كلمة امتنان إلى المحامية بهيَّة أبو حمد/ د. جميل الدويهي

| 12.09,13. 03:24 PM |

 

 

كلمة امتنان إلى المحامية بهيَّة أبو حمد

 

 

 

 

 د. جميل الدويهي

فرح نيوز:  أسمع أنَّ المحامية بهيَّة أبو حمد كرَّمت أو كُرّمت، وهي في الحالين تستحقُّ أن يُكتبَ عنها، لئلا يُظنّ أنَّ التكريم هو حركة فولكلوريَّة مستمرَّة لا تُغني ولا تسمن.

عرفت المحامية أبو حمد من بعيد، وكانت في سعي دائم وراء الكلمة والحقيقة، وهاتان الكلمتان لا يفصل بينهما حدّ السيف. وإن يكن الشاعر مثلي كاذباً، وفي كلّ واد يهيم، لكنَّه في قرارة نفسه إنسان يبحث عن الحقيقة، ويموت من أجلها كما فعل سقراط الرسول. الشاعر ليس جباناً لكي يكذب، ولكنَّه عندما يكذب يفعل ذلك من أجل الكلمة الجميلة والفكرة الطريفة.

وعندما عدت إلى أستراليا، بعد غيبة، كانت المحامية أبو حمد من أوائل المتَّصلين بي، وهم كثيرون. قلت في نفسي آنذاك: "صديقك من صدقك لا من صدّقك"، وبدأت أرثي كما رثت الخنساء أخويها، وكما رثى ابن الرومي أبناءه، حفنة من الأصدقاء الذين افتقدتهم في الليلة الظلماء، بعضهم غاب أو تغيَّب، وبعضهم نكر أو تنكَّر، وبعضهم دفَن رأسه في الرمال خشية أن  أراه، وبعضهم الآخر غضَّ النظر عن مأساتي في الغربة المتكرِّرة أو فقد النظر. فَرِحْتُ بالكثيرين من أهلي، ومات أهلي الآخرون.

وبهيَّة تمثِل لي على الأقلّ نوعين من النساء، فهي سيِّدة فاضلة تتسلَّح بالعزم والإرادة، وذات صوت عالٍ في وجه المتسلِّطين، وهي أيضاً، في حركتها ونشاطها، نقيض للصورة النمطيَّة التي اتَّسمت بها المرأة الشرقيَّة عموماً، بل أظنَّ أنَّها لا تنام إلاَّ قليلاً، لكثرة ما لديها من أعمال ومشاغل قد يعجز عنها رجال مثلي.

وقد أدهشني اهتمام بهيَّة أبو حمد بالأدب، وهي لم تدَّعِ يوماً أنَّها أديبة أو شاعرة، رغم انها تنظم الشعر الحديث وترتجل أشعاراً حفظتها من خزانة شعراء كبار، ما يدلُّ على تواضع وأمانة قلَّ نظيرهما، مقارنة ببعض الشعراء الذين يسرقون المعاني، وربَّما يسرقون أعمالاً بكاملها، وينسبونها إلى قريحتهم الفذَّة. ولا أكشف سرّاً إذا قلت إنَّ المحامية أبو حمد تعمل ليل نهار على جمع شمل الأدباء والشعراء، ودمجهم في بوتقة واحدة، بعيداً عن المشاحنات والخلافات التي لا طائل منها. ولست أعرف كيف استطاعت هذه المرأة المبدعة أن توفِّق بين مشاغلها في المحاكم، وبين هذا الاهتمام الراقي بالأدب. فهي من جهة وضعت نفسها في خدمة الإنسان، وحاربت عن كثيرين، ودافعت عن مظلومين، واضطهدَها الأشرار والفرِّيسيُّون، ومن جهة ثانية جعلت للأدب والشعر منبراً، وأحيت تراثاً كاد يصبح منسيّاً.

فبوركت اليدان اللتان تتتعبان من أجل حصاد من ذهب، وبورك العقل الذي أُعدَّ لنور البشريَّة، وطوبى للساعين إلى الأدب، فإنَّهم أبناء الله يدعون.



(Votes: 0)