذور الثورة البيضاء ، ثورة الحرف والرؤية والرؤى ، لا سيما إذا كان شاعر التزام ، إنساني النزعة ، كوني التطلعات .

وخلاصة القول : في المغترب ، وتحديداً في سيدني ، ضجة دافئة أحدثتها أقلام مهجرية ، من أبرزها الشاعر جميل الدويهي . هو كما رفاق الدرب والقلم ، تحت وسادته المزروعة أحلام عودة إلى مراسي الشرق ، خبأ قصيدة الرجوع ذخيرة حب وعبادة للوطن . قصيدة يرنمها "الطائر الأزرق" محدثاً في الكون تموجات أثيرية لشاعرية تسافر دوماً على أجنحة الجمال إلى موطن الورود.

مراراً بين المقلبين تهشمت المرايا ، فنسيت الكرة الأرضية أن لوجهها استدارة . وما زال هنا وهنالك شعراء يحلمون بشفافية ، يتمنون على الأرض ألا تستفيق من غيبوبتها .

"وسادة الانتظار" بين ثناياك الغارقة بالأحلام ، دموع قدسها الحنين ، ففاضت عند سفوح الشرق جداول حب وأشواق .

وأخيراً جميل الدويهي شاعر من الشرق ، استوطن بحيرة النور ، يأسره طيب المجامر . في قلبه الوضاء شيد للحرية مذبحاً وللجمال معبداً ، فتفتق الصخر شقائق نعمان ، وتدثرت الصحراء بوشائح الجاكاراندا والخزامى ، وراقصاً تفتح الكون أزاهير فل وغاردينيا ...كل هذا يحيا ويتبلور في فردوسه الشعري .

حصاد الشعر ، على بيادرك ، شاعرنا الأنيق ، ينبعث غلات أمجاد وحضارة ، فلا زلت يقظة نبل وحرية في الضمائر والأوطان ، ودفقاً ثوروياً في قلب الشعر وفي كيان اللغة العربية .

لور بشور يونس – بيروت



(Votes: 0)

Other News

الشاعر طوني حنًّا (النسر) : ويـــــن رحــْــتـــي ويــــن؟ Tony Hanna: Once Love الدكتور جميل ميلاد الدويهي: عفواً أبا تمّام (فجَّروا تمثال الشاعر) الشاعر طوني حنَّا (النسر) : مــــــقـــــــــهـــــــور Tony Hanna: Thank you الشاعر طوني حنا :أمُّــــــــــــــــوره Tony Hanna: Many Years طوني حنَّا (النسر): الـــــــــــــنـــــــــــــــار Tony Hanna: Me & You الشاعرجميل نقولا الحايك: "الشعِر تاج الشاعِر" الشاعر جميل نقولا الحايك: "يا بنت الشعِر فيقي" من فؤاد مغامس إلى المرحوم جورج خزامي: كنت الصديق المخلص العاقل حوار بين الشاعرين مروان كساب وجميل الحايك بين العلم والمال4 أمسية زجلية شعرية مع العملاقين الزجلين الدكتور مروان كسّاب والشاعر الكبير جورج منصور طوني حنَّا (النسر): مْـــجـــــــــانـــــــيـــــــــن Need Me: Tony Hanna حوار بين الشاعرين مروان كساب وجميل الحايك: بين العلم والمال 3 الشاعرجميل الحايك: "شَردِة خَيال" حوار بين الشاعرين مروان كساب وجميل الحايك: بين العلم و المال2 الشاعر طوني حنا (النسر): لمّـــــــــا عِـــــــرفِـــــتْ المْــــــديـــنِــــــــــــه حوار بين الشاعرين مروان كساب وجميل الحايك: بين العلم والمال1 "قصيدة غَزَل وجداني"..الشاعر جميل الحايك تعزية مرفوعة من الشاعرجميل نقولا الحايك الى عائلة العزيز المرحوم جورج خزامي خواطر بين الشاعرين مروان كساب وجميل الحايك الشاعرجميل نقولا الحايك.."بيتي بيتها" الشاعر طوني حنَّا (النسر): لــْــــــــــــويــــــــْـــــــن "الشاعرجميل نقولا الحايك:"هتمّو بالإم هتمّو الشاعرجميل نقولا الحايك: "بمناسبت عيد الإم" الشَاعِرة فْلورَا قَازَانْ : لأنها تنامُ على أطرافِ أصابعهِ الشاعِرجميل نقولا الحايك "بعد الوِصال"